برج بابل: عود الكبريت: من بغداد إلى سانتياغو

مرورا ببيروت والجزائر وبرشلونة وقبل ذلك بهونغ كونغ والخرطوم، شعوب بأكملها تحتل الفضاء العام غاضبة وناقمة على أنظمة

وعلى سياسات وعلى وضع لم يعد يطاق. لكل بلد أسبابه وسياقاته، ولكن الفساد في عناوينه المختلفة هو الدافع الأبرز لهذا الشعور بالسخط العام. المؤشر الأبرز في كل هذه الانتفاضات هو مدنيّتها وسلميّتها وخلوّها من خلفيات إيديولوجية. لا توجد وراءها أجندات مركبة لأن مطالبها واقعية. الجزائريون لم يعودوا يحتملون نظاما سياسيا يتحكم في الريع النفطي بطريقة بائسة. واللبنانيون لم يعودوا قابلين للمنظومة الطائفية التي سلبتهم مواطنيتهم علاوة على الفساد الذي أصبح عنوانا لهذه المنظومة وعود الكبريت الذي أشعل أيامهم هو الترفيع في الضريبة على الواتساب لشعب يعيش على التواصل أكثر مما يعيش على الخبز. والشيليون في سنتياغو لم يعجبهم الترفيع في أسعار تذاكر الميترو فانتفضوا. أما العراقيون في بغداد وفي المدن فلم يعد بإمكانهم تحمل فائض الفساد الذي أفرغ جيوبهم وأشعرهم بإهانة من يتسول في بلد يطفح بالنفط والغاز. والمواطنون في هونغ كونغ كما في برشلونة يريدون التخلص من هيمنة سياسية لقوى لم يختاروها.

ولكن وفي ظل هذه الانتفاضات الشعبية تظل المسألة الاجتماعية محور أغلبها وإن بتصورات مغايرة وبمقولات مختلفة. وتعني المسألة الاجتماعية هنا القضايا التي ترتبط بالتشغيل وبالبطالة وبهشاشة العمل وبقضايا الإدماج الاجتماعي ومقاومة الفقر والسياسات المعتمدة في ذلك علاوة على كل ما يرتبط بالخدمات العمومية التي توفرها الدولة من صحة وتعليم ونقل وما تنتجه من أشكال للتفاوت بين المواطنين مؤلمة ومهينة إضافة إلى السياسات الحمائية للدولة ومرافقة الشباب والإحاطة بهم. تدير أنظمة حاكمة كل هذه الترسانة من الخدمات بحوكمة فاسدة في أغلبها.

المسألة الاجتماعية بمجالاتها المختلفة وكما يعيشها الناس حاليا لم تعد المجال التقليدي لتدخل النقابات والأحزاب السياسية، المسافة بين المسألة الاجتماعية وهذه المؤسسات تتسع مع الأيام. هذه مؤسسات لم يعد لها ما تقدمه فعليا، لقد تراجع دورها مع ثورة الاتصالات الجديدة، إذ هي الآن غير قادرة على التأقلم مع التحولات العالمية وهي تحولات طرأت مع تغير مفهوم العمل وتراجع التجمعات العمالية الكبرى وهشاشة المؤسسات الصغرى والمتوسطة والتسريح القسري للعمال ومع هذا نضيف انحسار مفهوم الطبقة العاملة وتراجع الرأسمال الصناعي لفائدة الرأسمال المالي وسيطرة قطاع الخدمات على الاقتصاد العالمي وتجذر ثقافة الاستهلاك التي اخترقت كل الفئات الاجتماعية دون أن ننسى غياب الأشكال الديموقراطية للتسيير. كل هذه المعطيات جعلت النقابات في العالم تفقد أحقيتها في المسألة الاجتماعية. فقدت النقابات عموما إدارتها للمسألة الاجتماعية مثلما فقدت الأحزاب أيضا نفس أحقية التعامل مع نفس المسألة. في السودان مثلا شهدنا بروز ظاهرة تجمع المهنيين وهي مجموعة ضغط متكونة من مهندسين وأطباء وصيادلة وصحفيين ومعلمين وبياطرة، هؤلاء جميعا لم يكونوا تجمعا نقابيا عماليا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. تولت مجموعة الضغط هذه تأطير التحركات الشعبية وإعطائها المعنى الذي تستحق وهي التي ذهبت بالمسألة الاجتماعية إلى مبتغاها أي إلى أن تكون على محك الديموقراطية. فقدت النقابات في أغلب دول العالم قاعدتها وتقلص عدد منخرطيها وهناك من يتوقع نهايتها.

على غرار ذلك ابتعدت الأحزاب السياسية هي الأخرى عن المسألة الاجتماعية ولم تعد قادرة كما كانت طيلة القرن الماضي على جعلها عنوانا لوجودها ولنضالاتها وانفرط عقدها مع النقابات. تغيرت أجندات الأحزاب السياسية وبدأنا نشهد تحالفات جديدة بين الطبقة السياسية والطبقة المالية. لقد عوضت جماعات الضغط المالية التحالف الاستراتيجي الذي كان سائدا طيلة القرن العشرين بين الأحزاب والنقابات وخصوصا تلك الأحزاب التي جعلت من المسألة الاجتماعية عنوان هويتها. تتداخل اليوم مجموعات الضغط المالية مع الأحزاب السياسية بشكل واضح، بل أن هذه الجماعات المالية تستخدم الأحزاب السياسية لفائدتها وذلك شكل من أشكال ممارسة السلطة بطرق مغايرة. وبالرغم من أن الأحزاب السياسية هي إحدى مكونات المشهد الديموقراطي إلا أنها لم تستطع إغراء المهتمين بالشأن العام. وفي وضعية مشابهة للنقابات تقلص عدد المنخرطين في الأحزاب السياسية وخصوصا الشباب منهم.

عندما نقف عند الواتساب أو تذكرة المترو كعيدان كبريت ألهبت شوارع بيروت وسانتياغو فإننا نجد أنفسنا أمام تحول ذي قيمة عالية شهدته المسألة الاجتماعية. الميكرو-اجتماعي يتسرب تدريجيا ليعوض القضايا الكبرى التي كانت تدفع بالناس إلى الانتفاض. تقترب المسالة الاجتماعية نحو الفرد وتقترب أكثر فأكثر من انشغالاته الخاصة ومن الآلام التي تنغص عليه حياته، وتقترب أيضا من كل أصناف الاهانات التي يمكن لهذا الفرد ان يعيشها خلال مسار وجوده. نحن إذن أمام بوصلة جديدة للمسألة الاجتماعية التي أدرجت في سياقها فاعلين لم يكونوا موجودين من قبل كالأقليات بجميع أنواعها والمدافعين عن البيئة التي أصبحت هي الأخرى عنوانا للفوارق الاجتماعية بين الأفراد، وكذلك الشباب الذي يطمح إلى مزيد الاندماج في محيطه وإلى تحقيق نجاحات فردية تعطي معنى لوجوده. هناك إذن فردنة للمسألة الاجتماعية بمقتضاها أصبحت المشكلات الاجتماعية تعاش على أنها إخفاقات شخصية، فيكون الخلاص فرديا في هذه الحالة و هو ما يضع المؤسسات المرافقة للمسألة الاجتماعية ومن بينها الدولة أمام تحديات جديدة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا