برج بابل: عن ثورة أنهكها ثلاثٌ: السُّلفة، السَّلَفي والسِّلفِي

عن الثورة في عامها التاسع ما يثير التساؤلات، تساؤلات عن مسارها وأخرى عن تحدياتها ومواطن الخلل فيها وأيضا عن نقاط الضوء فيها.

مع كل عام يمرّ في عمر الثورات نبتعد رويدا عن اللحظات السحرية فيها وعن وعودها وعن البهيّ فيها. يدخل منطق الدولة ليزيح الأمنيات الحالمة ويفرض حضوره بواقعية ترتيب الأمور من جديد. هنا بالذات يأتي الشعار الذي ردّده الثوار في كل أنحاء الدنيا تقريبا وهو عندما تأكل الثورات أبناءها.
هل أن ثورتنا منهكة؟ ما الذي أنهكها؟ هل تستطيع أن تقاوم؟ وهل أنها مع ذلك كله قادرة على المضي نحو أهدافها المعلنة وغير المعلنة؟

ما من شك في أن الثورة قد أصابها شيء من الوهن. يحدث هذا في كل الثورات تقريبا حين تتصادم المصالح وحين تكون ثورة غير مرتاح إليها في بيئتيها الداخلية والخارجية. لأن الثورات تكون في الغالب مزهوة بنفسها وتنسى من يتربص بها. والثورات هي تلك المسارات الصعبة في التأليف بين القديم والجديد.

نعتقد أن الثورة التونسية منهكة بثالوث السُلفة ونعني به إدخال الدولة في أتون الإقراض الداخلي والخارجي، السِّلفي ونعني به هذا الاهتمام المبالغ فيه بالذات وأخيرا السَلفي ونقصد به كل تعلق مرضي بالماضي وعدم القدرة على التجاوز نحو المستقبل. يمكن لهذا الثالوث إذن أن يكون الثالوث المعطل لطموحات ثورة تريد أن تحقق أهدافها التي أتت من أجلها.

نحن إذن أمام جمهورية السُّلفة وهي جمهورية لا تشبع من الذهاب إلى الأسواق المالية الدولية بحثا عن قروض تسدّد بها احتياجاتها. ولكن هذه الاحتياجات ليست تنمويّة بل هي احتياجات الرواتب والمصاربف العالقة. وتشي هذه الوضعية المأزومة بعدم قدرة من حكموا منذ تسع سنوات على الإتيان بمنوال تنموي جديد. ولم تستطع الحكومات المتعاقبة إبداع نموذج قادر على خلق الثروة لأنها بقيت أسيرة نموذج تقليدي في تصريف شؤون الدولة دون أن يكون لها من الابداع ومن الجرأة على رفع تحديات تكون بوصلة عقد اجتماعي جديد، إذ لا يمكن لثورة تريد أن تحقق أهدافها أن تبقي على نفس التعاقد الاجتماعي دون تغيير ودون مساءلة على الأقل. سياسة الهروب إلى الأمام هي السلوك الطاغي على كل من مارس الحكم منذ تسع سنوات. هل هناك نقاش جدي حول إعادة النظر في نهم الذهاب إلى المؤسسات المالية الدولية؟ لا يوجد بالطبع في غياب براديقم جديد يكون مدخلا لشكل من التعاقد الاجتماعي المختلف.

نحن أيضا أمام جمهورية السِّلفي، أي ذلك النهم الذي ينتاب الأفراد بحثا عن ذواتهم عبر الصور التي يلتقطونها بهواتفهم. تكشف هذه الممارسة المعمّمة عن قلق فردي وعن اهتمام بالذات وعن بحث متواصل عن الطريق السلم لبناء هوية. الكل يبحث عن نرجسية ويريد أن يراها تفاعلا عند الآخرين. نرجسية الفوارق الصغرى التي حدثنا عنها « فرويد» منذ بداية القرن العشرين تعود بقوة لتجعلنا نعيد النظر في الاختلافات بين الناس التي لم تعد بالضرورة اختلافات ماكرو سوسيولوجية بل أضحت اختلافات بين الأفراد في علاقتهم بمجتمع الفرجة وبضغوطاته المريرة في حياتهم اليومية. ولكن لماذا أنهك السِّلفي كثقافة وكذهنية ثورة 2011؟ لقد أنهكها في نزوع الأفراد نحو ذواتهم بعيدا عن الاهتمامات والانشغالات الجماعية، أنهكها أيضا في عدم قدرة ثقافة الثورة على استيعاب أن واقع الأفراد قد تغير وأن مؤسسات المرافقة الاجتماعية تحتاج إلى فهم التحولات التي طرأت على نظرة الأفراد لذواتهم. إن السِلفي إذ هو ممارسة نرجسية ما هو إلا مؤشر على أن الفرد أصبح حجر الزاوية في كل تغيير مجتمعي وأننا دخلنا فيما يمكن تسميته بمجتمع الأفراد الفرد فيه متمركز حول ذاته وهو ينظر إلى المجتمع. هل استوعبت الثورة هذا الدرس السوسيولوجي؟ لا أعتقد ذلك ونحن نحتفل بذكرى مرور تسع سنوات على حدوثها.

هل هي جمهورية سَلفِيّة؟
نعم أعتقد ذلك أن السَلفِيّةُ سَلِفيات منها ما هو ديني ومنها ما هو حداثي أيضا. لا يمكن إنكار أن التشدد الديني وما أعطاه من نزوع بعض الشباب التونسي نحو الإرهاب قد ألقى بظلاله على التسع سنوات الأخيرة بالرغم من أن الظاهرة قد برزت قبل ذلك. ما يهمنا هو أن هذا الشباب المتشدد دينيا والمنخرط في الإرهاب قد بنى علاقته بالماضي التليد للأمة الإسلامية على أنها علاقة وجود لا يمكن التنصل منها. فالماضي السلفي حاضر بقوة في أذهان هؤلاء الشباب ويريدونه بوصلتهم الثورية ونموذجهم المجتمعي. ولكن ماذا عن السَلفية الحداثية؟ هل يمكن أن يكون الحداثيون سَلفِيين؟

من الوارد جدا أن يكون بعض الحداثيين سَلفِيين في مقاربتهم للأشياء عندما يستدعون المعارك القديمة التي عاشوها في سياقات مختلفة وبأسئلة ذاك الزمن وهم يخوضون معاركهم الحالية. إنهم بذلك قد تعلقوا بالماضي تعلقا مرضيا لا يجعلهم ينظرون إلى الحاضر وإلى المستقبل إلا بعيون ما عاشوه سابقا بخيباتهم وبانتصاراتهم ولهذا لم يقدروا على استيعاب متطلبات اللحظة وشروطها. العلاقة بين الشيخ والمريد وهي علاقة سَلفِيّة بالأساس هي الذهنية التي تقود عديد الزعامات الحداثية داخل أحزابها وداخل مختلف المؤسسات التي تتواجد فيها. ليست السَلَفِيّة الحداثية سوى الوجه الآخر من السلفية الدينية، وهي تعني عدم القدرة على إبداع مقاربات تعطي حلولا للمآزق التي نعيشها.

ومع هذا كلّه تبقى الثورة رغم إنهاكها مجالا للخِصْبِ الديموقراطي الذي هو تعدّد في وجهات النظر وأجيال شابّة تريد أخذ فرصتها في إبداع ما يليق بهذا البلد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا