العقل والحتميّة والكورونا

بقلم: منير الشرفي
فكرة أغنية «أحكيلي عليها» لعدنان الشواشي وسنية مبارك طريفة جدا. فهي تتمثّل في حوار تطلب فيه طفلة صغيرة

من أبيها تفسيرا للكون ولتحركات الشمس والأرض والقمر. لكن أجوبة الأب في الأغنية كانت كارثيّة إلى أبعد حد. إذ لم يُفسّر لها أي شيء، واكتفى بالقول بأن الله خلق الليل وفكّر في ظلامه فصنع له قنديلا (القمر)، ثمّ تأتي الشمس لتُضيء النهار. وتبدو الطفلة مسرورة بالإجابة دون أن تتعرّف على دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، ولا على دوران القمر

حول الأرض، ولا على سرعة هذه التحركات، ولا على الجاذبية الخ... بإيجاز، يمكن القول بأن هذه الأغنية تحدّ من الرغبة في التفكير وفي إعمال العقل، ومن التوق إلى العلوم والمعرفة، وتُشجّع على الكسل والخنوع، وعلى الخضوع لمنطق القدرية ولفكر الحتمية.

في القرن الثامن عشر، استلقى رجل يُدعى نيوتن على الأرض في ظل شجرة تفاح. وبينما هو نائم، سقطت فوق رأسه تفاحة أقضّت مضجعه. كان يُمكن لنيوتن أن يتّبع منهج الأب في أغنية «أحكيلي عليها» ويقول بأن الله أراد أن يُسقط التفاحة، ثمّ يعود إلى سُباته. لكنّه كان رجلا ذكيّا وأصرّ على معرفة سبب سقوط التفاحة، وانتهى إلى اكتشاف جاذبيّة الأرض وبنى عليها نظريّة في غاية الأهميّة والدقّة، لولاها لما تطوّرت العلوم ولما وُجدت اليوم طائرات، على سبيل المثال.

فالأب الذي يُبرّر رسوب ابنه في الامتحان بأن تلك هي مشيئة الله، دون أن يُدرك بأن الرسوب هو نتيجة عدم الاستعداد للامتحان كما يجب، يكون قد حكم على ابنه بالفشل طول حياته.
خلاصة القول هي أن العاقل هو من يبحث عن سبب كل ما يحدث أمامه، وأن تحميل الله مسؤولية كل ما يجري في الدنيا من جيّد وسيّئ، إنما هو من قبيل الكسل الذهني أو الجهل أو التعصّب الأعمى.

أغلب المسلمين لم يأخذوا من الدين سوى «الله غالب» وإن شاء الله» و»قضاء وقدر» و»انكحوا ما طاب لكم»... وأما الإسلاميّون فأخذوا منه بالخصوص «وقاتلوهم». وجميعهم تركوا قيمة العمل المذكور 550 مرّة في القرآن، مقتصرين على استهلاك ما يُنتجه الذين يُفكّرون ويعملون من غير المسلمين.

انتشار وباء الكورونا كان فرصة لمزيد التعرف عن كثب على العقليات السائدة في تونس. ردود الفعل التي راجت في الفترة الأخيرة تصبّ في معظمها في اتجاه أن المصيبة التي حلت بنا ما هي إلا غضب من الله، لأن شعبنا فاسد. أصحاب هذه المقولة يُحمّلون الله مسؤولية قتل جميع الذين هلكوا جرّاء هذا الوباء، بمن فيهم الأتقياء والأطفال. كما أنهم تناسوا أن الله وعد بالحساب يوم القيامة. وطبعا، لا أحد منهم فكّر قليلا في سبب انتشار هذا الوباء، وفي أصله، وفي الحل لتجاوزه.

هؤلاء هم أنفسهم قلبوا خطابهم بـ180 درجة حين سمعوا أن نتائج هذا الوباء كانت خفيفة جدا في تونس بالمقارنة مع العديد من الدول الأخرى، مُبرّرين ذلك بأن الله عاقب الشعوب الفاسدة وحافظ على التونسيين لأنهم شعب مسلم وطيّب. وطبعا، لا أحد منهم بحث عن تفسير لذلك، ولا أحد قال بأن الأضرار الخفيفة نسبيّا إنما هي نتيجة لوقوف التونسيين صفّا واحدا، سلطة وشعبا، أمام الأزمة، أولأن سياسة الدولة في مجال الصحّة إبان الاستقلال بتعميم التلاقيح وإجباريتها لعبت دورا هامّا في مناعة المواطنين، أو بأن العوامل المناخيّة ساعدت على انتشار الوباء في مناطق أكثر من أخرى، أو لأن تلوّث الهواء يُساعد على انتشار الوباء ممّا يُفسّر سرعة انتشاره في الدول الصناعيّة الكبرى...

بالنسبة لهؤلاء، لا يُكلّف اللهُ إنسانا إلا وسعه، أما الإنسان فإمكانه أن يُكلّف اللهَ ما كان هو الذي تسبّب فيه، خيرا كان أو شرّا. ويعود ذلك طبعا إلى الكسل الذهني وإلى إيمان العجائز وإلى عدم الإيمان بالعلوم والمعارف وبنظرية السببيّة.

والسببيّة هي مفتاح العقل، وهي التي بها نفهم ما يدور حولنا من أحداث ومن حالات مادّية ومعنويّة. ولا يُمكن لأيّ علم من العلوم أن يتطوّر ولا لأي فكر أن يتقدّم دون البحث عن أسباب الأحداث والظواهر. فكل حدث ما هو إلا نتيجة لحدث سابق أسّس له وأثّر فيه. فانهزام فريق كرة هو نتيجة لعدم استعداده للمباراة استعدادا جيّدا، ونجاح الطالب في الامتحان هو نتيجة حسن مراجعته لدروسه، وإصابة شخص بالزكام هو نتيجة عدم توقّيه من البرد بالقدر الكافي، وإفلاس الثري هو نتيجة لسوء تصرّفه في ثروته... والتفاحة سقطت على رأس نيوتن بمفعول جاذبية الأرض.

الأخصّائيون في العلوم، الصحيحة منها والإنسانية والاجتماعية، يقولون بأن السؤال الذي يُطرح بشكل جيّد وواضح يتضمّن نصف الجواب. والخبر الذي نسوقه بدقّة بخصوص مشكلة ما يتضمّن نصف حلّها، إن لم نقل حلّها كاملا. فإذا قلنا بأن الطالب كُتب عليه بألّا ينجح في امتحانه فإننا لن نجد الحلّ لفشله. أما إذا قلنا بأن الطالب لم يقم بالإعداد الجيّد لامتحانه فلم ينجح، فإننا وجدنا الحل لمشكلته والتي تتمثّل في أن عليه أن يُعدّ جيدا لامتحانه القادم.

ونحن نعيش هذه الأزمة الصحية المتمثّلة في وباء الكورونا، من السهل جدّا أن نقول بأن الله بعث بها إلى العالم في هذه الفترة بالذات لسبب لا يعلمه إلا هو، وأن الوباء سينتشر بالقدر الذي قدّره وسيزول عندما يشاء. فإذا اكتفينا بهذه البساطة في التفكير وبقينا نُشاهد تطوّر الوباء دون أي ردّ فعل، لكان الوباء أكثر انتشارا ممّا كان عليه ولكانت العدوى أكثر شموليّة والضحايا أكبر عددا. وإن عاد للانتشار مُجدّدا نكون قد قصّرنا في القيام بمايحول دون عودته.

لكن المنطق والعقل السليم يُحتّمان الخوض في أسباب وجوده وانتشاره حتى لا نُعيد المناخ الذي أوجده من جهة، وفي وسائل التخلّص منه بأخفّ الأضرار والعمل على ألّا يعود من جديد من جهة أخرى.

وللوصول إلى هذه النتيجة فإن العقل السليم يفرض علينا ألّا ننصاع إلى منطق القدرية والحتميّة، وأن نعمل، كلّ في مجاله، على تخطّي المرحلة بأخفّ الأضرار وعلى إعداد المرحلة القادمة متّعظين بدرس الكورونا وما تبعها. وهو عمل موكول إلى العلماء المختصّينالذين من حجر صحي ومن الاختلاء بالذات.

الاختلاء بالذات كان للكثير منّا مضيعة للوقت وفترة راحة مفروضة لا جدوى من ورائها. لكنها كانت فرصة من ذهب أبعدت العديد من الناس عن دوّامة الحياة اليوميّة بما فيها من مُفيد وغير مُفيد، ومن صالح للفرد وللمجموعة ومن مُضرّ بهما. فهي فرصة للتفكير بهدوء وتمعّن وموضوعية في ما كان عليه الوضع على المستويات الشخصية والاجتماعية والعالمية، وفي ما أصبح عليه، وفي ما يجب أن يكون عليه مستقبلا.

الأكيد أن الوضع الشخصي سيتغيّر بشكل أو بآخر لمعظم الناس بعد أن قاموا بتقييم، ولو بصفة لاشعوريّة، لما كانت عليه حياتهم قبل انتشار الوباء وقبل الاختلاء بالذات. وهو تقييم لن نخوض فيه باعتباره يتغيّر من شخص لآخر. لكن السلوك الجماعي، وطنيّا وعالميّا، أعتقد أنه ستدخل عليه تغييرات قد تكون جوهرية وثوريّة لدرجة أن فترة انتشار الوباء لسنة 2020 ستُمثّل منعرجا حاسما في العلاقات بين الأفراد وفي تاريخ العلاقات بينالمجتمعات والشعوب.

هناك حالة وعي عميق بما تميّزت به العقود الأخيرة من ظلم وانتهاك للحقوق وانعدام المساواة بين الأجناس والجهات. كما أنها تميّزت بالكراهية والجشع والجهل والأنانية والتعطّش إلى الربح بالأساليب المشروعة وغير المشروعة. وتميّزت بالخصوص بالاستهتار بالعلوم وبالفكر والثقافة وقد أخذ مكانها الانغلاق الفكري والتعصّب الديني وسياسة التصحّر الثقافي. زيادة على ذلك التعدّي على الطبيعة وانتهاك مُكوّناتها الحياتية بالاستهتار بتبعات التلوّث البيئي وبالتغيّر المناخي.

هذا الوعي سوف تكون له حتما تبعات جوهرية وجذرية في العلاقات الإنسانية بين الشعوب وداخل الشعب الواحد. وهو وعي سيجعل من قيمة الحياة القيمة الأولى في سلّم القيم، بما فيها من صحّة جسديّة وعقليّة ونفسانيّة.

البيان الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية يُؤكد أن فيروس الكورونا المستجد ليس بمادّة صناعية مخبرية، كما رُوّج لذلك في بدايته، وإنما هو مخلوق طبيعي. أي أن العوامل الطبيعيّة هي التي أفرزته وطوّرته. وما على العلماء المُختصّين إلا أن يدرسوا بعمق هذه العوامل، أسبابها ونتائجها، ويُنتجوا ما يجب إنتاجه من وسائل للقضاء عليه وعلى أسبابه حتى لا يعود، وحتى لا تعود شبيهاته.

أما السياسيون فإن مهمّتهم ليست أقل أهميّة. فالحكام الحاليون، في تونس وفي الخارج، يتصرّفون بشكل فيه الصواب وفيه الخطأ، خاصّة في ما يتعلّق بتسيير شؤون البلاد في فترة انتشار الوباء وما سيترتّب عنها من ديون ومن رواسب اقتصادية واجتماعية ونفسانيّة. حتى أن حكّام ما بعد سنة 2021 سيجدون أنفسهم كمن دُعي إلى حفلة بعد انتهائها ولم يبق أمامه غير تنظيف المكان وغسل الأطباق المستعملة.

ولأنّ الحكام في فترة الأزمة يسمحون لأنفسهم بكل التجاوزات، مُبرّرين سوء تصرفاتهم بالظرف الاستثنائي، فإن مراقبتهم تُصبح ضروريّة أكثر من قبل ومن بعد، لأن بإمكانهم دفع البلاد في اتجاه يصعب التراجع عنه من قبل من سيخلفونهم.
وهنا يأتي دور المُثقّفين والمجتمع المدني الذين يجب عليهم رصد تجاوزات السلطة من جهة، وبثّ الفكر العقلاني من جهة أخرى، الفكر الذي يُعيد للعلم مكانته وللحياة قيمتها وللبيئة نقاوتها وللثقافة المُستنيرة ريادتها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا