رفض التطبيع مع إسرائيل : السلاح المتبقي (و الوحيد تقريبا) للنضال الفلسطيني

بقلم: عبد المجيد المسلمي
( عضو بحركة تحيا تونس)
منذ سنوات و في أحد برامج القناة الفرنسية طرح الصحفي اليهودي الأصلthierry Hardisson على سفير إسرائيل السابق في فرنسا ضم فلسطين و إسرائيل

إلى الإتحاد الأوروبي من أجل فض الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إلا أن السفير الإسرائيلي الأسبق رفض الفكرة جملة و تفصيلا مصرحا بان الهدف الأسمى لإسرائيل هو الإنتماء إلى الجامعة العربية باعتبارها فضاءها الطبيعي. وخلال قمة بيروت في مارس 2002 والذي طرح فيها ولي العهد السعودي الأمير عبد الله المبادرة العربية الشهيرة المتمثلة بالتطبيع مع إسرائيل مقابل انسحابها إلى حدود حزيران 1967 أعلن أريال شارون آنذاك استعداده الفوري للإلتحاق ببيروت والمشاركة في القمة العربية إن تلقى الدعوة الرسمية. و رغم أنه لم يتلق تلك الدعوة إلا أن القادة الصهاينة لم ييأسوا بتاتا في محاولاتهم لتحقيق علاقات طبيعية مع جيرانهم العرب الذين يناصبونهم العداء منذ احتلال لفلسطين.

التطبيع مع الجيران العرب :ضرورة حياتية للكيان الصهيوني
تتمثل المعضلة الإستراتيجية للكيان الصهيوني الغاصب في أنه مزروع كجسم غير طبيعي في قلب الوطن العربي الذي يعتبره عدوا محتلا وجب دحره و إنهاؤه. و قد فهم مؤسسو إسرائيل أنه لا يمكن لكيانهم أن يستمر و يحقق الإستقرار وهو في حالة صراع و حرب مع 20 بلدا عربيا و 200 مليون مواطن عربي. ناهيك بأن العزلة الإقتصادية لإسرائيل في محيطها تكلفها غاليا و تخنقها و قد تؤدي غلى نهايتها. فالبلدان العربية تمثل مصدر طاقة عظيمة لإسرائيل (غاز و نفط) موجودة على مرمى حجر من موانئها وهي التي تضطر لإستيرادها من أقاصي العالم. علاوة على أن البلدان العربية و خاصة الخليجية تتمتع بقدرة استهلاكية كبيرة تعتبرها إسرائيل سوقا كبرى لمنتوجاتها الكثيفة و المتنوعة و خاصة التكنولوجيا المتطورة. إضافة إلى أن إسرائيل تحتاج إلى يد عاملة كثيفة لإقتصادها القوي و المتطور و هي و إن كانت تستفيد من اليد العاملة الفلسطينية فإنها ترنو إلى استجلاب اليد العاملة العربية اللي تعاني البطالة في المشرق و المغرب.

من اتفاقيات السلام إلى اتفاقيات التطبيع
خلال الستينات من القرن الماضي حاولت إسرائيل كسر الطوق المضروب حولها بإقامة علاقات مع بلدان إقليمية مجاورة غير عربية مثل تركيا و إيران في عهد الشاه و أثيوبيا. و لكن الهدف الإستراتيجي لإسرائيل كان عقد اتفاقيات سلام مع بلدان الجوار أو ما يسمى بلدان الطوق و التي كانت في حالة حرب مع إسرائيل. و خلال السبعينات حققت إسرائيل اختراقا تاريخيا للعزلة التي تعيشها بعقد اتفاق سلام مع مصر الدولة الأكبر و الأقوى يعرف باتفاقية كامب دافيد في سبتمبر 1978 . أما الإختراق الأهم فهو اتفاق أوسلو للسلام في سبتمبر 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية و أصحاب القضية الأصليين والذي تم بمقتضاه عودة العدو اللدود ياسر عرفات إلى أرض فلسطين والشروع في تأسيس الدولة الفلسطينية و إقامة سلام نهائي. و قد أدى ذلك إلى موجة من خطوات تطبيع علاقات عديد البلدان العربية مع إسرائيل ( بما فيها تونس). إلا أن إسرائيل خرقت الإتفاق و أنهنته عمليا و توقف مسار التطبيع بين إسرائيل و البلدان العربية. و قد مر اتفاق السلام بين الأردن و إسرائيل (اتفاقية وادي عربة في أكتوبر 1994) دون ضجيج يذكر في موجة التطبيع التي عقبت اتفاقيات أوسلو. و بقيت لبنان حاجزا قويا ضد إسرائيل حيث يسيطر حزب الله على جنوبه المتاخم لها و حيث كان النظام السوري يمثل ثقلا سياسيا وحضورا عسكريا في لبنان. لذلك استعملت إسرائيل العدوان والقوة الغاشمة فهاجمت لبنان في صيف 2006 لمدة اسابيع و فرضت عليه «نصف اتفاقية سلام» من أهم بنودها تركيز قوات للأمم المتحدة في منطقة فاصلة بين لبنان و إسرائيل و فرض مراقبة أممية ودولية على المطار و الحدود البحرية بحجة التصدي لتدفق السلاح إلى لبنان.

بالمحصلة و من ضمن بلدان الطوق ( البلدان المجاورة لإسرائيل) لم تبق إلا سوريا التي لم توقع اتفاقية سلام مع إسرائيل. إذ مثلت هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل في حرب جوان 1967 مركز الصراع بين الدولتين. و لم تفلح الإدارات الأمريكية المتلاحقة في حلحلة هذا الملف سواء في عهد حافظ الاسد أو ابنه بشار. فإسرائيل تعتبر هضبة الجولان التي تطل مباشرة على تل أبيب قضية استراتيجية لأمنها القومي لا يمكن التخلي عنها في حين تصر سوريا على أنها أرض عربية سورية وجب استردادها..

رفض التطبيع : السلاح الوحيد المتبقي للنضال الفلسطيني
لقد جرب العرب و الفلسطينيون عديد أشكال النضال ضد إسرائيل من أجل نيل حقوقهم المشروعة. و لقد باءت الحروب النظامية التي خاضتها الدول العربية بالهزيمة سواء سنة 1948 أو 1967. و حتى حرب 1973 فلم تكن سوى نصف انتصار. و لم تعد هناك الآن أي إمكانية تقريبا لحرب نظامية تخوضها أنظمة عربية ضد إسرائيل نظرا لتفوقها العسكري الساحق و خاصة المساندة التي ستجدها من الدول الغربية و على رأسها أمريكا في أي حرب تخوضها. أما العمليات الخارجية التي كانت تقوم بها المقاومة الفلسطينية في الستينات و السبعينات من خطف للطائرات واحتجاز مدنيين إسرائليين ( عملية مونيخ) وإن نجحت في جلب تعاطف الرأي العام العالمي آنذاك فإنها أصبحت مرفوضة حتى من القوى المناصرة

للشعب الفلسطيني نظرا لتعرضها للمدنيين. و كذلك الشأن بالنسبة للعمليات الإنتحارية التي كانت تنفذها حركة حماس ضد المدنيين والتي جلبت التعاطف مع إسرائيل وأضرت بالقضية الفلسطينية. من جهة أخرى فإن التضاريس المنبسطة الجغرافية لفلسطين لا تحتوي على غابات كثيفة مثل «السيرا مايسترا» في كوبا أو على جبال و هضاب مثل الجزائر حتى ينطلق منها المقاومون. علاوة على أن إسرائيل عملت على عزل الشعب الفلسطيني عن الكيان الصهيوني عبر الجدار العازل و عبر تحصينات تحد من النضال الشعبي و السلمي الفلسطيني. ورغم ذلك فلم يمنع قيام انتفاضات شعبية جبارة مثل انتفاضة الحجارة.
لذلك يبقى رفض التطبيع مع إسرائيل و اشتراط نيل حقوق الشعب الفلسطيني كاملة أداة ضغط و سلاح ناجع و قوي بيد الشعوب العربية. لأن الكيان الصهيوني لا يستطيع البقاء و الديمومة في حالة حرب و في حالة عزلة اقتصادية في المحيط العربي الشعبي و الرسمي. فالأسلحة الاقتصادية في هذا العصر هي أقوى الأسلحة الفتاكة.
و اقتداء بالزعيم الراحل ياسر عرفات الذي حمل البندقية في يد و غصن الزيتون في يد أخرى : لا تسقطوا سلاح رفض التطبيع من أيدي الفلسطينيين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا