تمديد فترة ممارسة القائم بأعمال رئيس الجمهورية وتفادي المسّ من الآجال

بقلم: ناجي البكوش
أستاذ القانون بكلية الحقوق بصفاقس

يتجه مجلس نواب الشعب للتصويت على مشروع قانون لتجاوز الصعوبات العملية التي تجعل احترام الأجل الدستوري الأقصى الذي يتولى خلاله السيد محمد الناصر القائم بأعمال رئيس الجمهورية مهامه أمرا يكاد يكون مستحيلا.

وتهدف الحلول المتداولة إلى إيجاد حلّ «دستوري» لمُعضلة قِصرَ مُدّة الرئاسة المؤقتة التي يستحيل احترامها لأسباب عديدة. ويقتضي أحد الحلول اعتماد تأويل لا يحتسب أيام عطل نهاية الأسبوع مما سيمدد بفضل اعتماد «أيام العمل» في مدة التسعين يوما بحوالي 26 يوما. ويهدف الحلّ الذي يبدو أن الهيئة العليا للانتخابات طالبت به لإضفاء شرعية دستورية على مُمارسة رئيس الجمهورية بعد أجل التسعين يوما «كمُدّة مسترسلة» بداية من تاريخ حصول الشغور الذي أحدثته وفاة الرئيس محمد الباجي قائد السبسي رحمه الله. كما أن مُقترحات نيابية اتجهت إلى اختصار آجال التقاضي في مجال المنازعات الانتخابية المنصوص عليها بالقانون الانتخابي والحال أنها آجال جدّ مُختصرة.

وبقطع النظر عن وجاهة الحلول المقترحة والتي تبتعد بنا عمّا دأبت عليه المنظومة القانونية تشريعا وقضاء وفقها من قراءة للآجال وتعود بنا كذلك إلى الأحكام الاستثنائية المُخلّة بالاستقرار ولو كان نسبيا للقواعد باعتباره من مُقوّمات المؤسسات، فإن سوء صياغة الدستور واختياراته غير الموفقة في بعض المجالات جعلتنا مُضطرين للبحث عن حلول تشريعية لتفادي الفراغ الدستوري الذي سينتج عن التقيّد الحرفي بما تضمنه الفصل 84 من الدستور صراحة من مُدة قُصوى بما أن القائم بمهام رئيس الجمهورية يمارس صلاحياته لمدة «أقصاها تسعون يوما».

ويتجه التأكيد على أن كل الحلول الممكن تصورها لتجاوز مُعضلة أجل التسعين يوما تطرح إشكاليات دستورية لا نحتاج إلى الخوض فيها اليوم بحكم دقة الظرف ولو أن مُعالجتها في الفترة اللاحقة للانتخابات المقبلة ستفرض نفسها لتخليص الدستور وبقية النصوص الدستورية من بعض الشوائب لنتفادى إرباك المؤسسات وإعاقة نشاطها.

وما دُمنا نبحثُ عن حلول فما علينا إلا أن نتجه إلى حلّ لا ينال من قواعد وآجال النزاعات الانتخابية ويحتاط لطوارئ أخرى يُمكن أن تُربك الدولة ومؤسساتها. ويمكن أن نجد لهذا الحل أسسا في الدستور. ويُمكّننا هذا الحل بالخصوص من تفادي فرضية الفقرة الثالثة من الفصل75 من الدستور وهي حالة وفاة أحد المترشحين للدورتين (الدورة الأولى ودورة الإعادة) والتي تُلزم بإعادة فتح باب الترشح وتحديد مواعيد انتخابية جديدة. وفي مثل هذه الحالات لا يصلح الحل المُقترح من قبل السادة النواب أو المقترح التي على ما يبدو تطالب به الهيئة العليا للانتخابات لتجاوز الفراغ الدستوري. كما أن حصول كوارث طبيعية لا قدّر الله أو أحداث أو اعتداءات خطيرة من قبل أعداء الجمهورية والديمقراطية تحول دون احترام آجال الفصل 84 مما سيضع مؤسسة رئاسة الجمهورية في وضع غير سليم خُصوصا وأن الانتخابات التشريعية المُقبلة يمكن في مثل هذه الفرضيات أن تكون غير مكتملة.

ومن وجهة نظرنا فإن الفراغ في رئاسة الجمهورية يمثل اليوم خطرا داهما يستوجب إدراج فصل وحيد ضمن قانون أساسي يصادق عليه المجلس يُمدّدُ فترة ممارسة القائم بأعمال رئيس الجمهورية لغاية تسلّم الرئيس المُنتخب لمهامه بعد أداء القسم أمام مجلس نواب الشعب وذلك على أساس الفقرة الرابعة من الفصل 75 من الدستور. وهذا الحلّ التشريعي يُغني عن تعديل الأحكام المتعلقة بآجال المنازعات الانتخابية المنصوص عليها بالفصل 49 من القانون الانتخابي والتي يمكن أن لا تفي بالهدف المقصود. كما أن تمديد المدة يُغني عن تأويل الآجال المنصوص عليها في الفصل 84 تأويلا مُسقطا وغير متناغم مع المنظومة القانونية. والحلول المعروضة والمتداولة لا تحتاط لوجود خطر مُحتمل الذي قد يُعطل إنجاز الانتخابات لأي سبب من الأسباب والتي يمكن افتعالها لإعادة خلط الأوراق وإجهاض أسبقية الانتخابات الرئاسية على الانتخابات التشريعية. وبذلك يُمكّنُ الحلّ المُقرح من الاحتياط لفرضيات محتملة كوفاة مترشح أو حدوث مكروه يعطل المسار الانتخابي ويستجيب لمقتضيات استمرارية الدولة التي يضمنها رئيس الجمهورية وفقا للفصل 72 من الدستور.

وكشرح لأسباب الأحكام المقترحة ضمن «مشروع» قانون أساسي لتمديد مدة القائم بأعمال رئيس الجمهورية يمكن تقديم ما يلي :
«تفاديا للشغور في منصب رئيس الجمهورية الذي يُمكنُ أن يترتّب عن التقيّد بالآجال المنصوص عليها بالفصل 84 من الدستور واستجابة لمقتضيات استمرارية الدولة وعملا بأحكام الفصل 75 من الدستور يصادق مجلس نواب الشعب على فصل وحيد يتضمن الأحكام التالية»:
«يستمرُّ القائمُ بأعمال رئيس الجمهورية في تاريخ المصادقة على هذا القانون الأساسي في ممارسة صلاحياته وفقا للدستور إلى حين تسلّم الرئيس المنتخب لمهامه».

وكما ذكرنا، تبقى مسألة تعهُّد الدستور والقانون الانتخابي والنظام الداخلي لمجلس نواب الشعب ببعض التعديلات من أوكد الإصلاحات خلال الفترة المقبلة وعندما تتوفر الشروط الملائمة لتخليص المؤسسات والهيئات من الإرباك والفراغات والممارسات العبثية كالتي ظهرت بعد إجراء الانتخابات المحلية خلال سنة 2018 والتي تمثلت بالخصوص في استقالات جماعية متزامنة نتج عنها انحلال المجلس المنتخب في أكثر من بلدية مما استوجب بتنظيم انتخابات سابقة لأوانها.

ويكون من المفيد للنظام السياسي واستقرار مؤسساته التخلّي عن الانتخابات السابقة لأوانها والاستعاضة عنها بآليات ديمقراطية أخرى. كما أن تعطّل العمل التشريعي ينال من مصداقية المؤسسة البرلمانية مما يستدعي تصور حلول دستورية لتجاوز مثل ما شهدنا من تعطل المصادقة على مشاريع القوانين لأسباب غير منطقية مع الاحتياط والحيلولة دون تغوّل السلطة التنفيذية التي يحنّ إليها البعض نظرا لما يمثله هذا التغوّل من خطر على ديمقراطيتنا الناشئة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية