أدغار موران: في ضرورة تغيير طرق عيشنا

بقلم: ماهر حنين
لا يزال فكر الفيلسوف و عالم الاجتماع الفرنسي متّقدا رغم تقدمه في السن وقد تجاوز التسعين عاما فكأن جائحة كوفيد 19 جاءت

لتؤكد ما كان يشتغل عليه منذ سنوات في كلّ مشروعه الفكري دفاعا عن دلالات الإنساني وعمق اغترابه في فوضي المجتمعات الصناعية المعاصرة وفي ضلّ سلطة العولمة و املاءات الأيديولوجية الليبرالية الجديدة المكرّسة لفكرة الداوروينية الاجتماعية للتّخلص من الانسان «الاّمجدي» الشيخ , المهاجر , المريض, الفقير ...
صدمة الكورونا فضحت زيف العالم الذي نعيش فيه ووسّعت رحاب التعبئة الجماهرية ضدّ مظاهر الحيف التي يقوم عليها كما وفّرت للأفراد مجالا للوحدة والعزلة كفرصة للتأمل و مساءلة بداهاتنا اليومية و إيقاع معيشنا المتسارع ونسق الاستهلاك وخدعة مجتمع المشهد.

بينّت هذه الأزمة أن العولمة اختزلت في شبكة من المعاملات دون تضامن لقد وفّرت حركة العولمة حتما الاندماج التقني والاقتصادي للكوكب ، لكنها لم تبني جسور التفاهم بين الشعوب واسقطت فضائل الصّداقة و التسامح و الضيافة . منعرج العولمة بداية التسعينات حمل معه اشتعال الحروب والأزمات المالية و المخاطر البيئية و الأوبئة.
تهديد البيئة والأسلحة النووية والانفاق على التصنيع الحربي والاقتصاد الجامح للرّبح لا يأخد بعين الاعتبار معاناة الناس، وعموم البشر لم يكونوا على علم به أو هم لم ينتهبوا لحجم المخاطر كما أن اللاّمبالاة أو الانكار و التسليم بما هو قائم لم تساعد علي بلورة وعي عالمي بضرورة أن نغيّر ما بأنفسنا حتي نغيّر عالمنا.
يضيء الفيروس بتعبير موران اليوم بطريقة فورية ليكشف مأساوية هذا المجتمع وأمراضه . فكيف يمكن لهذه المأساة أن تصلح أنفسنا الفردية وأن تضيء لنا دروب اللقاء بالآخر و أن ترفع من قناعتنا في وحدة المصير الإنساني ؟

يخبرنا الفيروس التاجي بصمت وبقوة أن البشرية كلها يجب أن تبحث عن شكل جديد للحياة و تتخلى عن عقيدة النيوليبرالية من أجل عهد سياسي إيكولوجي و اجتماعي جديد مثل هذا المسار الجديد سيحمي ويعزّز الخدمات العامة مثل المستشفيات التي عانت من تخفيضات جنونية في نفقاتها وأجور العاملين فيها بالنظر الى قطاعات آخري . كم نكتشف اليوم كم كانت البشرية ساذجة حين هوّنت من هجمة رأسمال على الخدمات الاجتماعية وتبضيعها لا بدّ من تصحيح الطريق لوضع حدّ لآثار مثل هذه العولمة

في سياقات سابقة يعلّمنا المفكر الفرنسي وقد عاصر كلّ مخاضات القرن العشرين أن عمل كلّ نظام يهدف دائما لخلق التوازن كلما مرّ بمنعطفات ، إما بالسعي للعودة إلى الأنماط السلوكية و التصورات الذهنية السّابقة، وإما بخلق نظام آخر أكثر تركيباً يضمن التكيف مع المعطيات الجديدة.
قياسا الى الجسم البيولوجي ، تشهد المجتمعات أزمات و محن تعصف بنظامها . إن الأزمة بالنتيجة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفكرة الاضطراب وبروز ظواهر أو تفاصيل تربك السّيلان العادي للأنساق والمنظومات، وكلّما كانت المنظومات قادرة على احتواء الشذوذ والمفاجئ واستيعابهما ضمن النّسق العام والحدّ من آثارهما على توازن الكل فلا حديث عن الأزمة،

لكن بمجرد أن تكثر الاختلالات و التردّدات و تستمر ويعجز النظام الكلي عن ضبطها، فنحن في قلب الأزمة .

ما يؤكد عليه إدغار موران صاحب نظرية التحليل المركّب أن كل نظام اجتماعي، يتضمن بالضرورة حدّا من الفوضى داخله، و يسعى لاحتوائها ، عن طريق قمعها أو انكارها أو إفراغها من أهميتها أو استيعابها .، في حال فشل النظام أي كانت درجة تعقيده و دقّته في لمّ شمل التناقضات والاختلالات في توليفة متناغمة، فإن النسق الكلي يغدو مهدداً بل قابلاً للانفجار، إنها الأزمة باختصار وهي فاتحة مرحلة جديدة .

المهم أكثر في فلسفة إدغار موران هنا هو وعيه أن أي أزمة تعصف بنظام اجتماعي تثير فيه طريقتين لردّ الفعل :

أولاها دعوات ، النكوص والارتماء في خلاص ماضوي والتعلق بمنقذ قدري، وارجاع كلّ الأزمة الي انحراف مؤقت ،مدان وفي هذه الحالة تصبح الأزمة عاملاً للتراجع .
. فأوروبا رغم مرورها بامتحان الحربين ، لم تُغير رؤيتها للعالم ولما يجب أن تكون عليه علاقات كياناتها ، فاستمرت نخبها الليبرالية و الاقتصادية متحكمة بضرب من العناد في قرارات الاتحاد الأوربي وصناعة سياساته ، مستبعدة الآخر أو الغير، وغير مكترثة بقيمة التعددية في بناء مصير البشرية، بل حاربت من خارج مدارها الحضاري جيرانها و شركاءها حتى لا يكونوا إلى جانبها لخلق قدر معقول من التعددية والتوازن. و، حين انهار ما كان يمثل محور استقطاب دولي إلى جانبها، أي المنظومة الاشتراكية، لم تتردد في التبشير بتوحّد العالم في المنظومة الليبرالية، ونهاية التاريخ وميلاد الإنسان الواحد، وهو ما شجع العقل الغربي المركزي على العودة إلى الشكل المتطرف من الليبرالية، أي الليبرالية الجديدة، التي ألغت مفهوم الإنسان المتعدد، والثقافات والمجتمعات وأنماط العيش المتعددة والمتنوعة وهي ليبرالية غير مكترثة تماما بالأبعاد الاجتماعية والثقافية والرّوحية، نظّرت إلى البشرية كسلع، ومنتوجات، وبضائع للبيع والشراء عقيدتها الجيدة الربح، واللهث وراء الكسب ومراكمة الأموال، وهو ما قاد العالم إلى ما هو عليه اليوم .
أوروبا اليوم تكتشف بعيدا عن ركح السياسة ولعبة الأدوار والأقنعة ذئبيّة ثقافتها وما زرعته من أنانية.

المسار الثاني الممكن حين يترنح النظام وينتابه الشك هو التوّغل أكثرفي قلبه لتغييره فلا يكفي اليوم ان نتبادل عبارات التآخي و أن نساير الفيروس للخروج من فضاء عيشنا المادي حتي نعود لحياتنا السابقة بل المهم أن نفتح ورشتي تفكير فعلي يخطط لمهام عملية و سياسية تعقم فضاءات عيشنا وهما:

• أولا: كيف نشفي من حمّي الفردانية ؟
من أوكد الإحراجات التي شقت تاريخ الفلسفة هي درجة التوّتر بين مطلب الذاتية والتفرد والحميمية من جهة ومطلب الكلي و الشمولي و الجامع من جهة أخري وبقدر ما يستمرّ الجدل حول معني الانسان الحرّ بين دعاة التفرد و الاستقلالية و دعاة سطوة البني الاجتماعية و الأنثروبولوجية فإن ما كرّسته فلسفة النيبوليبرالية منذ بداياتها الأولي هي غلبة الفرد علي كلّ الروابط الاجتماعية ومع اعلان تاتشر'' لم يعد هناك مجتمع هناك فقط أفراد '' تجهد الدّعاية الليبرلية الجديدة بعد أن وزّعت الخوف علي كامل تفاصيل الحياة اليومية لإقناع الفرد بأن مواجهة تهديدات الحياة صارت مهمته وحده ولم تعد مهمة الدّولة وبان شروط النجاح والتّفوق كامنة في عبقرية الفرد و ذكائه و قدراته هو وعليه ان يتنافس مع غيره لتحقيق النجاح , ما تريده السياسة النيبوليبرالية هو تثبيت فكرة الفرد المعلق في الفراغ الاجتماعي.

التأمل في هذا الفراغ الأنطولوجي للإنسان المعاصر أدي الي الاهتمام بمفهوم «الاغتراب» كمفهوم حاسم في كلّ محاولة لفهم الوجود البشري سرّ هذا الاهتمام هو المسافة الفاصلة بين معني الحميمية الذاتي وحمي الفردانية الانانية . فالتقدم التقني و الكليانية و التحكم و سياسات العزل جعلت الانسان المعولم وخاصة في البلدان الصناعية و الرأسمالية مدمنا الي حدّ الشطط في الفردانية لقد صارت النرجسية أفيون المجتمعات المعاصرة انها بحث عن المعني في عالم بلا معني .

لكن هذا التحقق الأقصى للفردية المعزولة الذي فرضه التباعد الاجتماعي توقيا من الكورونا يكاد يعصف بنا, نحن نقف علي حقيقة أننا لا نستطيع أن نوجد وحدنا لا بد لكلّ أنا من وجود أنوات أخري تحادثها و تلمسها وتخوض معها تجربة الوجود الحيوي . تفكك حزمة الروّابط الفعلية يربكنا , ما نتطلع اليه وفق هذا التشخيص وكما ينصحنا موران هو أن نستعيد لذّة ومتعة العيش مع الآخرين أو نصادقهم ولا نكن لهم العدواة .

• ثانيا: كيف نستعيد متعة اللقاء بالآخر أو الوعي بالمصير المشترك؟
الإنسانية اليوم بحاجة الى سياسة كونية، وعندما نقول سياسة كونية يتبادر إلى الأذهان أننا نقصد سياسة تحكم الحضارة الإنسانية جمعاء، فهذه السياسة من خلال احتوائها للعالم في قوانين واحدة، تهدف إلى الحفاظ على امنه، ووحدته ككيان إنساني مشترك.
عبارة سياسة الحضارة الإنسانية فرضت نفسها في الربع الأخير من القرن الفارط على فكر موارن وهي ترتبط بما أسماه أنداك بـسياسة الإنسان، وهي عبارة تفيد سياسة متعددة الأبعاد، لأن كل مشاكل الإنسانية تكتسب اليوم بعدا سياسيا، فهذه السياسة أخذت على عاتقها مهمة القضاء على بربرية العلاقات الإنسانية، المتمثلة في استغلال الإنسان للإنسان، والأنانية، والتعصب العرقي، والقساوة، واللاّتفاهم . برنامج هذه السياسة يهدف إلى إزالة تلك الحواجز التي تعيق الفرد والمجتمع، على الفهم والتفاهم، كما تهدف إلى إزالة كل الأسباب التي تؤدي إلى التفرقة ورفض الآخر، من خلال رعاية الجميع وفق مبدأ أخلاقي وحقوقي واحد وهو الانتماء للمجتمع الإنساني . إجراءات الوقاية من الوباء و الإغلاق الأناني للدول لحدودها من تلقاء نقسها ولو بعد تردّد تكشف ما يجب تغييره لأن أوروبا ( السوق المشتركة ) ، بينت انها لا تستبطن عقيدة الوحدة والتضامن علينا أن نستمرّ في هذا التمرين التضامني الدولي الذي بدأه أطباء وباحثون من الجميع القارات ونسير على خطاه لأنه يضع على طاولة الاتفاق العالمي حاجة البشرية لحماية نفسها بنفسها دون تمييز ودون حدود.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا