برج بابل: مُدن وملاعب وذاكرة

هوية المُدن من هوية ملاعبها وتاريخ البشرية حافل باللعب، واللعب جزء من إيقاعها اليومي. في أولمبيا القديمة كما في روما

وقع تشييد صروح من أجل اللعب ومن أجل المنافسة. الحلبة والسيرك والمدرّج في أسفح الجبال كما في وسط المدينة كانت كلها فضاءات لأداء ألعاب مختلفة تقوم على ثنائية القدرة والمهارة. وكان الناس يطلبون التسلية في كل هذا، يريدون إعلاء مشاعرهم ويبحثون عن طرق كفيلة بضمان الانتصار في أي حرب. وقد لخص أحد المؤرخين إجراء هذه الألعاب في خمسة أوصاف هي: زحام، وسوق، ولاعبون، وتسلية، ولصوص. منذ التاريخ القديم والبشرية تبحث عن فضاءات لتصريف مشاعرها. 

ويأتي التاريخ الحديث لتستعيد الألعاب الأولمبية ألقها ولتدخل المدن الصناعية الكبرى في حُمى تشييد الملاعب. وكانت إنجلترا رائدة هذا الصنيع ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والمدن الأوروبية تتنافس على تشييد الملاعب الكبرى. ملعب ويمبلي، أولترافورد، ستامفورد بريدج وغيرها من الملاعب الأخرى الإنجليزية التي شكلت محورا يتجمع فيه عمال الصناعة الصاعدة آنذاك من أجل الفرجة. ويمكننا الحديث أيضا عن ملاعب أخرى شهيرة في مدن أوروبية أخرى. ولم تكن الملاعب مجرد فضاءات للممارسة الرياضية وللفرجة بل كانت أيضا جزءا من النسيج الحضري لمدن في حالة صعود قصوى. لقد مكن تشييد هذه الصروح من ربط شبكات السكك الحديدية وتوسعة الطرقات وبناء فضاءات تجارية حول الملاعب ومنها بدأت تتشكل الأحياء السكنية. ومكنت الملاعب وكرة القدم المحترفة من تثبيت نشاط اجتماعي جديد وخلقت فرصا جديدة للتسلية وأحدثت صناعة لم تكن موجودة في السابق هي صناعة الفرجة.
هوية المُدن من هوية ملاعبها. هل يمكننا الحديث عن مدينة برشلونة دون ذكر ملعب الكامبنو؟ وهل يجوز لنا ذكر مدينة بيونس أيرس الأرجنتينية دون الإحالة على الملعب الأسطوري البومبنيرا؟ وهل في وسعنا نسيان ملعب الماركانا في مدينة ريو البرازيلية وهو الملعب الذي شهد أحزن يوم في تاريخ البرازيل الحديث عند خسارتها نهائي كأس العالم في كرة القدم ضدّ الأوروغواي في دورة 1950؟

مُدن وملاعب وذاكرة. الملاعب ليست مجرد فضاءات لعب، إنها أيضا فضاءات ذاكرة. ذاكرة المدن في ملاعبها. ولكل جيل ذاكرته مع ملاعب كرة القدم. في تونس مثلا نحن أمام ذاكرة مرتبطة بثلاثة ملاعب لها تاريخ. ملعب الشاذلي زويتن أو جيو أندري خلال المرحلة الاستعمارية، والذي قع افتتاحه في 1942. هو ملعب الحركة الوطنية وبداية دولة الاستقلال، تشي ذاكرته بأحداث سياسية عديدة وأهمها قدوم فريق جبهة التحرير الوطني الجزائرية سنة 1958 إلى تونس من أجل اللعب لفائدة الثورة. وكان ملعب الشاذلي زويتن حاضنا لهذه الكتيبة الثورية بدعم كبير من تونس آنذاك. لملعب الشاذلي زويتن ذاكرة إفريقية أيضا عند تنظيم كأس أمم إفريقيا سنة 1965، وقتها كانت تونس تبحث لها عن موقع داخل منظومة جديدة هي المنظومة الإفريقية الصاعدة والمتحررة حديثا والتي تشكل إحدى ركائز دول عدم الانحياز. ولا ننسى أن العلاقات التونسية المصرية آنذاك في أردإ صورها. يأتي بعد ذلك الملعب الأولمبي بالمنزه الذي شيدته حكومة التعاضد بمساهمة بلغارية سنة 1967. وكان تشييد الملعب تشييدا سياسيا بدرجة أولى إذ في العام نفسه دخلت تونس عالم الديبلوماسية الرياضية

بتنظيم دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط في إعلان سياسي لا لبس فيه على انخراط تونس في المنظومة المتوسطية في ردّ واضح على منظومة عربية في أحلك ظروفها. إن ذاكرة الملعب الأولمبي بالمنزه هي ذاكرة جيل كامل اختزل صعوبات نظام سياسي واختزل أيضا انتصاراته. ففي نهائي الكأس سنة 1971 وقعت أحداث عنف كبيرة انتهت بحرق جزء من الملعب. لم تكن تلك المباراة النهائية بين الترجي والنادي الصفاقسي مباراة في كرة القدم فقط، بل كانت اختزالا لنظام سياسي في وضع مأزوم، خروج مؤلم من تجربة التعاضد وبحث عن منوال تنموي جديد وصراع مرير على السلطة بين أجنحة النظام المختلفة والرئيس في صحة معلولة يداوي خارج أرض الوطن. ذاكرة ملعب المنزه أيضا هي ذاكرة وطن حين

ترشحت تونس لأول مرة في تاريخا لنهائيات كأس العالم في كرة القدم في الأرجنتين سنة 1978. وقد عمل النظام السياسي آنذاك على استثمار هذا الترشح لإثبات جدارته ولكن الآزمة الاجتماعية كانت أعمق من ترشح عالمي وشهدنا أحداث الخميس الدامي أشهر قليلة بعد الإنجاز الكروي في 26 جانفي 1978.

درّة المتوسط هو الاسم السياسي لمدينة رياضية محورها ملعب كرة قدم من الطراز العالي هو ملعب 7 نوفمبر. شُيّد الملعب في بداية الألفية الجديدة ومعها نظمت تونس ألعاب البحر الأبض المتوسط سنة 2001. وأخيرا أصبح للنظام السياسي ملعبه الخاص. لقد كان حفل الافتتاح آنذاك مفعما بالرسائل السياسية وكانت الرسالة الأهم رسالة في الهوية. هوية تونس التي ترجع جذورها إلى قرطاج، إلى حنبعل وإلى المتوسط. هناك اشتغال كبير على إعادة بناء الذاكرة التونسية على أنها ذاكرة موغلة في التاريخ ذات جذور تتجاوز حلول الإسلام والعروبة بإفريقية، لتؤكد على البُعد المتوسطي البحري الذي يدعو إلى التسامح والتفاعل الإيجابي بين الحضارات. يُراد لهذا البعد المتوسطي بمنافعه العديدة السياسية والاقتصادية والفكرية أن

يستوعب كل ما عرفته تونس من تعاقب حضارات. إن الاتجاه نحو قرطاج ونحو إفريقيا في رحلة هانون نحو القارة السمراء التي وقع تجسيدها في افتتاح دورة أمم إفريقيا في كرة القدم سنة 2004 يدعم رغبة النظام السياسي آنذاك في نحت هوية وذاكرة وطنية تكون فيها تونس جسرا تاريخيا بين القارة الأوروبية والقارة الإفريقية. كلّ هذا الاشتغال على الهوية التونسية من خلال الدورات الرياضية واستثمار مردودها السياسي لم يكن بمنأى عن اشتغال آخر سياسي هو الدعوة العلنية لتغيير الدستور من أجل ترشح غير دستوري لانتخابات 2004 الرئاسية. ولكن نهاية النظام قد تكون بدأت في ملعب كرة قدم في مواجهة بين فريقين في كرة القدم في ملعب المنزه أشهرا قليلة قبل الثورة. يومها كانت المواجهة دامية جدا بين الأمن والشباب الغاضب ويومها بدأ الحديث عن تخطي حاجز الخوف من النظام أو ربما الدعوة إلى تغييره. هل كانت حادثة ملعب المنزه الشهيرة في شهر أفريل 2010 ثأرا رمزيا لبورقيبة؟

اهترأت ملاعبنا ومدننا وحتى ذاكرتنا منذ 2011. يبحث الناس الآن عن هوية لمدنهم المنهكة، يبحثون عنها في ملاعب هي أشبه بمناطق مقفرة، يبحثون عن شيء يذكرهم بماض جميل. وحين يحتج الناس بتلك الكيفية في ثاني أكبر مدينة من أجل ملعب كرة قدم فإنهم بذلك لا يحتجون فقط من أجل ناديهم بل إنهم يحتجون من أجل استعادة الذاكرة، ذاكرة مدينة يعتبرونها ضحية إقصاء سياسي منظم. يحتجون من أجل حقهم في المدينة وحقهم في التسلية وفي أن يكون لهم فضاء رحب لتصريف مشاعرهم. فالآن لم يعد متاحا لنا حصر الاحتجاجات في المسائل الاجتماعية والاقتصادية، كل يشيء يمكن أن يكون دافعا للاحتجاج الذي يحمل مرارة الإهانة وهو أخطره.
قدمت لنا مرحلة ما بعد 2011 دروسا عديدة ولعل أهمها أن كرة القدم وكل ما يحيط بها يمكن أن تكون مفتاحا لفهم ما يجري حولنا بما في ذلك مسائل الانتقال الديموقراطي. فإذا لم تكن كرة القدم كل المجتمع فإن كل المجتمع موجود في كرة القدم. علينا الانتباه، كرة القدم لم تعد فقط لعبة للتسلية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا