قهوة الأحد: هل للشعبوية مستقبل في بلادنا ؟

أمام الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها كل الديمقراطيات، عرفت اغلب البلدان تطورا كبيرا للحركات الشعبوية

والرافضة للنظام الديمقراطي وأسسه . ولئن نجحت اغلب الديمقراطيات في كبح جماح هذا الغول وإيقاف نموه المخيف والمفزع لسنوات طويلة فقد عجزت في السنوات الأخيرة عن إيقاف تطور الحركات الشعبوية التي نجحت في الوصول إلى السلطة في اعتى الديمقراطيات .

وقد جاءت نتائج الانتخابات الأوروبية البرلمانية الأخيرة في اغلب البلدان الأوروبية لتؤكد هذا المسار التاريخي والتطور الهام للقوى الشعبوية وقوى أقصى اليمين المناهضة والمعادية لمبادئ وأسس النظام الديمقراطي .

وتلتقي الحركات بالرغم من اختلافها وخصوصية المسارات التاريخية لبلدان نشأتها على أربع مسائل أساسية . المسالة الأولى تخص قراءتها للمجتمعات ونهاية الطبقات الاجتماعية التي شكلت القاعدة الأساسية للتنظيم الاجتماعي في المجتمعات الحديثة . فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية انتهت إلى انحسار وتراجع الفوارق الاجتماعية إلى مجموعتين متناقضتين: النخب السياسية والاقتصادية من جهة وعموم الطبقات والفئات الاجتماعية من جهة أخرى وتؤكد الحركات الشعبوية على القطيعة الجذرية بين المجموعتين وانتفاء العلاقة الاجتماعية التي كانت تربط مختلف الفئات الاجتماعية في المجتمعات الحديثة ليحل محلها التجاهل والازدراء واللذين سيولدان الغضب والحقد مع تدهور الأوضاع الاجتماعية وتنامي التهميش والتفاوت الاجتماعي .

المسالة الثانية التي تؤكد عليها الحركات الشعبوية هي خيانة النخب للفئات الشعبية . فتؤكد هذه القراءات والتحاليل على التقاء مصالح النخب الفكرية والسياسية والاقتصادية وابتعادها التدريجي عن الصالح العام أو المشترك الجمعي لمختلف الطبقات الاجتماعية في المجتمعات الديمقراطية .

وهذا التباعد يقود إلى قطيعة بين المجموعتين لتنغلق النخب في إعادة إنتاج نفسها تاركة الفئات الشعبية للفقر والتهميش والاستهزاء والسخرية .

وستكون هذه القطيعة وراء انتهاء مشروعية النخب الديمقراطية وخيانتها للمطالب الشعبية وبالتالي سقوطها التاريخي المدوي لتفتح مرحلة تاريخية جديدة وهي مرحلة الثورات المفتوحة .

المسالة الثالثة والتي تشير إليها الحركات الشعبوية هي نهاية وفشل الديمقراطية التمثيلية في واقع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية . فلئن كانت هذه الديمقراطية وأدواتها وقوانينها الشكل الأساسي لتنظيم الحياة السياسية ولبناء الجامع المشترك بين الفئات والطبقات الاجتماعية فإنها فقدت جاذبيتها وإغراءها لتصبح مسارا مفرغا من محتواه التشاركي . فستشهد الساحة السياسية انصراف الجماهير العريضة وابتعادها وانصرافها عن المشاركة في العمل السياسي والمحطات الانتخابية الديمقراطية ليبقى هذا المجال مقتصرا على النخب .وسيكون لهذه التحولات تأثير كبير على عديد المستويات . فمن ناحية ستفقد الديمقراطية التمثيلية (démocratie représentative) من قدرتها على تنظيم الحياة السياسية وتحديد التوازنات الكبرى التي ستقود النظام السياسي وتبني العقد الاجتماعي . ومن ناحية أخرى ستكون هذه التحولات وراء أزمة العمل السياسي الديمقراطي وإفراغه من محتواه النبيل والذي يسعى لتعبئة المجتمعات من اجل التغيير نحو الأفضل لينحدر إلى بناء سلسلة من العلاقات الزبونية تضمن للنخبة

البقاء في السلطة والمحافظة على مصالحها . وتدعو هذه الحركات إلى الخروج من الديمقراطية التمثيلية والدخول في عصر جديد هو عصر الديمقراطية المباشرة (la démocratie directe)

أما المسالة الرابعة التي تؤكد عليها الحركات الشعبوية فتخص عملية التغيير الاجتماعي وحركة التاريخ . فاغلب هذه الحركات تنفي دور الأحزاب والمنظمات الاجتماعية في المسارات التاريخية ليحل محله دور الجماهير العريضة والشعب لا في تنوعه بل في وحدته كمجموعة وقع تهميشها وخيانتها من طرف النخب .

بالرغم من الاختلافات التي تشق مختلف الحركات الشعبوية على المستوى العالمي فإنها تلتقي في المبادئ الأساسية وقراءتها للأوضاع السياسية ومستقبل التغيير السياسي في بلدانها. فالحركات الشعوبية تؤكد على فتح مرحلة جديدة ومهمة في العمل السياسي تقطع مع التمثيلية الديمقراطية وفتح عصر الانتفاضات والتمرد على النخب الخائنة والتي انقطعت عن الجماهير وأفرغت الديمقراطية من محتواها التشاركي لتجعل منها مجالا للدفاع عن مصالحها الضيقة .فالنخب حسب الشعبويين قد انسحبت من التاريخ بسبب انقطاعها عن آمال وأحلام الفئات الشعبية العريضة وخيانتها لمبادئ النظام الديمقراطي وروح المؤسسات الديمقراطية التمثيلية وإفراغها من محتواها التشاركي .

وتفتح هذه الأزمات الاقتصادية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية فترة جديدة من العمل السياسي وعملية التغيير والتطور التاريخي للمجتمعات . ففي هذه المرحلة الجديدة لن تكون النخب في مراكز القيادة والريادة للتغييرات التحولات الاجتماعية الكبرى بل ستترك هذا الدور للجماهير العريضة والفئات الشعبية التي ستأخذ حركة التاريخ بيدها لتوقف مسار انحدار وفشل الأنظمة الديمقراطية والمؤسسات التمثيلية . يبشر الشعبويون في مختلف أنحاء العالم بثورات وانتفاضات وتمردات واعصارات سياسية آتية تقودها الجماهير العريضة ضد النخب التي قادت الأنظمة السياسية الديمقراطية إلى نهايتها وفشلها الذريع في تحقيق مطالبها في العيش الكريم والاحترام والكرامة .

إن المهم في تطور الظاهرة الشعبوية اليوم هو عدم اقتصارها على البلدان المتقدمة بل امتدادها إلى اغلب بلدان العالم لتصبح ظاهرة عالمية تمس عددا كبيرا من بلدان الجنوب فلقد أسفرت عديد الانتخابات في عدد هام من البلدان كالبينين في إفريقيا والفليبين في آسيا والبرازيل في أمريكا اللاتينية عن وصول ممثلي هذه الحركات الشعبوية إلى السلطة . كما أصبحت هذه الظاهرة واقعا سياسيا مهما في عديد البلدان الأخرى.

وقد عرفت بلادنا هذا التطور منذ تنظيم أول انتخابات ديمقراطية بعد الثورة في أكتوبر 2011 لنصبح جزءا من هذه الظاهرة العالمية ولتعرف الشعبوية طريقها إلى المجال السياسي في بلادنا . وقد جاء هذا التطور والظهور في أشكال مختلفة منها ظهور بعض الحركات الشعبوية وتمكنها من الحصول على أصوات الناخبين . كما عرفت هذه الظاهرة كذلك طريقها إلى الأحزاب الديمقراطية والمنظمات الاجتماعية الكبرى من خلال بعض مواقفها أو بعض مطالبها السياسية والمالية التي تفوق قدرة وطاقة بلادنا على الإيفاء . كما عرفت الشعبوية مجالا لدخول المجال السياسي من خلال بعض الشخصيات التي نجحت في استقطاب أصوات المهمشين وهدير الثورة ضد النظام السياسي الديمقراطي بكل مكوناته الحاكمة منها والمعارضة .

ومع تنامي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا شهدت الاتجاهات الشعبوية تطورا كبيرا في الأشهر الأخيرة عشية الانتخابات البرلمانية والرئاسية .ولئن لم تعرف هذه الحركات تشكلا واضحا في منظمات وأحزاب واضحة المعالم فإنها تركزت حول بعض الشخصيات التي نجحت في استقطاب أصوات المهمشين والرافضين للنظام الديمقراطي وعجزه عن تلبية مطالب الكرامة الوطنية التي رفعتها الثورة ونهاية الفقر والتهميش . وقد عبر نمو هذه الحركات والمد الشعبوي عن نفسه من خلال استطلاعات الرأي التي نشرتها مختلف شركات سبر الآراء في الأسابيع الأخيرة والتي عرفت تقدما كبيرا لبعض هذه الشخصيات ولا تقتصر اللحظة الشعبوية الراهنة في بلادنا على صعود هذه الشخصيات بل تشمل كذلك التراجع المخيف للأحزاب التقليدية وحتى الانحلال والتفتت الكبير لبعضها لتفتح المجال اكبر وتجعل الطريق أوسع أمام الظاهرة الشعبوية .

وقد فتحت هذه اللحظة الشعبوية مجال النقاش والجدل حول برامجها وآفاقها المستقبلية وأخطارها على البناء الديمقراطي الهش في بلادنا . وأشار العديد من المتابعين للشأن العام في بلادنا إلى جانبين مهمين في ظهور وتطور بعض الاتجاهات والشخصيات الشعبوية في بلادنا . الجانب الأول وهو أخلاقي ويخص اعتماد هذه الشخصيات على منظمات اجتماعية وعمل خيري لنكتشف بعد ذلك أنها تسعى لأهداف سياسية وتعمل على خدمة مصالح شخصية . والى جانب هذا الجانب الأخلاقي والذي سيكون له تأثير سلبي على العمل الجمعياتي فقد أكد بعض المحللين على جانب التحيل الذي يحمله هذا التوجه باعتبار أن قانون الأحزاب يحجر تمويل الأشخاص المعنويين وتقديم منافع عينية ونقدية للمواطنين . فعملت هذه الشخصيات على تجنب قانون الأحزاب والمرور من نافذة العمل الجمعياتي الذي لا يمنع هذه الهبات وتقديم المنافع . وستكون هذه الجمعيات وراء بعث علاقات جديدة من المحسوبية والمحاباة والتي سيقع استثمارها لأهداف سياسية .

ولعل الخيط الرابط بين مختلف هذه التعبيرات الشعوبية في بلادنا وعلاقاتها مع مختلف التعبيرات الشعبوية في العالم هو مناهضتها للنخب الفكرية والسياسية والاقتصادية وفتح حقبة تاريخية جديدة من الثورات يقودها المهمشون ضد النخب .

وهذه القراءة لعمري تنم عن قصور وعدم إلمام بتاريخ بلادنا فالقارئ والمطلع على التاريخ الطويل لبلادنا يعرف شديد المعرفة الدور الأساسي والمركزي الذي لعبته النخب الفكرية والسياسية والاقتصادية في أهم المراحل التاريخية في بلادنا وفي فتح تجارب ومسارات تاريخية هامة للخروج من عصور الانحطاط ودخول التاريخ وانفتاحها على تجارب إنسانية وأفكار التحرر والانعتاق الاجتماعي .

يشكل صعود ونمو الاتجاهات الشعبوية في العالم وفي بلادنا تحديا كبيرا وملحا للتجربة الديمقراطية والمنظومة السياسية التعددية .

إلا أن الرد الحقيقي على هذه الاتجاهات لا يكمن في رأيي في محاولة إقصائها من النظام السياسي بل في بلورة مشاريع ورؤى وبرامج ترمي إلى الخروج من أزمة النظام الديمقراطي من خلال تحقيق المطالب السياسية وإنهاء حالة التهميش الاجتماعي والقهر وإعادة الأمل في قدرة السياسة على فتح آفاق العالم الرحبة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا