قهوة الأحد: في فلسفة الإنقاذ الاقتصادي

مع خروجنا من مرحلة الحجر الصحي ونجاح بلادنا في السيطرة على الفيروس بدأت المسائل الصحية

في التراجع لندخل مرحلة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وضرورة التعاطي مع الانعكاسات الحادة التي خلفها الفيروس .وقد أشارت أغلب الدراسات إلى أن الانعكاسات الاقتصادية لهاته الأزمة ستكون وخيمة ولن تقتصر فقط على السنة الحالية بل ستمتد لسنوات قادمة.

وقد قامت أغلب البلدان والمؤسسات الدولية بصياغة سياسات وأجوبة اقتصادية لم تعرفها في السابق لتوقف التأثيرات التدميرية لهذه الأزمة وانعكاساتها العنيفة على الاقتصاد والمجتمع .

والسمة الأساسية لهذه السياسات هي قطعها مع الموروث التقليدي للسياسات الاقتصادية القديمة ومحاولة التفكير في سياسات جديدة وأنساق تفكير متجددة لإيقاف الآثار التدميرية لهذه الأزمة على المستوى الاقتصادي وعلى المجتمع .
ونجد هذه الاختيارات في عديد المجالات ومن ضمنها دور الدولة حيث خرجت من حيادها الذي دفعتها إليه النظريات النيوليبرالية لتنخرط من جديد وبكل قوة في الشأن الاقتصادي لإنقاذ المؤسسات الاقتصادية وحماية الفئات الاجتماعية الهشة .
كما عرفت السياسات الاقتصادية ثورة كبيرة وخروجا عن ما اعتبرته النظريات النيوليبرالية المألوف في هذه السياسات .فالسياسات المالية عادت إلى نشاطها بعد سنوات من الحياد لتصبح ميزانية الدولة واستثماراتها المحرك الرئيسي للاقتصاد .كما أن السياسات النقدية تحررت من هدف محاربة التضخم الذي ظلت حبيسة له طوال عقود من هيمنة الفكر النيوليبرالي

لتنخرط في سياسات دعم النمو والتنمية .

إذن كان لهذه الجائحة تأثير كبير على الفكر الاقتصادي والسياسات الاقتصادية .وجاءت برامج الإنقاذ لتحدث شرخا وثورة كبيرة في الموروث الاقتصادي في أغلب بلدان العالم وفي كبرى المؤسسات الدولية حتى المحافظة منها والمدافعة عن الفكر التقليدي منها .
وهذا التمشي يعكس في رأيي جوهر فلسفة الإنقاذ الاقتصادي في التاريخ الاقتصادي الحديث .فقد عرف العالم عديد الأزمات الاقتصادية والتي كادت تعصف بهياكل ومؤسسات البلدان والمنظمات الاقتصادية الرأسمالية .

وقد عرفنا أزمة بدايات الرأسمالية في نهاية القرن التاسع عشر والتي شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ هذا النظام حيث هيأت المرور إلى هيمنة الاحتكارات الكبرى .

ثم جاءت أزمة 1929 والتي قادت النظام الرأسمالي إلى الهاوية وكادت أن تعلن عن نهايته لولا السياسيات التي تم تطبيقها والتي مكنت العالم من الخروج من هذه الأزمة .وسيعرف العالم بفضل هذه السياسات فترة ذهبية من النمو السريع اثر نهاية الحرب العالمية الثانية .
ثم ستتالى الأزمات منذ بداية سبعينات القرن الماضي .وكانت بدايتها بإعلان الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1971 عن انتهاء التعامل بمبدإ تحويل الدولار إلى الذهب.وكانت هذه الأزمة قادرة على أن تعصف بالنظام التجاري والمالي العالمي .إلا أن المؤسسات الدولية - تمكنت - كذلك من تجاوزها والمحافظة على نسبة كبيرة من استقرار النظام العالمي.

ثم جاءت أزمة النفط سنة 1973 اثر قرار منظمة الاوبيك والبلدان المصدرة للنفط المطالبة بالترفيع في أسعار النفط واللجوء إلى الحظر لتحقيق هذا المطلب .

ثم بدأت الأزمات المالية بعد الموجة الكبيرة من تحرير الأسواق المالية العالمية منذ بداية التسعينات .ولعل الأزمة المالية العالمية لسنوات 2008 و2009 هي آخر هذه الهزات العنيفة للاقتصاد العالمي والتي كادت أن تعصف به .
إذن تتالت وتوالت الأزمات منذ بديات النظام الرأسمالي واختلفت في أسبابها من تنظيم الاقتصاد للحروب وهيمنة الأسواق المالية ومنطق الربح والمغامرة عند المضاربين.الا انه بالرغم من هذه الاختلافات فانه يمكننا الإشارة إلى مسالتين أساسيتين شكلتا القاسم المشترك لهذه الازمات .المسألة الأولى تهم قدرة الأنظمة الرأسمالية على مواجهة هذه الأزمات والخروج

منها في بعض الأحيان بأضرار كبيرة.ولكن وبالرغم من هذه الأضرار فقد نجحت هذه الأنظمة الاقتصادية في الانطلاق من جديد والعودة إلى نسق كبير من النمو . ولعل الأهم في هذا المسار التاريخي هو نجاح المجتمعات الراسمالية في بناء مؤسسات صلبة وسياسات عمومية مكنتها من مواجهة الأزمات والمصاعب الاقتصادية على أهميتها وحدتها.
المسألة الثانية تخص فلسفة الإنقاذ ومواجهة الأزمات التي جسدتها السياسات الاقتصادية في اغلب البلدان .فقد ارتكزت هذه السياسات على فكرة أساسية وهي القطع مع السائد وإحداث ثورة ابستمولوجية في التفكير ومناهج وطرق العمل والسياسات المتبعة .

ولقد وصلت اغلب التحاليل والقراءات إلى أن هذه الأزمات على اختلافها هي نتاج لفشل وعجز السياسات السائدة على تجاوز تناقضات العالم القديم .ومن هنا جاءت القناعة التي أسست لكل هذه السياسات وهي ضرورة القطع مع السائد وبناء أفكار وآراء جديدة للتعاطي مع إرهاصات العالم الجديد التي بدأت تبرز في أحشاء الأزمة وتجلياتها .
إذن ترتكز فكرة الإنقاذ والخروج من العالم القديم لنحت معالم العالم الجديد على فكرة أساسية وفلسفة واضحة المعالم تضع نصب عينيها فكرة الثورة على السائد والقطع مع السياسات الموروثة من عالم الأمس لتأسيس عالم الغد .وهذه الفلسفة تشكل أسس هذه السياسات ونجدها اليوم فاعلة في أغلب البرامج والتصورات التي قادت البلدان والمؤسسات الدولية في مواجهتها لازمة الكورونا .

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذه المجال هو أين نحن من كل هذا ؟ وهل تنخرط بلادنا وسياساتنا العمومية في نفس التمشي الذي يقود التفكير في مجالات الإنقاذ والتحولات الاقتصادية الكبرى ؟

ليس من السهل الحديث عن تصور واضح وفلسفة عامة لبرنامج الإنقاذ الاقتصادي في بلادنا حيث اقتصرت كل التصريحات الرسمية على مبادئ عامة لا ترتقي إلى تصور ورؤيا واضحة المعالم .إلا انه يمكن جمع بعض الاختيارات في السياسات الاقتصادية والتي يمكن أن تشير إلى التوجه العام لسياسات الإنقاذ لما بعد الكورونا .وهنا نود الإشارة الى ضعف إجراءات دعم الاقتصاد وعدم الوقوف على جانب الفئات الهشة .

كما يمكن أن نؤكد على التدخل المحدود للدولة في المجال الاقتصادي .ولعل المسالة الأهم في هذا المجال تخص السعي للتخفيض في برنامج الاستثمار العمومي في اجل المحافظة على التوازنات الكبرى لاقتصادنا .كما يمكن ان نقف كذلك على السياسة النقدية حيث واصلت في المحافظة على مبدإ رفض التمويل المباشر للميزانية بالرغم من الصعوبات المالية للدولة واستعداد كل المؤسسات الكبرى وشركائنا لقبول هذا المبدإ.

هذه الاختيارات تشير إلى أن فلسفة الإنقاذ في بلادنا وعلى خلاف البلدان الأخرى و على الخلاف التوافق العالمي تنخرط في نفس السياسات التقليدية المحافظة .فبلادنا تسبح ضد التيار وتواصل في انتهاج نفس الاختيارات الكبرى التي أثبتت عدم جدواها في الوقوف أمام أزمات عالم الأمس .فبقيت بلادنا وسياساتنا العمومية بعيدة عن الثورات والتحولات الكبرى التي يعيشها العالم .

ولعل الجزء الثاني من السؤال يخص أسباب هذا الصمت والتقليد في بلادنا بالرغم من أن العالم يعيش على وقع الثورات الفكرية والسياسية .

وهنا أود الإشارة الى خمسة أسباب أساسية تفسر في رايي هذا العجز الذي نعيشه .السبب الأول يخص عمق هذه الأزمة التي نمر بها والتي لم نعرف مثيلا لها في تاريخنا الحديث . وعمق هذه الأزمة وحدتها نتج عنه إرباك وخوف شديد للنخب الحاكمة والتي رأت الاحتماء بالسائد وبالأفكار الموروثة للهروب من الواقع وإرهاصات العالم الجديد .
السبب الثاني في رأيي يهم مسألة الكفاءة والقدرة على صياغة للسياسات العمومية للخروج من الأزمات .

وقامت بعض البلدان بابتكار حلول لهذه المسالة .فالرئيس الفرنسي ماكرون وضع لجنة من اهم الاقتصاديين في فرنسا والعالم لإعانته في التفكير في عالم الغد والسياسات التي يقتضيها .

السبب الثالث يعود في رأيي إلى غياب مروية وذاكرة للازمات في بلادنا .كما اشرنا سابقا فان هذه الأزمة هي الأخطر والأعمق في تاريخنا وغياب هذه الذاكرة وهذه التجربة لا يساعد على استنباط الحلول والرؤى الجديدة.
السبب الرابع يعود إلى هيمنة الفكر التقليدي والمحافظ في المجال الاقتصادي والذي يمنع البحث والابتكار.

السبب الخامس يرجع إلى هيمنة المؤسسات المالية العالمية في بناء اختياراتنا الاقتصادية ورؤانا وسياساتنا التي تدافع عن السياسات التقليدية والمحافظة .

تعيش بلادنا اليوم اخطر أزمة اقتصادية في تاريخها الحديث .وهذه الأزمة تتطلب حلولا وإجابات جريئة وشجاعة .ولعل الأهم - اليوم - هو تحديد فلسفة وأسس عملية للإنقاذ والتي يجب أن تنخرط في الثورة الفكرية والسياسية التي نعيشها اليوم لبناء عالم ما بعد الكورونا .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا