قهوة الأحد: الكورونا ، المهمشون والعقد الاجتماعي

كانت الصور التي ظهرت في بداية الحجر الصحي للازدحام والتدافع والطوابير الطويلة للآلاف من المواطنين أمام مقرات الدولة للتمتع

بالإعانات التي أقرتها الدولة صادمة لأغلب التونسيين .وتراوحت ردة الفعل بين موقفين .الأول هو الخوف من تفشي الفيروس الخبيث نظرا لافتقاد هذه التجمعات لأدنى قواعد السلامة والتباعد الصحي .أما الشعور الثاني فهو الحزن لما وصلت إليه الأوضاع الاجتماعية والأزمة الكبيرة التي تعرفها البلاد منذ انفصام العقد الاجتماعي لدولة الاستقلال وتلاشي الذراع الحامي للدولة .

لقد أشارت عديد الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية إلى تصاعد الفوارق الاجتماعية وتزايد التهميش الاجتماعي في بلادنا منذ نهاية القرن .وأكدت كل الدراسات حول ثورات الربيع العربي على الدور الذي لعبه المهمشون في الانتفاضات وفي سقوط الدكتاتوريات واهتزاز أسسها .
إلا أن كل هذه الدراسات بقيت نظرية وبقي المهمشون خارج دائرة الضوء وعادوا إلى أحيائهم يصارعون ظمإ العيش ويسعون إلى البحث عن لقمة العيش بكل الوسائل هذا الانسحاب لهذه الفئات الاجتماعية من الفضاء العام ورجوعها بصمت إلى مجالات عيشها جعلها بعيدة عن المشهد لتبقى ظاهرة نظرية وغير محسوسة .

إلا أن أزمة الكورونا دفعت بالآلاف إلى تجاوز الخوف والازدحام والتدافع من اجل الفوز بالمنح القليلة التي أقرتها الدولة من اجل العيش .أزمة الكورونا دفعت المهمشين للخروج من الموقع النظري للدراسات والولوج والدخول بقوة في الواقع الاجتماعي والسياسي .
كانت صور للمهمشين للفوز بهذه المنحة البسيطة صادمة لأغلب التونسيين لأنها وضعتنا أمام واقع حاولنا نسيانه وفتحت أعيننا على أوضاع اجتماعية دخلت دائرة المسكوت عنه لعقود طويلة .

وقد دفعتنا هذه الصور الصادمة إلى طرح الكثير من التساؤلات حول واقع التهميش في بلادنا وبصفة خاصة على انعكاسات جائحة الكورونا على أوضاعهم وعلى هشاشة الواقع الذي يعيشونه .وهذه التساؤلات ومحاولة الإجابة عليها ليست فقط ضرورية لفهم الظاهرة والوقوف على أهم خصائصها .إن أهمية هذه التساؤلات ترتبط كذلك بسياسات وبرامج الخروج من الأزمة وأسس إعادة بناء العقد الاجتماعي .

وقد وجدنا بدايات إجابات عن هذه التساؤلات في الدارسة الهامة التي أعدها الأستاذ ماهر حنين والتي صدرت عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحت عنوان « سوسيولوجيا الهامش في زمن الكورونا – الخوف –الهشاشة والانتظارات « .ولعل أهمية هذه الدراسة إلى جانب محتواها وعمق التحاليل التي قدمتها تكمن في ثلاث مسائل أساسية .
المسألة الأولى تكمن في معرفة الباحث ، الأستاذ ماهر حنين ، بمجتمع الهامش أي موضوع الدراسة وقرب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية من قضايا هذه الفئات باعتباره ساهم في تأطير نضالاتها والتعريف بها على مدى سنوات طويلة .

المسألة الثانية والهامة لهذه الدراسة هي أن الباحث قام بها في فترة الحجر الصحي واعتمدت على احدث المنهجيات العلمية وعلى تقنية المقابلة النصف مؤطرة فردية أو في مجموعات .وأمام استحالة القيام بهذه المحادثات بصفة مباشرة فقد قام الباحث بمحادثات مباشرة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي لتكون احدى أولى الدراسات الاجتماعية لزمن الكورونا.
المسألة الثالثة تخص الارتباط الوثيق في رؤى الباحث والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية بين البحث والدراسة والفعل الاجتماعي .فعلى خلاف مراكز البحث التقليدية فإن الجانب الدراسي عند المنتدى يهدف إلى معرفة الواقع من أجل ضبط استراتيجيات التغيير الاجتماعي في عديد مجالات الهامش التي يهتم بها كالهجرة السرية ، والتشغيل الهش وعاملات الفلاحة وقطاع النسيج وقضايا الماء الصالح للشراب والدفاع على حقوق اللاجئين الأفارقة المتواجدين في بلادنا .

لنعد الآن إلى الدراسة ونقطة الانطلاق الأولى التي اهتم بها الباحث والتي تخص الإشكالية وقد أشار إليها في بداية الدراسة حين أكد أن الهدف الأساسي «هي مجتمع الهامش في زمن الوباء بمعنى هي محاولة الإجابة عن السؤال المركزي التالي كيف عاش مجتمع الهامش والهشاشة في تونس هذا المنعطف؟ كيف تمثل الأزمة وتداعياتها ؟ هل كان يتملك وسائل التوقي والحماية اللازمة منها والمعنوية ؟ ثم ماهي تطلعاته المستقبلية وهو لا زال ينتظر منذ عشر سنوات بعد الثورة حقيقة التغيير في حياته اليومية ؟» (ص 15).

وقد تطورت هذه الإشكالية إلى فرضية بحثية وهي أن التونسيين لم يكونوا متساويين أمام الانعكاسات الصحية والاقتصادية والاجتماعية للجائحة.فقد اختلفت التصورات وطرق التوقي من الوباء والالتزام بقرارات السلطة في محاربة الفيروس لنجد على الأقل تمثلين : المجتمع المندمج من جهة والذي تمكن بفضل رأسماله المالي والرمزي من الصمود والمجتمع غير المندمج والذي زادت الجائحة من هشاشته وضعفه.

وقد أكدت هذه الدراسة الانقسام الذي عاشه المجتمع في محاربة الجائحة والذي زاد من حدة التفاوت الاجتماعي . وسنحاول تقسيم هذه النتائج إلى جانبين مهمين . الجانب الأول يخص الانعكاسات المادية المباشرة أو ما يمكن أن نسميه الرأسمال المادي أما الجانب الثاني فيخص الراسمال الرمزي على حد تقسيم عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورجديو (Pierre Bourdieu).

فيما يخص الرأسمال المادي فقد كانت لهذه الجائحة انعكاسات هامة على مجتمع الهامش .فقد كانت وراء نهاية الحلول الوقتية والهشة للتشغيل والتي مكنت مجتمع الهامش من مواصلة العيش في ظروف صعبة .فقد اضطرت الجائحة وقرارات الحجر الصحي هذه الفئات الى التوقف عن العمل لتدخل مرحلة جديدة من البطالة وانعدام الموارد.
ولعل الجانب المهم في هذه الدراسة هي أنها لم تتوقف على التونسيين في مجتمع الهامش بل اهتمت كذلك باللاجئين الأفارقة والذي وجدوا في التشغيل إمكانات للهروب من الجوع والخصاصة .

كما أفردت الدراسة جانبا هاما للعمل النسوي في فترة الجائحة حيث وجدت العديد من العاملات في المنازل وفي بعض القطاعات الأخرى كالفلاحة ومعامل النسيج أنفسهن خارج سوق العمل لتبدأ رحلة المعاناة والخصاصة.
كما أشارت الدراسة في ما يخص رأس المال المادي الى الارتفاع الكبير في الأسعار الذي عرفته بلادنا للمواد الغذائية والذي كانت له انعكاسات على الفئات الهشة .

وارتفاع الأسعار جاء نتيجة التذبذب الذي عرفته مسالك التوزيع التجارية وتنامي ظاهرة الاحتكار والفساد والتي أثرت على الأسواق وأدت إلى ارتفاع الأسعار .كما امتد ارتفاع الأسعار للمواد الواقية مما دفع المهمشين إلى عدم احترام القواعد التي وضعتها الحكومة .
كما توقفت الدراسة عند انعكاسات الجائحة على رأس المال الرمزي .

وفي رأيي يشكل هذا الجانب احد أهم جوانب الدراسة باعتبار تأكيد الباحث منذ البداية على إعطاء الأهمية للجانب الكيفي .

وقد أكدت هذه الدراسة على عديد الجوانب المهمة والانعكاسات السلبية للجائحة على مجتمع الهامش .ولعل الشعور الأول الذي أشار اليه المستجوبون في هذه الدراسة هو الخوف وعدم الاطمئنان الذي انتاب أغلبهم وجعل الحياة الجديدة في ظل الجائحة تصبح سجنا .
فقد أجبرهم التباعد الاجتماعي والحجر الصحي على هجر فضاءاتهم اليومية للاختلاط في الأحياء والتقليص والانكفاء في وحدة وعزلة كبيرة أرجعتهم إلى هشاشة وضعهم الاجتماعي.

لقد شهدت أوضاع مجتمع الهامش تدهورا كبيرا لرأس مالها المادي والرمزي مما جعل شعار «شد دارك» الذي حاولت الحكومة من خلاله تعبئة الناس من اجل الوقوف أمام الجائحة صعب التطبيق .
وقد اهتمت الدراسة كذلك بانتظارات مجتمع الهامش وأكدت على بعض النتائج المهمة ومن ضمنها تكثيف وتدعيم مؤسسات التضامن الاجتماعي ومحاربة الفساد والاحتكار .

في رأيي وبالرغم من الظروف الصعبة التي حفت بانجازها فقد توصلت هذه الدراسة إلى نتائج هامة من خلال تأكيدها على انعكاسات الجائحة على مجتمع الهامش وتأثيراتها السلبية عليه .وأكدت هذه الأزمة على حدة الانقسام الذي يعيشه مجتمعنا بين «المندمجين» في الدورة الاقتصادية والمهمشين منهم وزيادة هشاشة هذا المجتمع الموازي مع جائحة الكورونا .
وفي رأيي فإن الانقسام الحاد بين هذين المجتمعين يشكل التحدي الأهم لمشروع إعادة بناء العقد الاجتماعي وقدرة العقد الجديد للجمهورية الثانية على إعادة إدماج مجتمع الهامش في المشروع الجديد للدولة الاقتصادية والاجتماعية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا