تجنبوا الجدل العقيم .. نصلّي صلاة العيد ونصلّي صلاة الجمعة ..

إنّ الخوض في المسائل الدينية الفرعية والخلافية من قبل الأئمة والمدرسين – بعيدا عن الدراسات المقارنة والبحوث العلمية والأكاديمية -

يعدّ ضربا من ضروب إهدار الوقت وتشتيت المسلمين وزرع الخلافات بين صفوفهم وتلهيتهم بالهامشيات ..ومما هو معلوم أنّه من فقه الإمام أو المدرس أو الشيخ أثناء خطبه أو دروسه الفقهية ضرورة التركيز على المرجّح في الأحكام والمشهور منها تناغما مع السند الفقهي المتفق عليه والغالب لدى أهل المنطقة الواحدة تتمة للمعرفة وتجنبا لكلّ اضطراب قد يلحق بالمتقبلين من ذوي المستويات الذهنية المختلفة والمتفاوتة ..ومن المسائل التي تمت إثارتها في أيام العيد مسألة «اجتماع صلاتي العيد والجمعة في يوم واحد « وهي حالة حدثت في بلادنا فصلاة عيد الأضحى وافقت يوم الجمعة 26 /10 /2012 ووافقت يوم الجمعة 01 سبتمبر 2017 وهاهي توافق يوم الجمعة 31 جويلية 2019..وهذا ما حدا ببعض الأئمة الخطباء إلى تناول هذه المسألة الفرعية والتأكيد على جواز إسقاط صلاة الجمعة على من صلّى العيد باعتبار ذلك رخصة شرعية تيسيرا وتوسعة على المصلين ورفعا للمشقة والحرج ..سنسعى في هذا المبحث إلى إيضاح هذه المسألة وتعداد الأقوال فيها من خلال التطرّق إلى ثلاثة محاور أو بالأحرى ثلاثة استفهامات ..
إذا اعتبرنا مسألة إسقاط الجمعة يوم العيد رخصة نتساءل عن دلالات الرخصة الشرعية وحدود العمل بها ؟
إذا اعتبرنا مسألة إسقاط الجمعة سنة نتساءل هل أسقطها الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه ؟
وإذا اعتبرنا مسألة إسقاط الجمعة استنباطا فقهيا فما أقوال العلماء حولها ؟
إجابة عن السؤال الأول ننطلق من بيان دلالات وضوابط الرخصة فلغة هي التيسير والتسهيل.
وفي الاصطلاح هي إسم لما أباحه الشارع عند الضرورة تخفيفا عن المكلّفين ودفعا للحرج عنهم فقد عرّفها الشاطبي : « ما شرع لعذر شاق استثناءً من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على موضع الحاجة فيه «...ودون الخوض في بقية تفصيلات الرخصة ومفاهيمها وصيغها وأقسامها وأنواعها وضوابطها نقتصر على مسألتنا التي تعتبر في إقرارها أي إسقاط فرض صلاة الجمعة وإبدالها ظهرا في يوم عيد رخصة في إباحة ترك الواجب وهذا النوع من الرخص يرخص فيها للمكلف في ترك الواجب في حالتين: الأول: أن يخشى تلف النفس عند الأخذ بالعزيمة أو بالرخصة .. كمن ينطق بكلمة الكفر مكرها بحد السيف أو بقوة سلاح من أكرهه على ذلك...ومثاله كذلك من يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. إذا كان ثمّة ظالم يقتل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. فإنّه يرخص في هذه الحالة لأهل الحقّ أن يكفوا عن العمل بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: أن يكون في الأخذ بالرخصة أو بالعزيمة وقوع المشقة بالمكلف.. فيرخص له بترك الواجب دفعا للمشقة.. ومثاله إباحة الإفطار في رمضان للمسافر و المريض... وإذا سحبنا هذا النوع على مسألتنا تبين أن إمكانية إسقاط صلاة الجمعة في يوم عيد مرتبط شديد الارتباط بوقوع المشقّة فإذا انعدمت المشقّة يتوقّف العمل كليّة بالرخصة ..والثابت أن الترخيص في هذا الأمر كان ترخيصا خاصا بأهل العوالي أي أهل ضواحي المدن وبواديها ممن يشق عليهم العودة للجامع بعد صلاة العيد فيه وانشغالهم بعيالهم وأضحياتهم ومعايدتهم ويتعذر توفر نصاب صلاة الجمعة في مناطقهم فهم مطالبون بإتيانها ظهرا فرخصة الإسقاط ارتبطت بالمشقة فتسقط الجمعة عن أهل العوالي البعيدين عن المدن والقرى ممن لا تجب عليهم الجمعة فقط , إذ أنّهم لا يسمعونها أصلا , وهذا قول عثمان رضي الله عنه , وقد أخرجه البخاري في صحيحه , من حديث الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الْأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ «، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي، فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ «،
والشاهد في قول عثمان : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي، فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ « .
وهذا أقدم الأقوال صحّة عن الصحابة , وأصحّها , ولا يعرف لسيدنا عثمان رضي الله عنه مخالف في ذلك أو معترض من الصحابة رضوان الله عليهم .ونقله النووي في المجموع عن الجمهور « قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الجمعة على أهل البلد وسقوطها عن أهل القرى وبه قال ساداتنا عثمان بن عفان وعمر بن عبد العزيز وجمهور العلماء «..وذهب إلى هذا الحديث الطحاوي أيضا , كما في شرحه على مشكل الآثار وكذلك ابن عبد البرّ. وهذا من أقوى الأقوال في الحقيقة ,إذ لم ينكر أحد من الصحابة على سيدنا عثمان في هذا وهو أصحّ الأحاديث التي رويت في هذا الباب... فقد اعتبر الشافعية هذه الرخصة خاصة بأهل البوادي لذا أجازوا في اليوم الّذي يوافق فيه العيد يوم الجمعة لأهل القرية الّذين يبلغهم النّداء لصلاة العيد الرّجوع وترك الجمعة، وذلك فيما لو حضروا لصلاة العيد ولو رجعوا إلى أهليهم فاتتهم الجمعة ؛ فيرخّص لهم في ترك الجمعة تخفيفاً عليهم. ومن ثمّ لو تركوا المجيء للعيد وجب عليهم الحضور للجمعة، ويشترط - أيضاً - لترك الجمعة أن ينصرفوا قبل دخول وقت الجمعة.
والخلاصة هنا وجوب صلاة الجمعة على من صلّى العيد، ولكن يؤذن لأصحاب العوالي بعدم الإتيان لصلاة الجمعة واعتبارها رخصة في حقّهم.
أما السؤال الثاني المطروح أعلاه فقد تبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الجمعة قطّ وإنما رخّص لأهل العوالي - أي الضواحي- للمشقة المترتبة على حضورهم لصلاتين في يوم واحد..ودليلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسقط عن نفسه الجمعة في يوم عيد ما أخرجه مسلم من حديث حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِـ « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى » وَ « هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ » ، قَالَ : وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلاتَيْنِ .وهذا واضح وصريح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يصلّي العيد والجمعة في ذات الآن ولم يسقط هذه بتلك ..
 وإجابة عن السؤال الثالث المتعلّق بمذاهب الفقهاء في مسألة إذا اجتمع الجمعة والعيد فى يوم واحد
فللعلماء فى ذلك ثلاثة أقوال فقد اختلف الفقهاء في حكم اجتماع الجمعة والعيدين في يوم واحد فمن الفقهاء من قال بسقوط الجمعة عمن صلّى العيد، ومنهم من أوجب صلاة الجمعة على من صلّى العيد، ومنهم من أوجب الجمعة على أهل المدن ورخّصها لأهل العوالي و السواد.
• الأول .. ما ذهب إليه الحنابلة؛ إلى أن الجمعة تسقط عمن صلى العيد، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن فاتته صلاة العيد.. واستدلوا بما يأتي: أن معاوية بن أبي سفيان سأل زيد بن أرقم: هَلْ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ فَقَالَ «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ» رواه أبو داوود في سننه والنسائي .. وفي وجوب التجميع على الإمام ورد قول رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .فقوله صلى الله عليه وسلم «وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» يدل على أن الإمام يصليها. وذهب الحنابلة إلى أنّه إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد فصلّوا العيد والظّهر جاز وسقطت الجمعة عمّن حضر العيد ؛ لأنّ «النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى العيد، وقال: من شاء أن يجمّع فليجمّع» وصرّحوا بأنّ إسقاط الجمعة حينئذ إسقاط حضور لا إسقاط وجوب، فيكون حكمه كمريض ونحوه ممّن له عذر أو شغل يبيح ترك الجمعة، ولا يسقط عنه وجوبها فتنعقد به الجمعة ويصحّ أن يؤمّ فيها. والأفضل له حضورها خروجاً من الخلاف. ويستثنى من ذلك الإمام فلا يسقط عنه حضور الجمعة، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنّا مجمّعون». .ولأنّه لو تركها لامتنع فعلها في حقّ من تجب عليه.. ورجح الشيخ ابن جبرين من معاصري الحنابلة قول الجمهور في أنها تسقط عن أهل العوالي ولا تسقط عن أهل الأمصار.. وذلك من باب التخفيف عليهم، فإنهم يأتون من خارج المدينة، ويضطرّون إلى الرجوع إلى أهليهم، فلو لزمهم الرجوع إلى الجمعة لساروا راجعين مسافة فينقضي عيدهم ذلك كلّه في ذهاب ورجوع، وفي هذا من المشقّة ما يخالف ما جاء من التيسير ونفي الحرج.
• الثاني: تسقط عن أهل البر مثل أهل العوالي -والعوالي هي القرى التي بقرْب من المدينة مِن جِهة الشرق، وأقربها على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وقيل: اثنان- لأنّ سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه رخص لهم فى ترك الجمعة لمّا صلى بهم العيد وهذا قول الإمام الشافعي في كتابه «الأم» ، حيث نقل «عن عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج»
ثم قال: «وإذا كان يوم الفطر يوم الجمعة صلى الإمام العيد حين تحلّ الصلاة ، ثم أذن لمن حضره من غير أهل المصر أن ينصرفوا إن شاءوا إلى أهليهم، ولا يعودون إلى الجمعة، والاختيار لهم أن يقيموا حتى يُجَمِّعوا، أو يعودوا بعد انصرافهم إن قدروا حتى يجمعوا، وإن لم يفعلوا فلا حرج إن شاء الله تعالى... وهكذا إن كان يوم أضحى» أي أن أهل المصر يصلّون الجمعة. وهذا ما هو معتمَد ومُقرَّر عند الشافعيَّة؛ قال النووي: «فرْع في مذاهِب العُلماء في ذلك قد ذكَرْنا أنَّ مَذهبَنا وجوب الجمعة على أهل البلد، وسُقوطُها عن أهْل القُرى»
وما ذكره الإمام أبو حنيفة في كتابه «بدائع الصنائع «والثوري ورواية عن مالك وبعض أصحابه انظر كتاب «الاستذكار» ..
• الثالث.. وهو المشهور وقول الجمهور فقد اتفق الجمهور من الأحناف والمالكية وبعض الشافعية والظاهرية أنه لا تسقط الجمعة عمن صلّى العيد؛ ولا يترك من صلى العيدَ الجمعةَ.
وقال الحنفية بأن العيد ثبت بالسنة، والجمعة فريضة محكمة ثبتت بالقرآن في قوله تعالى «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ» الجمعة الآية 9 فهذا خطاب عام لكلّ من سمع النداء أو كان قريبا من محل الصلاة، وهو قطعي الدلالة على فرضية الجمعة، ولا يصلح ما ورد من حديث آحاد أن يكون مخصصا له. فلا يترك فرض الجمعة لأجل العيد ولا العكس. فقد قال أبو حنيفة « لا تسقط الجمعة عن أهل البلد ولا أهل القرى «..وكذلك هو قول ابن حزم في كتابه المحلّى واستدلّ بضعف الآثار الواردة في الترخيص في ترك الجمعة ....كما ورد من الوعيد الشديد في ترك الجمعة كقوله صلى الله عليه وسلم «من ترك الجمعة ثلاث مرار من غير عذر طبع الله على قلبه» رواه أحمد وغيره وإسناده حسن. وورد ثواب الخطوات إلى الجمعة، وفضلها وكفّارتها لما بينها وبين الجمعة الثانية، وغير ذلك مما لم يرد مثله في صلاة العيد؛ وإن كانت من القربات...وحمل الطحاوي الحنفي في «مشكل الآثار» حديث زيد بن أرقم المتقدّم على الترخيص في الجمعة لمن هم في خارج المصر من أهل العوالي ممن لا جمعة عليهم.
أمّا السادة المالكية – وهو هويتنا المذهبية – فقد اعتبروا أنّ سقوط الجمعة بالعيد قولٌ مهجور ونقلوا عن سيّدنا علي رضي الله عنه أن ذلك في أهل البادية، ومن لا تجب عليهم الجمعة وذهبوا إلى أنّه إذا وافق العيد يوم الجمعة فلا يباح لمن شهد العيد التّخلّف عن الجمعة. قال الدّسوقيّ: وسواء من شهد العيد بمنزله في البلد، أو خارجها. إذ تجب الجمعة لعموم الآية , والأخبار الدالة على وجوبها , ولأنهما صلاتان واجبتان , فلم تسقط إحداهما بالأخرى كالظهر مع العيد , أي إن كان العيد في يوم غير الجمعة - وقال ابن المنذر في الأوسط «أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ صَلاةِ الْجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ، وَصَلاةُ الْعِيدَيْنِ لَيْسَ مِنَ الْخَمْسِ، وَإِذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلاةِ الْجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَلاةَ الْعِيدَيْنِ لَيْسَ مِنَ الْخَمْسِ، وَإِذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلاةِ الْجُمُعَةِ وَدَلَّتِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى أَنَّ صَلاةَ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ، لَمْ يَجُزْ تَرْكُ فَرْضٍ بِتَطَوُّعٍ «..
إن حكم صلاة الجمعة فرض بإجماع المسلمين بينما صلاة العيد أمر مختلف في حكمها فمن الفقهاء من اعتبرها سنّة مؤكدة، ومنهم من اعتبرها واجبًا، ومنهم من اعتبرها فرض كفاية. ومِن أدلَّة وجوب الجمعة قوله تعالى:» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ «الجمعة: 9..وما رواه مسلم عن عبد الله بن عُمر، وأبي هريرة أنهما سَمِعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد منبره: «ليَنتهِيَنَّ أقوام عن وَدْعِهم الجمُعات، أو ليَختِمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليَكونُنَّ مِن الغافِلين»...وقد أجمَع المُسلمون على وجوب الجمُعة؛ قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الجمُعة واجبة على الأحرار البالِغين المُقيمين الذين لا عذْر لهم»، فما كان كذلك لا يُعارَض بأحاديث غير ثابِتة، .. 
ونورد البعض من أقوال أهل المذهب المالكي وكتبهم ..
• قال ابن عابدين «أما مذهَبنا فلزوم كلٍّ منهما، قال في «الهداية» - ناقلاً عن «الجامع الصغير» -: «عيدان اجتمَعا في يوم واحد، فالأول سنَّة، والثاني فريضة، ولا يُترَك واحد منهما».
 *و في «الذخيرة» «ولا تسقط الجمعة بصلاة العيد إذا كانا في يوم، خِلافًا لابن حنبل؛ محتجًّا بما في أبي داود أنه - عليه السلام - قال: «قد اجتمَع في يومكم عيدان، فمن شاء أجزأه مِن الجمعة، وإنا مُجمِّعون».. لنا آية وجوب السعي، ولأنه عمل الأنصار في سائر الأقطار، وأما الخارج عن المِصْر ففي الكتاب لا يَتخلَّفون، ورُوي عنه: يتخلَّفون؛ لإذن سيدنا عثمان - رضي الله عنه - لأهل العوالي، ولما في انتظارهم أو رجوعهم مِن المشقَّة... 
• وجوب الجمعة حتى على مَن هو خارج البلد هو المنقول في «المدوَّنة»، ونصُّها: «كان مالك يقول: لا يضَع ذلك عنه ما وجب عليه مِن إتيان الجمعة، وقال مالك: ولم يَبلُغني أن أحدًا أَذِنَ لأهل العوالي إلا عثمان، ولم يكن مالك يرى الذي فعل عُثمان، وكان يرى أن مَن وجبَت عليه الجمعة لا يَضعُها عنه إذن الإمام، وإن شهد مع الإمام قبل ذلك مِن يَومِه ذلك عيدًا...
واستدلُّوا بأن الأصل والثابت هو: وجوب الجمعة، والأخبار عامَّة فيها، ولم يَرِد ما يُعارض هذا الأصل، وما أورده المُخالِف مِن التخيير لم يَثبُت، كما أن سقوطها على مَن هو خارج البلد في أثر عُثمان الآتي قد يراد بهم مَن لا يَسمعون النداء؛ كما فسَّره الشافعي...وبالتالي يُسقِط وجوب الجمعة عمَّن خارج البلد ممَّن يَسمع النداء وهو قول عند المالكيَّة،واستدلُّوا بما جاء في «صحيح البخاري» قال أبو عُبَيد: ثم شهدتُ مع عُثمان بن عفان فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبْل الخُطبة، ثم خطب فقال: يا أيها الناس، إن هذا يوم قد اجتمَع لكم فيه عيدان، فمن أحبَّ أن يَنتظِر الجمعة مِن أهل العوالي فليَنتظر، ومَن أحبَّ أن يَرجِع فقد أَذنتُ له».
• ذكر القاضي عبد الوهاب المالكي في كتابه «الإشراف على نكت مسائل الخلاف «»إذا اتفق عيد وجمعة لم يسقط أحدهما بالآخر فالجمعة فرض عين والعيد سنة مؤكدة ولم يجز ترك فرض لتطوع «.
• كتب أبو الفضل المالكي الحسني كتابا أسماه «التنديد بمن اسقط الجمعة عن من صلى العيد «وكتب الشيخ عبد الله الصديق الغماري كتابا أسماه «القول السديد في حكم اجتماع الجمعة والعيد «.
*ونختم بما أورده الشيخ الحبيب بن طاهر في كتابه «فقه العبادات على المذهب المالكي» صفحة 156قائلا « إذا اجتمع عيد وجمعة فإن المكلف مخاطب بهما جميعا.. العيد على أنه سنة والجمعة على أنها فرض وليس للإمام أن يأذن في ترك الجمعة وإنما ذلك بحسب العذر فمتى أسقطها لعذر سقطت..قال ابن القاسم في المدونة كان أي الإمام مالك يرى أن من وجبت عليه أي الجمعة لا يضعها عنه إذن الإمام وإن شهد مع الإمام قبل ذلك من يومه عيدا «
وخلاصة القول فإنّنا نحرص على إعتماد قول الجمهور فهو الأقوى دليلاً وهو أجمع لإعمال النصوص ومَسلَك عدم سُقوط وجوب الجمعة هو رأي أكثر الفقهاء، والأكثريَّة وإن لم تكن دليلاً إلا أنها تُعطي نوعًا مِن القوة.. ومن رجح الآخر فليس له أن يمنع الناس من هذا الخير لا سيما إن كان إماماً لأنه يصليها لقوله صلى الله عليه وسلم «إنا مجمعون»...
أما الرأي الذي أميل إليه إذا اجتمَع يوم العيد ويوم الجمعة فالجُمهور على وجوب صلاة الجمعة، وعدم سُقوطها؛ لأن صلاة العيد سنَّة والجمُعة فريضَة، ولعلَّ الأقرب أنه يَسقُط حضور الجمعة عن أهل القرى النائية الذين يشقُّ عليهم تَكرار الحضور؛ لبُعد مَساكِنهم، ولا تَسقُط عن القريب الذي يَسمع النداء وليس عليه مشقَّة وذلك لقطعيَّة ثُبوت فرضيَّة الجمعة، وما قابَله مِن احتمال عدم ثبوتٍ في حديث اجتِماع العيد والجمعة والرُّخصَة في تَركِها؛ لما في أسانيده مِن مَقال، واعتمادا على ما ذكرَه ابن عبد البرِّ مِن أن سقوط الجمعة بالعيد مهجور ، وثبوت أثر عثمان في «صحيح البخاري» يدلُّ على مرجوحيَّة القول بوجوب الجمُعة على كل أحد، مع أَذِنَ الإمام بالتخلّف لأهْل العَوالي فسْحة لأصحاب الأعذار والمَشاغِل ممَّن يَذبَحون الأضاحي بين أهاليهم بعيدا عن المدن والجوامع فلهم خاصة واستثناء أن يَترُكوا الجمُعة ويُصلوا الظهر إذا وافَق العيد الجمعة،..
وقد أخلص إلى أن إثارة مثل هذه المسائل للعامة من قبيل التلهية عن القضايا الرئيسية وتشتيت الصفوف وأظنه من العبث التطرق لإشكاليات فرعية كحث الناس على القيام بالرخص دون ضوابط وعدم صلاة الجمعة في أيام العيد اتكاء على دعاوى غير سليمة خصوصًا مع قرب المساجد في زمَننِا هذا، وتوفُّر وسائل المواصَلات، فالأوكد والأثبت صلاة العيد والجمعة وتجنّب كلّ خوض عقيم ...  

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا