قهوة الأحد// هل دخلنا نهاية الشعبوية اليسارية ؟ مآلات الاتجاهات اليسارية اليوم

هل بدأت اللحظة الشعبوية ذات المنحى اليساري في الأفول ؟ هذا ما تشير إليه اليوم اغلب التوجهات السياسية لا فقط على المستوى العالمي

بل كذلك في بلادنا . ما هي أسباب هذا التراجع وخاصة أسباب أزمات الحركات اليسارية اليوم وعدم قدرتها على أن تكون قوى التغيير في ظل الأزمات الخانقة التي يعيشها النظام العالمي .

ولكن قبل محاولة تقديم بعض الإجابات عن هذه الأسئلة الحارقة سنحاول الوقوف على بعض سمات هذه اللحظة الشعبوية اليسارية في السنوات الفارطة .

وقد انطلقت هذه اللحظة التاريخية اثر الأزمة الاقتصادية العالمية لسنوات 2008 و2009 والتي كادت أن تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي .فلولا تدخل الدول الكبرى في مجموعة العشرين واكبر المؤسسات المالية العالمية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإنقاذ كبريات البنوك العالمية وللخروج من الانكماش لكان المجهول مصير الاقتصاد العالمي ولعشنا أحلك الفترات في التاريخ.

وقد كان لهذه الأزمة نتيجتان هامتان – الأولى تمثلت في انهيار القوى السياسية التقليدية اليمينية واليسارية منها والتي طبقت السياسات الاقتصادية الليبرالية التي قادت العالم إلى هذه الأزمة الأخطر في تاريخ النظام الرأسمالي والتي وضعت الاقتصادات الوطنية على حافة الانهيار .النتيجة الثانية والمهمة هي انهيار الفكر والسياسات النيوليبرالية التي سادت في العالم منذ بداية الثمانينات أمام عجز السياسات الكينزية في بناء عقد اجتماعي جديد. وقد عصفت السياسات النيوليبرالية الجديدة بمقومات السياسات الكينزية والأركان الأساسية لدولة الرفاه .فتراجعت السياسات الاقتصادية عن دور الدولة وفتحت المجال واسعا للسوق لتعديل النظام الرأسمالي .كما عرفت هذه الفترة كذلك تطورا كبيرا للأسواق المالية والتي تجاوزت الحدود الوطنية ومهمتها الأساسية في تمويل الاقتصاد لتصبح مجالا للمضاربة والربح السريع .ساهمت هذه السياسات النيوليبرالية في نحت المشروع المجتمعي والاقتصادي الجديد والذي عمل على بناء العولمة الجديدة وجعلها البديل لازمة المشروع الوطني ودولة الرفاه إلا أن هذا المشروع حمل في أحشائه الكثير من الهشاشة وفتح المجال على مصراعيه للمغامرة والمضاربة ليقود العالم إلى اكبر الأزمات الاقتصادية في التاريخ المعاصر .

كان من نتائج هذه الأزمة المالية العالمية والتي كانت على وشك أن تقود الرأسمالية إلى الثقب الأسود أن فتحت أزمة واسعة لليبرالية السياسية والاقتصادية . فمن الناحية السياسية عرفت القوى السياسية الليبرالية بشقيها اليميني واليساري تراجعا كبيرا. وسيشكل هذا التراجع نقطة انعطاف في تاريخ القوى الليبرالية لتكون بداية تراجعها وسقوطها المدوي في السنوات الأخيرة أمام تصاعد ونمو الحركات الشعبوية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

أما من الناحية الاقتصادية فكانت الأزمة العالمية وراء تراجع وأزمة السياسات النيوليبرالية وعودة الكينزية وإعادة الاعتبار لدور الدولة في الديناميكية الاقتصادية.كما تم التقليص بصورة جذرية في دور السوق ووضع عراقيل وتعديلات كبيرة لعملية تحرير الأسواق وبصفة خاصة الأسواق المالية لوضع حد للجشع الكبير للمضاربين والمتدخلين في الأسواق المالية . لقد كانت الأزمة العالمية وراء تراجع الثقة الكبيرة في مسار العولمة وفي قدرته على تجاوز أزمة دولة الرفاه وفتح الآفاق لتجربة تاريخية جديدة للإنسانية .

كانت لهذه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تداعيات كبيرة على الواقع السياسي فتراجع وأزمة القوى السياسية التقليدية اليمينية منها واليسارية فتحت المجال لبروز قوى سياسية جديدة في اغلب بلدان العالم وهي القوى الشعبوية التي تنتمي لأقصى اليمين منها أو أقصى اليسار والتي ستكون موضوع مقالنا .

فقد شهدت اغلب البلدان الأوروبية ظهور هذه الحركات الشعبوية اليسارية ومنها حركة Syrisa في اليونان والتي انتصرت في الانتخابات وتقود إلى اليوم التحالف الحكومي هناك.ويمكن كذلك أن نشير إلى حركة podemos التي عرفت نموا كبيرا في اسبانيا وكان في مقدورها مشاركة الحزب الاشتراكي في الحكم . إلا أنها رفضت هذا التمشي لتبقى قوة معارضة في البرلمان .

كما يمكن أن نشير كذلك إلى مختلف الحركات الشعبوية في فرنسا والتي توحدت في حركة «فرنسا الرافضة» أو «la France insoumise» والتي كادت أن توصل مرشحها jean Luc Mélenchon إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية في فرنسا . ويمكن أن نشير إلى تجارب عديدة أخرى لنمو هذه الحركات والقوى السياسية مثل الولايات المتحدة الأمريكية . لكنها لم يكن لها نفس النجاح للحركات التي اشرنا إليها .

وقد عرفت بلادنا نفس التطور لهذه الحركات منذ الأشهر الأولى للثورة.وسيكون لعملية توحيد هذه القوى في الجبهة الشعبية ولاغتيال الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي تأثير كبير على إشعاعها لتدخل البرلمان ب15 نائبا اثر انتخابات 2014.

وتلتقي هذه القوى في ثلاث قضايا أساسية ستشكل «مانيفاستو» القوى الشعبوية اليسارية في مختلف أنحاء العالم – المسألة الأولى تهم قراءتها للتحولات الاجتماعية للبلدان الرأسمالية تحت تأثير السياسات النيوليبرالية ونهاية الطبقات الاجتماعية التقليدية . فكانت نتائج هذه السياسات انحسار وتراجع الفوارق الاجتماعية وانقسام المجتمعات الى فئات شعبية ضحية هذه الاختيارات والتي أصبحت تعاني من الفقر والتهميش من جهة والنخب الجديدة التي استفادت من هذه السياسات وازدادت غنى وراكمت ثورات كبيرة.المسالة الثانية التي بنت عليها الحركات الشعبوية برامجها ورؤاها السياسية هي خيانة النخب لمصالح الفئات الشعبية والتفافها حول مصالحها الضيقة لمواصلة تكديس الثروات دون الاهتمام بالصالح العام . أما المسألة الثالثة فتهم قضية التغيير الاجتماعي حيث ترفض الحركات الشعبوية الالتقاء والتحالف مع الأحزاب التقليدية لتضع من الحركات الشعبية والفئات الشعبية الأداة الأساسية والوحيدة للعمل السياسي والتغيير الثوري.

وقد عرفت الحركات الشعبوية اليسارية تطورا كبيرا اثر الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية في كل بلدان العالم لتصبح قوة ضاربة في المشهد السياسي العالمي ولتضع البعض منها على مرمى حجر من السلطة في الكثير من البلدان .

إلا أن هذا المد الكبير بدا يعرف في الأشهر الأخيرة الكثير من الجزر والتراجع حتى ان الكثير من المحللين يشيرون إلى بداية أفول ونهاية الحركات الشعبوية

اليسارية .وقد بدأت مؤشرات هذا التراجع تبرز للعيان في الأشهر الأخيرة .فالانتخابات الأوروبية الأخيرة للبرلمان الأوروبي أشارت الى التراجع الكبير لهذه القوى في الكثير من البلدان . ففي اليونان تراجعت حركة سيريزا الحاكمة لتخسر الموقع الريادي في المشهد السياسي اليوناني أمام تقدم وانتصار الحزب اليميني المحافظ .كما عرفت حركة بودوموس في اسبانيا نفس الشيء حيث انخفض بريقها وتراجع تأثيرها أمام صعود الحزب الاشتراكي.أما في فرنسا فقد أثارت النتائج الضعيفة لحركة «فرنسا الرافضة» وتراجعها الكبير مقارنة بنتائجها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من الجدل والخلافات بين مناضليها وقيادييها .
ولم تقتصر هذه الأزمات والتراجعات على البلدان الأوروبية فقد عرفت بلادنا كذلك نفس هذه الأزمات وأصبحنا نعيش اليوم على وقع الأزمة العاصفة التي تعيشها الجبهة الشعبية حيث وصلت الصراعات إلى مستوى لم نكن نتوقعه من رفاق الأمس .

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم يهم في رأيي أسباب هذا الوهن وهذا الضعف الذي كان وراء أفول وتراجع الحركات الشعبوية ذات المنحى اليساري .وفي رأيي فإن أسباب هذا الوهن والأزمات تكمن في سببين أساسيين – السبب الأول يهم عجزها وعدم قدرتها على بناء برامج سياسية واقتصادية واقعية قادرة على فتح آفاق التغيير الاجتماعي . فبقيت اغلب برامجها يغلب عليها الطابع الايديولوجي و المنحى الطوباوي ولا يمكن لها بالتالي أن تكون الإطار السياسي والاقتصادي للتغيير الاجتماعي . وهذا العجز دفع بعض الحركات وبصفة خاصة حركة سيريزا في اليونان عند وصولها إلى السلطة إلى تطبيق أكثر البرامج التقليدية والمحافظة المسطرة من صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة الأخرى.وكان لهذا العجز تأثير كبير على مخزون ثقة الناس وتراجعها الكبير في الأشهر الأخيرة .

المسالة الثانية والتي تفسر تراجع هذه الحركات تهم تحالفاتها وتكتيكاتها السياسية. فنظرتها السلبية للأحزاب التقليدية والمنظمات الاجتماعية وحركات المجتمع المدني والحركة الديمقراطية بشكل عام دفعتها إلى توخي سياسات واستراتيجيات عزلتها عن الحركة الاجتماعية ولم تساعدها في بناء تحالفات تساهم في حشد اكبر للقوى الاجتماعية في العملية السياسية .

تعيش اليوم الحركات الشعبوية اليسارية أزمة عميقة كانت وراء تراجعها الجماهيري وأفول بريقها وهذا الفراغ الذي تركته هذه القوى فتح المجال على مصراعيه لحركات شعبوية أخرى محافظة ومغامرة قد تلعب دورا أساسيا في تراجع المبادئ التعددية والنظام الديمقراطي بصفة عامة .
إن هذه الأزمات والمخاطر التي تحيط بالنظام الديمقراطي تفتح فترة جديدة ومرحلة مليئة بالتحديات تتطلب إعادة البرامج القادرة على فتح آفاق التغيير وإعادة الأمل في المستقبل 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية