برج بابل: العنف من منظور ملهى ليلي

ليس نكاية في الملاهي الليلية وإنما محاولة لفهم ما يحدث من عنف يسميه البعض بالمجاني وما هو بمجاني. لهو الليل جزء من نشاط بشري قديم،

هو أحد عناوين المدن وأزمنتها، وفضاءات اللّهو الليلي هي أيضا فضاءات للعنف بكل أنواعه كما كل المؤسسات الأخرى، كالمدرسة والمستشفى والمنزل والسجن والمقهى والأمثلة عديدة وهي كذلك فضاءات منتجة للتفاوت الاجتماعي بما أنها غير متاحة بسهولة للشباب من ناحية الولوج إلى عالم الترفيه الذي أصبح الآن من علامات جودة الحياة. إلا أن العنف -وهو جزء من التركيبة البشرية- لا يمكن إلا إدانته والعمل على التقليص من منسوبه واستيعابه عبر قنوات مؤهلة لذلك ولا يمكن القضاء عليه كليا لأنه بذلك يعني نهاية الحياة البشرية.

عشنا طيلة الأسبوع الماضي على وقع مقتل الشاب آدم في ملهى ليلي بالعاصمة. ومثّل الحدث فرصة للتساؤل حول ما يحدث لنا وحول أزمتنا المجتمعية الشاملة وحول السهولة في تحويل خصام بسيط إلى جريمة قتل روح بشرية. وهنا مكمن الاستغراب والإدانة. كيف يمكن أن يقتل شاب في مقتبل العمر وهو يحتفل بعيد ميلاده بهذه المجانية وبهذا البرود السريالي؟

هل العنف مجاني إلى هذه الدرجة؟ لا أعتقد في وجود عنف مجاني. لكل عنف أسبابه وسياقاته وأشكاله ودوافعه، والمجانية هي صفة من صفات الإدانة لا غير. ولكن لماذا تتحول خصومة عادية في مقهى أو في أي مكان آخر إلى جريمة قتل؟ لمَ تحولت المسافة بين الخصومة التي تبدو عادية وفعل القتل إلى مسافة محدودة في الزمن وسريعة في اتخاذ القرار بالذهاب مباشرة إلى الجريمة؟ إننا نصل إلى فعل القتل إثر خصومة ما بسرعة فائقة.

ما كان يعتبر تافها لم يعد كذلك. كل الأشياء ذات قيمة الآن. نحن إذن أمام تحولات عميقة في الحدود بين التافه وغير التافه وهي تحولات مجتمعية وتحولات في العلاقات بين الأفراد، فالحدود بين المقولتين أصبحت حدودا رخوة مثلما هي الحدود بين الخاص والعام وبين المعقول واللامعقول وبين الممنوع وغير الممنوع. هذه تأثيرات العولمة التي أعادت تشكيل عوالمنا بطريقة سائلة وبطريقة يكون فيها العبور بين الأشياء أكثر يُسرا وأكثر تداولا.

نعتقد أن ما حصل في الملهى الليلي والذي يمكن أن يحصل في أي مكان آخر مرتبط بفردانية نعيشها الآن وهي فردانية في جزء منها مأزومة غير قادرة على استيعاب ما يحصل. وهي فردانية هشة متمركزة حول ذاتها ومهووسة بها وغير قادرة على تحمل مشاق أن يكون الفرد مستقلا، واثقا من نفسه ومسؤولا على اختياراته ومشاريعه في الحياة. تصبح هذه الفردانية وهي في هذه الحالة غير قادرة على التفريق بين الأشياء إلى الدرجة التي تصبح فيها كلمة أو حركة عابرة وغير مستساغة مصدرا لعنف دام. وهنا تستوقفنا مقولة الإهانة وهي مقولة رمزية تدور حولها مجمل العلاقات بين الأفراد. والإهانة هي الحط من قيمة الذات البشرية التي انتفخ حجمها في العقود الأخيرة عندما أصبح الفرد متخلصا من كل أنواع المنظومات ومتطاولا عليها عندما شعر بأنها غير قادرة على تلبية حاجياته. فالصراع الجديد الذي عوض الصراعات القديمة هو الصراع من أجل كسب الاعتراف، والإهانة هي فقدان هذا الاعتراف الذي يبحث عنه الفرد بكل الأساليب والساعي إلى حمايته من كل سوء ومن كل خدش ممكن في خضم العلاقات المعقدة بين الأفراد وفي خضم التنافس الكبير حول إعلاء الذات والذهاب بها في كل الاتجاهات والتي يسميها «فرويد» «نرجسيات الفوارق الصغرى».

فالشرف الفردي أصبح أكثر قيمة وأكثر حرجا من الشرف الجماعي وعلى الفرد أن يثبت لنفسه وللآخرين قدرته في الذود على هذا الشرف الفردي وإبعاد الإهانة عنه في سياق لا يمكن التسامح فيه وهنا مكمن معاناته وألمه. فالحصول على الاعتراف هو إحدى مكونات هوية الفرد في سياق تنافسي على كسب المعنى. وإذ تقع جريمة القتل هذه في فضاء ملهى ليلي فلأن هذا الفضاء فضاء حاضن بامتياز لمقولتي الاعتراف والإهانة فهما متجاوران ومتلاصقان كما الزبائن متجاورون ومتلاصقون بحيث تكون الحدود بين المقولتين وبين الأفراد لزجة وفي لزوجتها تظهر الخلافات التي يمكن أن تتحول في لحظة إلى جريمة.

إن فضاء الملهى الليلي من الفضاءات الاجتماعية التي يقيس من خلالها الأفراد مكانتهم ويختبرون بشكل متواصل فردانيتهم ومدى نجاحهم في صيانتها، إذ لا يجب خسارة الواجهة وكل الاستراتيجيات تصبح مشروعة للحفظ على هذه الواجهة. وتتم الصيانة أيضا عبر فعل اللامبالاة أمام كل أنواع العنف، فالحاضرون في مسرح العنف لا يبدون غير الفرجة أمام ما يحدث وسلوكهم هذا نابع من فردانية سالبة لا تفكر إلا في نفسها وغير معنية بفردانيات الأخرين وما يحصل لها.

ولكن في مواجهة هذه الفردانيات المتعبة هناك حالة وعي جماعي بالتنديد بالعنف في كل أشكاله. هناك التظاهرات وهناك المسيرات وهناك الحركات التي تريد إيقاف نزيف العنف الموجه ضد المرأة وضد الأطفال وضد كل الفئات الهشة في المجتمع. هناك وعي إذن بأن ما كان في السابق مدرجا خارج دائرة العنف أصبح اليوم في صلب الحركة الاجتماعية التي تدعو إلى مواجهة الأشكال الجديدة من العنف، وأدرجت ضمن هذه الدوائر الأقليات بأصنافها العديدة وأُدرج المناخ والبيئة أيضا ضمن المجالات التي يجب حمايتها من عنف البشر وهذا في حدّ ذاته مكسب في الطريق نحو احترام منظومة حقوق الإنسان من أجل العيش المشترك.

نحن نتقدّم بخطى واثقة في سبيل مناهضة العنف، والحركة المدنية في تونس وفي العالم تسعى إلى فك طوق الصمت واللامبالاة حول ظواهر عنف مستمرة. وبالرغم من تزايد منسوب العنف والذي يساهم الإعلام والمجتمع المدني في إبرازه فإن مؤسسات البحث العلمي أمام تحدي تفكيك الظاهرة و فهمها في العمق من أجل تقديم مقترحات حلول للتعامل مع ظواهر العنف المختلفة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا