قهوة الأحد: العقد الاجتماعي (1) : الأفكار والأسس

أثارت مسألة العقد الاجتماعي الكثير من الاهتمام في الأيام الأخيرة . وسأحاول في هذه المقالات توضيح هذه الفكرة والوقوف على أسسه الفكرية

والفلسفية وأبعادها السياسية .إلا أن أهمية هذه الفكرة والعقد الاجتماعي لا تتوقف على أبعادها الفكرية بل تمتد إلى محتواها السياسي وقدرتها على التحول إلى مشروع سياسي وبرنامج مجتمعي اقتصادي وسياسي واجتماعي .
عرفت بلادنا في تاريخها الحديث ومنذ المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر هذه الإشكالية لتصبح مع الحركة الإصلاحية البرنامج الأساسي للتجربة السياسية ولخصوصيتها في المنطقة العربية الإسلامية .
ولئن فشلت الحركة الإصلاحية في تجسيد مشروع العقد الاجتماعي مع دخول الاستعمار وفرض هيمنته على بلادنا فإنها ستعود مع الحركة الوطنية في بداية القرن العشرين لتصبح في جوهر مشروع التحرر الوطني والانعتاق الاجتماعي .

ومع خروج الاستعمار سيصبح مشروع بناء العقد الاجتماعي البرنامج الأساسي والمركزي لدولة الاستقلال . وسيرتكز هذا البرنامج على ثلاث مسائل أساسية وهي الخروج من أنماط الحكم التقليدية وبناء الدولة الحديثة والقطع مع الاقتصاد الاستعماري وبناء اقتصاد وطني يهدف إلى تطوير الصناعة الوطنية وبناء علاقات اجتماعية جدية تضمن فيها الدولة مبادئ التعاون والتآزر بين الفئات الاجتماعية .

وقد نجحت الدولة الوطنية في هيكلة هذا العقد الاجتماعي والذي ساهم بصفة كبيرة في الخروج ببلادنا من وضعية التبعية والتخلف وادخالها في عالم الحداثة والتطور الاقتصادي والاجتماعي .إلا أن هذه التجربة شابها الكثير من الهنات والنقائص ليدخل مشروع العقد الاجتماعي في أزمة كبيرة خانقة مع تنامي الاستبداد والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها بلادنا مع بداية القرن .

وقد فتحت الثورة في رأيي مرحلة مهمة لتجديد العقد الاجتماعي وبناء مشروع ديمقراطي واجتماعي جديد .وبالرغم من الصعوبات التي عرفتها بلادنا في المرحلة الأخيرة فان إعادة بناء عقد اجتماعي جديد يشكل الإجابة الحقيقية على الأزمات والصعوبات التي نعيشها اليوم وتقدم الرد على الاحباطات والخوف وغياب الأمل الذي يهيمن على الواقع السياسي في بلادنا .
وسنخصص ثلاث مقالات لهذه المسالة الأساسية ولهذا المشروع الجمعي الجديد الذي من شانه إعادة الثقة في المسار التاريخي الجديد الذي فتحته الثورة وفي قدرتنا على إنجاح التحول الديمقراطي .وسيهتم المقال الأول بالعودة للأسس الفكرية والفلسفية لإشكالية العقد الاجتماعي .اما المقال الثاني فسيتناول تجربتنا التاريخية في هذا المجال ومحاولاتنا المتعددة لبناء العقد الاجتماعي بنجاحاتها وإخفاقاتها .وسنهتم في المقال الثالث بالمستقبل وسنحاول تقديم بعض المقترحات لسبل إعادة بناء عقد اجتماعي جديد ديمقراطي واجتماعي .

لنتوقف الآن حول الأسس الفكرية والفلسفية لمفهوم العقد الاجتماعي .وسنحاول تقديم بعض الأفكار والملاحظات الأساسية لتحديد هذا المفهوم .

إن مفهوم العقد الاجتماعي ونظريات العقد الاجتماعي هي نتاج تاريخي لتطور المجتمعات البشرية وخروجها التدريجي من المجتمعات التقليدية ودخولها في المجتمعات الحديثة في العصر الوسيط.فبالرغم من الاختلافات الكبيرة التي تقدمها وتدافع عنها تعريفات العقد الاجتماعي فانه تشير إلى مرحلة تاريخية مهمة وهي مرحلة الخروج من العلاقات التقليدية والعشائرية والي تعتمد على الطائفة والمجموعة والقبيلة الى الدخول في علاقات جديدة تضع الفرد والشخص أساس المجتمع والدولة والنظام السياسي بصفة عامة.

وهذا التطور ليس وضعية طبيعية بل هو نتاج لتطور تاريخي أدى إلى تآكل المجتمعات الما قبل رأسمالية والتي فتحت الباب لظهور الثورات الليبرالية والثورات الصناعية والرأسمالية .

وقد ظهرت فكرة العقد الاجتماعي منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا.ونجدها في أفكار وآراء عديد الفلاسفة الأوروبيين ونذكر منهم هوبس (Hobbes) وخاصة الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (jean jacques Rousseau) والذي خصص لمسالة العقد الاجتماعي كتابا مهما لا يزال له الكثير من التأثير إلى يومنا هذا .
وقد أكد اغلبهم على بعض الأفكار الرئيسية التي يحملها هذا المفهوم .والفكرة الأساسية الأولى وهي التي اشرنا إليها وتخص الخروج من المجتمعات التقليدية والقطاعية والدخول في المجتمعات الحديثة والرأسمالية .وهذا التحول يمر عبر القطع مع العلاقات العشائرية والجمعية (communautaire) والتي تهمين على المجتمعات الما قبل رأسمالية والمرور الى مرحلة جديدة يكون فيها الفرد والشخص هو أساس المجتمع والدولة والنظام السياسي بشكل عام .

الفكرة الأساسية الثانية التي يحملها مفهوم العقد الاجتماعي تخص ابتعاد الأفراد والأشخاص عن حالة الغاب لتكوين جسم اجتماعي .ففي المجتمعات الحديثة يتنازل الافراد للمجموعة بجزء أو بكل حقوقهم الطبيعية والفردية مقابل الحصول على حقوق مدنية .
أما الفكرة المهمة الثالثة والتي يحملها مفهوم العقد الاجتماعي وهي أن عملية تنازل الأفراد عن استقلاليتهم لفائدة المجموعة تتم بإرادتهم واختيارهم.فعملية التنازل عن الحقوق لا تتم بطريقة قسرية أو تسلطية كما هو الشأن في المجتمعات التقليدية بل بكل حرية في المجتمعات الحديثة .

الفكرة الرابعة والأساسية في مفهوم العقد الاجتماعي تهم الانتقال من الجانب الاجتماعي إلى الجانب السياسي وإدارة الشأن العام والحكم.وقد أكدت اغلب نظريات العقد الاجتماعي على أن هذا البناء الاجتماعي والدخول في المجتمعات الحديثة يشكل نقطة الانطلاق والقاعدة الأساسية للمرور للنظام الديمقراطي.فالعقد الاجتماعي سيكون القاعدة الأساسية للعقد السياسي أو الميثاق السياسي الديمقراطي والذي يتنازل بموجبه الأفراد والأشخاص عن سيادتهم لفائدة أناس منتخبين والذين سيديرون الشأن العام بتفويض من المجموعة .

لقد عرف مفهوم العقد الاجتماعي الكثير من الكتابات والتنظيرات وحتى الخلافات والتناقضات بين الفلاسفة والمفكرين .إلا انه يمكن اختزاله في الفكرة الأساسية وهي الخروج من المجتمع التقليدي والابتعاد عن العلاقات العشائرية والاستبدادية والدخول في مرحلة تاريخية جديدة يكون الفرد فيها أساس البناء المجتمعي وحجر الأساس للبناء الديمقراطي والنظام السياسي الحديث .

إلا أن هذا المفهوم عرف الكثير من النقد باعتبار أن العقد الاجتماعي في البلدان الديمقراطية ولئن ساهم في الخروج من المجتمعات التقليدية فانه لم يكن قادرا على الوقوف في بعض امراض النظام الرأسمالي وبصفة خاصة صعود التفاوت الاجتماعي والتهميش والحيف الاجتماعي .فالمؤسسات الديمقراطية لم تكن قادرة على كبح جماح الجري وراء المردودية الاقتصادية والربح والتي تشكل احد أسس الديناميكية الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي والتي قادت الى تجميع ثروات طائلة في أيادي محدودة على حساب أغلبية المجتمع .وقد عملت عديد البلدان الديمقراطية على كبح جماح الربح ووضع آليات لإعادة توزيع الثروة.وقد نجحت هذه الآليات والسياسات في التقليص من هذا الانحدار وتدعيم التوازن بين الفئات والطبقات الاجتماعية .إلا أن هذه الآليات لم تكن قادرة على الصمود في مراحل تاريخية معينة أمام الثورات النيوليبرالية كما كان الشأن في بداية ثمانينات القرن الماضي والتي زادت في تعميق الهوة الاجتماعية مما نتج عنه تقلص مشروعية العقد الاجتماعي في اغلب البلدان الديمقراطية .

وهذه العلاقات المتوترة بين العقد الاجتماعي في المجتمعات الديمقراطية وقدرة المؤسسة على المحافظة على مستوى معين من المساواة كانت وراء اهتمامات عديد المفكرين والفلاسفة ومن ضمنهم الفيلسوف الأمريكي John Rawls جون راولس والذي خصص كتابا مهما لهذه المسالة سنة 1971 بعنوان «la théorie de la justice» أو نظرية العدالة .وسيصبح هذا الكتاب ليومنا هذا مرجعا أساسيا لدراسة العلاقة بين النظام الديمقراطي وقضايا المساواة والعدالة ا بين الفئات والطبقات الاجتماعية .

لقد شكل مفهوم العقد الاجتماعي مسالة محورية في التحول التاريخي الذي عرفته المجتمعات البشرية وفي الخروج من العلاقات العشائرية والمجتمع التقليدي والدخول في المجتمعات الحديثة حيث يكون الفرد اساس البناء المجتمعي والسياسي . وهذه المسالة ليست نظرية فقط بل سياسية وعملية مهمة حيث كانت وراء ظهور الدولة المدنية والأنظمة الديمقراطية .
ولئن انطلقت هذه التحولات في أوروبا مع الثورات الصناعية وحركة الأنوار فلقد كان لها بعد كوني حيث ستعتمد اغلب الحركات الإصلاحية في العالم ومن ضمنها تونس على فكرة العقد الاجتماعي في مسار تحديثها السياسي والاجتماعي .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا