الفوز لمن عرف كيف يستعمل الكلمات المناسبة

نتائج الانتخابات الرئاسية بليغة المعنى وما أفضت إليه من تغيير للخارطة السياسية. وإن كان لنا تقديم عنوان

يلخص ما جرى، فإنه لن يكون سوى عنوان: «القطيعة». كيف كانت القطيعة ومع ماذا حصلت وما الذي جرى بالتحديد؟ هل هي قطيعة كاملة أو هي نصف قطيعة؟ هذه بعض الأسئلة التي يجب طرحها لكي نفهم ما جرى.

الدرس الأول: كانت النتائج معلومة تقريبا منذ أكثر من شهر واستطلاعات الرأي التي أثبتت مرة أخرى جديتها أكدت ما حصل بالأمس وبالتالي لا يمكن أن نتحدث عن زلزال وكأن الأمر مفاجأة مدوية.

الدرس الثاني: هو القطيعة مع المنظومة السياسية السائدة بخطابها وممارساتها وشخصياتها التي أثبتت منذ أكثر من ثماني سنوات عدم قدرتها على أن تكون في مستوى التطلعات.

الدرس الثالث: هو أن هذه النتائج قد أرجعت قيما إنسانية فقدت في المرحلة الأخيرة وهي قيم التواضع والبساطة والجدية وتحمل المسؤولية والابتعاد عن السلوك الانتهازي في مظاهره المتعددة إضافة إلى نوع من التعفف والنقاوة الثورية التي يبحث عنها العديد من الذين لازالوا يؤمنون بالثورة مع شعور بالقهر. وقد مثل هذه القيم المترشح قيس سعيد مما يعني ان النتائج كانت تبحث عن مردود ثقافي قيمي بعناوين اقتصادية.

الدرس الرابع: إن الإيغال في الاتصال والتواصل يقتل التواصل ويجعل المتقبل أكثر اشمئزازا وقرفا من ظهور يعرف جيدا أنه كاذب، فالتأثير على المتقبل ليس عملية آلية بل هو تفاوض مستمر بينه وبين الباث الذي كان تقليديا في خطاباته وفي طرق ظهوره. التأثير ترك مكانه للإقناع هذه المرة. والصمت انتصر على الكلام والزهد في الظهور. وعلى نظريات الاتصال والتواصل ان تراجع بعض براديقماتها.

الدرس الخامس: لا يمكن في كل الأحوال للمال السياسي الفاسد أن يصنع انتصارا انتخابيا ولا يمكن للأموال الطائلة أن تشتري ذمم الناخبين ولا يمكن للمقهورين إلا ان ينتقموا من الظهور المستفز لبعض المترشحين واستعراضهم لحياتهم الخاصة في تعد صارخ على وضعهم الصعب. لقد صنعت نرجسيات الفوارق الصغرى الفارق.

الدرس السادس: لم تجد ثقافة الانتهازية السياسية مكانا لها في هذه الانتخابات أو على الأقل في جزء من نتائجها. وعوقبت الطبقة السياسية التي تتحرك في كل الاتجاهات بحثا عن الغنائم المادية والرمزية. وقد يقطع المترشح قيس سعيد إذا وصل إلى رئاسة الجمهورية السبيل امام هذا الصنف من السياسيين ويرسي ثقافة المسؤولية والانضباط والالتزام بنواميس الدولة. لقد تم شتم الدولة في وضعيتها الحالية ووقع تذكيرها وبشكل جدي بضرورة أن تغير من أساليب حوكمتها. وهو أيضا شتم الدولة وبطريقته عندما رفض قبول تمويل حملته من المال العام.

الدرس السابع: الشباب هو الخزان الانتخابي للمترشح قيس سعيد وهو على الأغلب من الشباب الجامعي والمتعلم والذي يرى في مرشحه تجسيدا لقطيعة مع المنظومة الحالية بأخلاق سياسية جديدة. وهو الشباب الذي تولى القيام بالحملة الانتخابية في تحمل واضح للمسؤولية دون أن يكون ذلك من صنف الزبونية الانتخابية التي تعتمدها الأحزاب السياسية في حملاتها الانتخابية. هناك نوع من الالتزام الشبابي الذي تحركه جملة مبادئ وقناعات ولا ننسى أن الشعار الانتخابي لقيس سعيد هو «الشعب يريد» في إشارة وتذكير واضح بشعارات الثورة. هناك رغبة في استعادة الثورة بعد أن رأى صنف من الشباب أنها سرقت منه بطريقة أو بأخرى. وهو شباب تصرف بمنطق المريد المعجب أيما إعجاب بشيخ يحمل مشروعا للتغيير وفق نظرهم.

الدرس الثامن: النساء جزء مهم من العملية الانتخابية، وفي المعطيات التي قدمت حول النتائج نرى أن الخزان الانتخابي للمترشح قيس سعيد من النساء مختلف عن الخزان الذي فصل الأمور في انتخابات 2014. نساء المترشح قيس سعيد هن من النساء المحافظات المتعلمات ونصف المتعلمات اللواتي يرين فيه مترشحا على قدر عال من الصرامة والتحلي بالمسؤولية والذي حدد موقفه من مسألة التساوي في الميراث مثلا. هن أيضا نساء من أعمار متوسطة وشابة يردن القطع مع نوع من تسيب الدولة والسياسيين ويرغبن في نوع من الأمان الذي تضمنه المؤسسات. إنهن يمثلن كتلة مجتمعية جديدة ربما كانت مشتتة في انتخابات سابقة ولكنها تمكنت من فرض رؤيتها. ولكن نساء المترشح نبيل القروي مختلفات في التصور وفي البروفايل. هن أساسا من كبار السن وغير المتعلمات اللواتي تنقسم مشاعرهن بين عطف نبيل القروي والعطف عليه في وضعيته الجديدة.

الدرس التاسع: فيما يتعلق بالنساء الحداثيات اللواتي كن فاصلات في انتخابات 2014 فإنهن خسرن المعركة الانتخابية لأنه لم يكن هناك مترشح بعينه حمل معه مشروع المساواة مثلا. أغلب المترشحين من العائلة الوسطية الحداثية تهربوا وبشكل واضح من التشبث بمسألة الميراث خوفا من العقاب الانتخابي، وهذه انتهازية سياسية للبعض كلفتهم غاليا فلا هم قد احترموا مبادئهم ولا هم ربحوا الرهان الانتخابي. الحركة النسوية الديموقراطية الحداثية أو كما تصف نفسها مدعوة لإعادة النظر في براديقماتها وفي طرق عملها لا أن تتجه نحو رفض ما هو حاصل بطريقة عدمية.

الدرس العاشر: ينطبق نفس الحال على اليسار التونسي الذي لم يصل مرشحوه الثلاثة إلى معادلة الأصوات التي تحصل عليها أحد المترشحين الذي يمثل نقيضهم الإيديولوجي والفكري. التمرين المهم الذي على اليسار أن يقوم به هو إعادة النظر في مكوناته الفكرية والسياسية وفي أدائه السياسي وفي تحويل مقولاته الاجتماعية إلى واقع ملموس.

هناك دروس أخرى عديدة يمكن استخلاصها مما حدث. ما يهمنا إلى هذا الحد هو أن نتائج الانتخابات الرئاسية في دورتها الأولى كانت تفوقا للبراديقم الثقافي الذي يتحرك بمقولات الاعتراف والعاطفة والتقدير والإنصات والنقاوة والبساطة والزهد و التعفف وهي مقولات تطرح نفسها قاطرة لتغيير المشهد السياسي العام، وكان الفوز لمن صاغ لها الكلمات المناسبة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا