كم نحتاج اليوم إلى المجلس الأعلى للإفتاء ؟

كنت منذ تسع سنوات وأنا أدعو لإنشاء المجلس الأعلى للإفتاء في بلادنا تكون كلمته الفاصلة في كلّ المستجدّات الدينية

وها أنا أجدّد الدعوة اليوم ونحن نشاهد هذه الفتاوى وهذه الخلافات في النوازل بعد تفشّي داء الكورونا .

كم نحتاج اليوم لهذا المجلس فلو أنشيء لكفانا كلّ ضجيج نسمعه اليوم ولجمعنا على فتوى واحدة وقرار مشترك فيما حلّ بنا من قضايا ولّدها وباء الكورونا وستولّدها نوازل أخرى بما أنّ الأحداث لن تنقضي وباب الإجتهاد لن يغلق فيما يجدّ..
فحين نتصفّح تاريخ الإفتاء في بلادنا نجده قد عرف مرحلتين الأولى تسمّى «مرحلة ما قبل الإستقلال» وتعود إلى سنة 1611 م لمّا قامت «الدولة المرادية» واتّخذت المذهب الحنفي مذهبا رسميا لها وتمّ تكليف مشرفا على هذا المذهب في الدولة، وأسند له عبر العصور عدة ألقاب، منها: المفتي الأكبر والباش مفتي وشيخ الإسلام نذكر من هؤلاء 1611 - 1634: الشيخ رمضان أفندي و1634 - 1641: الشيخ أحمد الشريف الحنفي وصولا إلى الشيخ عبد الكبير درغوث ثمّ تولّى الأمر رؤساء المذهب الحنفي في الدولة الحسينية على غرار:

• 1720 - 1730: الشيخ علي الصوفي

• 1932 - 1939: الشيخ محمد بن يوسف

• 1939 - 1942: الشيخ الطيب بيرم

• 1942 - 1947: الشيخ محمد الصالح بن مراد

• 1947 - 1948: الشيخ محمد دامرجي

1948 - 1956: الشيخ محمد عباس

وفي نفس الفترة أي بين 1932 و1956 تمّ تفريع مشيخة الإسلام إلى فرعين: شيخ الإسلام الحنفي وشيخ الإسلام المالكي، وقبل ذلك كان للمذهب المالكي شيوخا وقضاة أقلّ رتبة من المشرف على المذهب الحنفي و شيوخ الإسلام المالكي هم:

• 1932 - 1945: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور

• 1945 - 1956: الشيخ محمد عبد العزيز جعيط

ثمّ مرحلة «ما بعد الاستقلال» ففي 1956، تمّ توحيد القضاء وحذف خطتي شيخ الإسلام الحنفي وشيخ الإسلام المالكي، وعوضتها خطة «مفتي الديار التونسية» حسب المرسوم المؤرخ في 28 فيفري 1957، ثم تغّير بعد ذلك إلى «مفتي الجمهورية» عملا بالمرسوم المؤرخ في 6 أفريل 1962 أين تم تحديد وضبط مهامه وتتلخص في تحديد بداية كلّ شهر قمري إعتمادا على رؤية القمر، مع الاستئناس بالحساب الفلكي وإصدار شهادات اعتناق الإسلام للراغبين فيها من غير المسلمين من جميع أنحاء العالم ومن جميع الجنسيات مع الإجابة عن أسئلة المستفتين عبر المراسلات أو بالحضور المباشر أو عن طريق الاتصال الهاتفي إضافة إلى تمثيل الجمهورية التونسية في الملتقيات العلمية والمؤتمرات وفي المجامع الإسلامية الإقليمية والدولية وإعداد الدراسات العلمية الموكلة إليه لتقديمها والإسهام بها مع إبداء الرأي فيما يعرض عليه من كتب مدرسية أو وثائق وبحوث ودراسات ذات العلاقة بالدين الإسلامي. .

وقد تولّى المنصب الإفتائي المشائخ :

- محمد العزيز جعيّط

- محمد الفاضل بن عاشور

- محمد الهادي بن القاضي

- محمد الحبيب بن الخوجة

- محمد المختار السلامي

- كمال الدين جعيّط

- عثمان بطيخ

- حمدة سعيّد

وحاليا الشيخ عثمان بطيخ هذه الشخصية التي أثارت مواقفه الإهتمام في زمن الترويكا لمّا عارض تشدّد السلفية والتسفير لبؤر التوتر وجهاد النكاح وقد عزله «المرزوقي» ثمّ أعاده «الباجي» وحاليا حين صمت إن لم نقل ساند دعوة رئيس الدولة المتعلّقة بالمساواة في الميراث ولم يصدر موقفا واضحا حول «تقرير لجنة الحريات والمساواة» وهاهو اليوم في زمن الكورونا لا نرى له ظهورا وهو الرجل الخلوق المسنّ ..

وعند عامة الناس أضحت وظيفة «المفتي» محلّ تندر في صفحات التواصل الإجتماعي غير مقدّرين لدوره الحقيقي ويعود ذلك لكونه منصبا يخضع لتعيين رئيس الدولة في حين أن كبريات المسؤوليات والمناصب أصبحت في النظام الديمقراطي بعد الثورة تخضع للانتخابات كما أن مقرّ دار الإفتاء ومكاتبه وعدد موظفيه لا تليق بسمعة تونس والأهمّ من هذا كلّه ما يظهر للناس كون مهام المفتي مقتصرة على الإعلان عن رؤية الهلال فحسب بشكل نمطي مملّ متكلّس غالبا ..

وعليه فالمطلوب اليوم في خضمّ المستجدّات التفكير فيما تحتاجه هذه الوظيفة أو بالأحرى هذه المؤسسة شئنا أم أبينا .تحتاج إلى تغييرها فقد انتهى دورها بالشكل الحالي وضرورة تعويضها بمجلس أعلى للإفتاء منتخب وفق معايير وضوابط ونصوص قانونية لأن زمن الإفتاء الفردي انقضى منذ عقود فالإفتاء اليوم جماعي أو لا يكون يشترك فيه رجل العلم الشرعي واختصاصي الجباية و الطب والاقتصاد وغيرهم لتشعّب القضايا وتقاطعها مع المستجدات المعقدة والمتشعبة ..كما أن وظيفة الإعلان عن دخول الأشهر وهلال رمضان والأعياد ومقدار الزكاة وغيرها لا يمكن أن تكون من مهمات المفتي بقدر ما هي من مهمات الناطق الرسمي للمجلس الإفتائي ووسائل الإعلام المتاحة بكثافة اليوم بمختلف أنواعها وكذلك بالنسبة لكلّ العمليات الإدارية فهي موكولة لأهل الاختصاص كذلك .

لا نحتاج لمؤسسة مشلولة أو ديكورا ..ولا للمفتي الذي يغنّي خارج السرب بل نحتاج إلى رجال حكماء وشباب لهم من الكفاءة والاحترافية ما يجعلهم محافظين على صورة الدين وصورة الإجتهاد الحدبث في بلد الزيتونة والعلماء وضمن هيئة إفتائية فسيفسائية التركيبة استجابة للتحوّلات التي تشهدها البلاد والأفكار والسلوكات ..
نحتاج تصوّرا جديدا لمجلس أعلى للافتاء في مرحلة ما بعد الثورة ومرحلة ما بعد الكورونا كذلك تتوسّع دائرة مهامه وتواكب تطورات العلم والتكنولوجية وفنون التواصل والخوض في كبريات مشاغل الناس الدينية والاقتصادية والصحيّة والفكريّة بتشابكها ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا