منبــر: إصلاحات جوهرية ضرورية في قطاع الصحة العمومية

بقلم: د. عبد المجيد المسلمي  طبيب جراح- أستاذ محاضر مبرز ( عضو بحركة تحيا تونس)

يتطلب قطاع الصحة العمومية في تونس إصلاحات جوهرية خلال الفترة القادمة. و دون إنكار ما تم القيام به من إنجازات

هامة في الفترة الأخيرة وخاصة من حيث تدعيم الموارد البشرية أو مشاريع بناء مستشفيات جديدة او تجهيز المستشفيات فإنه -وللأسف- قد تداول على وزارة الصحة عدد كبيرمن الوزراء : 9 وزراء في 9 سنوات. بحيث لم يتجاوز معدل بقاء الوزير في الوزارة مدة السنة مما لم يمكنهم من القيام بإصلاحات جوهرية. وفي الوقت الذي تتوجه البلاد نحو عهدة نيابية جديدة فإنه من الضروري التفكير في حزمة من الإصلاحات تمكن من تحقيق قفزة نوعية لقطاع الصحة العمومية في السنوات القادمة.

• توفير أطباء الإختصاص
في الجهات الداخلية
من النقائص الجوهرية في القطاع الصحي العمومي النقص الفادح في أطباء الاختصاص في الجهات الداخلية مما يحرم المواطنين من خدمات صحية أساسية و ضرورية. وهذا النقص أصبح يشمل أيضا مستشفيات المدن الساحلية بفعل المغادرة إلى القطاع الخاص أو الهجرة إلى خارج حدود الوطن. هنالك حاليا آليتان لا نعتقد انهما قادرتان على تجاوز هذا النقص الخطير. الآلية الاولى هي الخدمة العسكرية الإجبارية للأطباء بعد التخرج. ونعتبر إن هذه الآلية غير عادلة وتمييزية لأنها تنطبق فقط على الأطباء نساء ورجالا دون المهن الاخرى. وهي أيضا غير كافية لحل هذه المعضلة إذ أن النقص في أطباء الاختصاص في الجهات الداخلية لازال فادحا. الالية الثانية هي الحصص المستمرة لبعض الاختصاصات الحيوية و في بعض المستشفيات و التي أقرها سعيد العايدي منذ 2015 و بمقابل سخي جدا لا يتناسب مع الأجور في الوظيفة العمومية ( 600 ديتار لحصة عمل بـ24 ساعة). و قد تم اعتماد هذا الإجراء انذاك إلى حين إيجاد حل جذري للمعضلة. و لكن تبين أنه من صنف المؤقت الذي يستمر le provisoire qui dure وان الحل الحقيقي مازال ينتظر. صحيح أنه و منذ سنة 2017 تم إقرار «كوتا» من المقيمين في الطب ( الذي يسصبحون أطباء مختصين) لفائدة الجهات الداخلية و نظريا يمكن فعلا حل هذه المعضلة. ولكن لن يتم ذلك قبل سنة 2022 - 2023 تاريخ تخرج الدفعة الأولى. كما أن هذا الحل يبقى نظريا. لأن التزام الاطباء (و قد أمضوا على ذلك) بالعمل في الجهات الداخلية يبقى نظريا. ففي السنوات السابقة كثيرا ما أمضى الأطباء على مثل هذه الالتزامات ولكن لم يتم الإيفاء بها. و يبقى عدد الإختصاصات المعنية بهذا الإجراء محدودا في حين يحتاج مواطنو الجهات الداخلية إلى جميع الإختصاصات الطبية شأنهم شأن سائر المواطنين في الجهات الساحلية.
لا زلنا نعتقد بأن العمل الوجوبي في الجهات الداخلية للأطباء المختصين المتخرجين حديثا و لمدة سنتين هو الحل الأمثل لحل هذه المعضلة الجوهرية في قطاع الصحة العمومية. و خلال تلك المدة يتحصلون على أجورهم كاملة. و هذا يتطلب مبادرة تشريعية تكون ملزمة للجميع. ففي الجزائر مثلا يجبر الأطباء المختصون على العمل وجوبا في المستشفيات العمومية سنة واحدة في المناطق البعيد جدا و سنتين في المناطق الأقل بعدا و 3 سنوات في المستشفيات القريبة. بعد ذلك يصبحون أحرار في النشاط في القطاع الخاص او العمل خارج البلاد.

• إلحاق أصحاب بطاقات العلاج المجاني بالصندوق الوطني للتأمين على المرض
من غير المعقول أن يكون في بلادنا صنفان من المواطنين : حوالي 8 ملايين من المواطنين منضوون في الصندوق الوطني للتأمين على المرض ( و هي مؤسسة تأمين وطنية ضخمة توفر جملة من المنافع في المجال الصحي) و حوالي 3 ملايين ( من الشرائح الفقيرة) ينتفعون بخدمات العلاج المجاني فقط في المستشفيات العمومية دون أن يكونوا منخرطين في «الكنام» . هاتان المنظومتان علاوة على أنهما تمييزيتان بين المواطنين فإن لهما نتائج سلبية على ميزانيات المستشفيات. فمن الصعب تحديد الحاجيات الحقيقية والمصاريف الفعلية خلال علاج هذا الصنف من المرضى في المستشفيات.
نعتقد أنه من الأصلح انخراط جميع المواطنين دون تمييز في الصندوق الوطني للتأمين على المرض لتحقيق التغطية الصحية الشاملة couverture médicale universelle و هي إحدى التوصيات الأساسية للمنظمة العالمية للصحة و التي صادقت عليها بلادنا.
هكذا يصبح الصندوق الوطني للتأمين على المرض المؤمن الأساسي لقطاع الصحة ( العمومي والخاص) و يعاضد جهود الدولة التي تتجه أكثر فأكثر إلى الإعتناء بالبنية الأساسية و التجهيزات الثقيلة وسن القوانين والتشريعات لتنظيم القطاع و تعديله.

• مراجعة جذرية لمنظومة مراكز الصحة الأساسية
من المكاسب الإستراتيجية الصحية في بلادنا وجود المنظومة الصحية التي يطلق عليها الخط الأول ( تعبير عسكري يرمز إلى مقاومة الأمراض) و قوامها ما يقارب عن 2000 مركز صحة أساسية (مستوصفات) و التابعة لوزارة الصحة العمومية. ومن المكاسب ايضا وجود «خط أول» أخر ينتمي للقطاع الخاص مشكل من ألاف العيادات الطبية (طب عام) و من الصيدليات الخاصة الموجودة تقريبا بكل شبر من البلاد. هذان الخطان المتوازيان هما للأسف متباعدان لا يلتقيان إلا قليلا. و للأسف يمكن القول بدون مبالغة أن كلا من هذين الخطين (العام والخاص) يعيش مشاكله الخاصة وحالته ليست على أحسن ما يرام. إنه تبذير و إهدار للموارد في بلاد مواردها محدودة. من الضروري في المستقبل أن يقع التعاون لا بل التشبيك بين الخطين ليعملا بتجانس و تكامل. ففي مركز الصحة الأساسية الذي لا يمتلك صيدلية بإمكان المريض أن يقتني أدويته من الصيدلية الخاصة الموجودة بالقرية أو بالحي و«الكنام» هي التي يقوم باسترجاع المصاريف. و في حال تغيب أو عدم وجود طبيب للصحة العمومية او عدم وجود مركز للصحة الاساسية بإمكان المريض أن يعالج في العيادة الخاصة للطبيب و تتكفل «الكنام» بخلاص أجر الطبيب.

• الأطباء على رأس إدارة المستشفيات العمومية
من المشاكل التي يعيشها القطاع الصحي مشاكل التصرف و الحوكمة. و ربما تمثل المستشفيات التونسية استثناء إذ أن الذين يسيرونها إداريون والعديد منهم لا يفقه أي شيء ( على الأقل في البداية) من مشاكل المستشفيات و قطاع الصحة بصورة عامة. وهذا النظام منسوخ عن النظام الفرنسي (إداريون يسيرون المستشفيات) في حين أن الأطباء في عديد البلدان الأوروبية هم الذين يسيرون المستشفيات. وقد ضاق الفرنسيون ذرعا هم أيضا بهذه المنظومة و الحال أن ديون المستشفيات الفرنسية بلغت 30 ألف مليار أورو مما يفند مقولة أن حسن التسيير و التدبير مقتصر على الإداريين و المختصين في المالية. و الغريب أن القانون التونسي يجبر المصحة الخاصة على تسييرها من طرف طبيب و لكن لا نجد نفس القانون في المستشفيات العمومية. فالمؤسسة الصحية مهما كان حجمها (جامعي- جهوي- محلي) هي مؤسسة مختصة من الضروري أن يسيرها مختص في الميدان ( أطباء) و يساعده في ذلك فنيون في أختصاصات الإدارة و المالية و الحوكمة...

• إنشاء كليات طب و صيدلة
في الجهات الداخلية
مازالت بلادنا بحاجة إلى مزيد تكوين الأطباء لتلبية الحاجيات الداخلية و الخارجية خاصة و أن هنالك إقبالا متزايدا من جميع أنحاء العالم على الأطباء التونسيين. إضافة إلى أنه من الضروري في العشرة سنوات القادمة مضاعفة عدد الأطباء التونسيين لنبلغ هدف المنظمة العالمية للصحة : طبيب لكل 500 ساكن في حين ان المعدل الحالي هو طبيب لكل ألف ساكن. من جهة أخرى فإن بلادنا بإمكانها أن تصبح منصة إقليمية لتكوين الاطباء عبر استقطاب الطلبة الأفارقة أو من بلدان أخرى حيث يجدون في بلادنا ظروفا أحسن من ظروف أوروبا للدراسة والتكوين.
لا شك أن الجهات الداخلية لم تكن محظوظة في نصف القرن الماضي حيث تم تركيز كليات الطب والصيدلة في المدن الساحلية. و تشير كل الدراسات أن إنشاء مؤسسات تدريس و تكوين تمثل أحدى الوسائل الأنجع لتطوير مدينة أو جهة معينة. تذكيرا بأن أغلب المعتمديات و القرى التونسية في الستينات تشكلت حول المدارس والمعاهد الثانوية.

لذلك نعتبر أنه من الضروري في السنوات القادمة إنشاء كليتي طب و كلية صيدلة و كلية طب أسنان وتكون مقراتها في المدن الداخلية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا