قهوة الأحد: من أجل مشروع عربي جديد

تنعقد القمة العربية في بلادنا في ظل تحديات إقليمية وعالمية كبيرة . فعلى المستوى القومي تعيش المنطقة العربية وعديد البلدان

حروبا مدمرة أنهكت قواها السياسية والاقتصادية . وكانت نتيجة هذه الحروب تزايد عدد اللاجئين في البلدان المجاورة مما خلق وضعا من عدم الاستقرار وانخرام الأمن . كما عرفت المنطقة كذلك تصاعد الخلافات السياسية بين البلدان العربية مما انعكس سلبا على مستوى التعاون الإقليمي . كما شهدت كذلك المنطقة تنامي الأعمال الإرهابية والتي ولئن تراجعت في السنوات الأخيرة فإنها تشكل عاملا كبيرا لعدم الاستقرار والخوف .

ولم تقتصر هذه التقلبات والغموض على الوضع السياسي والأمني بل شملت كذلك الوضع الاقتصادي. فقد بقيت مستويات النمو ضعيفة وهشة وغير قادرة على فتح آفاق جديدة للتنمية. كما تبقى التوازنات الكبرى للاقتصاديات العربية هشة مما دفع عديد البلدان لمزيد التداين . أما على المستوى الهيكلي فتشهد البلدان العربية نفس التحديات القديمة من ضعف للاستثمار وأزمة الخروج من النظام الاقتصادي الريعي وتنويع الاقتصادات.

والى جانب هذه التحديات الاقتصادية الداخلية فإن الاقتصادات العربية تواجه تحديات عالمية جمة لعل أهمها المسارات التي تعرفها العولمة والثورة التكنولوجية التي ستغير وجه العالم وتنحت معالم عالم جديد للسنوات القادمة.

في ظل هذه التحديات الإقليمية والتحولات العالمية لابد من ضبط إستراتيجية تكامل عربي وخطة للعمل العربي المشترك . وقد تبدو هذه الدعوة غير ذات معنى باعتبار فشل كل التجارب السابقة للعمل المشترك والتكامل العربي. فقد بقيت كل المشاريع والبرامج حبرا على ورق ولم تمكن المنطقة من فتح مرحلة جديدة من التعاون والإجابة المشتركة عن الرهانات الإقليمية والدولية فقد بقيت الدولة الوطنية واختياراتها ومصالحها أساس السياسات العامة والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية ولم ترتق المصلحة المشتركة والهدف القومي وبالرغم من بعض المحاولات إلى مستوى الخيار الاستراتيجي والمحدد للسياسات الوطنية . إلا انه وبالرغم من هذه النتائج الهزيلة والإحباط الذي صاحبها فإننا نعتقد جازمين أن حجم الرهانات والتحديات تتطلب إحياء برامج العمل المشترك ودعمها وتطويرها لتتمكن من رفعها وإيجاد موقع قدم لنا في العالم الآتي .
وفي هذه الورقة سنحاول التعرض إلى ثلاث نقاط أساسية : الرهانات الاقتصادية القومية ، التحولات العالمية ثم نظرة جديدة للتكامل الاقتصادي العربي.

الرهانات الاقتصادية القومية
بالرغم من الاختلافات الكبرى التي تشق البلدان العربية والمنطقة من الناحية الاقتصادية فانه يمكننا الوقوف على خمسة اتجاهات كبرى في قراءتنا للوضع الاقتصادي القومي للسنتين الأخيرتين .
الاتجاه الأول يهم هشاشة نسبة أو معدل النمو وضعفه الكبير . فمعدل نسبة النمو مر من 2.2 % سنة 2017 إلى %2.2 في السنة المنقضية . وتعتبر هذه من اضعف النسب في العالم ولم تمكن المنطقة العربية من تحقيق ودفع التنمية التي نصبو إليها .
الاتجاه الثاني يخص هشاشة التوازنات المالية الكبرى للمنطقة العربية . فقد بلغ عجز الموازنات العربية -5.4 % سنة 2017. ولئن عرف بعض الانخفاض في السنة المنقضية حيث وصل إلى مستوى%2.9- فقد كان بفضل تحسن المداخيل البترولية للدول المصدرة أما البلدان غير المصدرة فقد وصل عجز الميزانية فيها إلى -6.6 % في السنة المنقضية
كما غرفت اغلب البلدان العربية مستويات كبيرة للتضخم والذي وصل إلى حدود %9 سنة 2018. ولم تقتصر كذلك الهشاشة على الموازنات الداخلية بل مست كذلك الموازنات الخارجية حيث بلغ العجز الجاري -0.7 % في سنة 2017. وقد كان تطور مداخيل النفط وراء التحسن الذي عرفه الميزان الجاري للمنطقة والذي بلغ ¨1.8 % مقارنة بالناتج القومي الخام سنة 2018. إلا أن هذا الميزان شهد عجزا كبيرا بالنسبة للبلدان المستوردة للنفط ليصل إلى -6.6 % في سنة 2018. وقد ساهمت هشاشة هذا التوازنات وتطور عجزها في النمو الكبير الذي عرفه التداين في المنطقة العربية والذي مر من 33.8 % سنة 2017 إلى %37.9 وقد بلغت نسبة المديونية مستويات أعلى بالنسبة للدول الموردة للبترول وصلت سنة 2008 قرابة 77.9 % .

الاتجاه أو العنصر الثالث يهم المسائل الهيكلية ومشروع الخروج من الاقتصاد الريعي وتنويع الهياكل الاقتصادية العربية . ولئن كان هذا الخيار من أولويات الدول العربية التي لا تمتلك ثروات طبيعية كبيرة فإن الدول الأخرى سرعان ما التحقت بها أمام التذبذب الكبير الذي عرفته اسواق النفط والغاز الطبيعي . إلا أن هذا المشروع سرعان ما تراجع مع تراجع الاستثمار والذي لم يتجاوز 15.6 % سنة 2017 وهي من اضعف المعدلات في العالم لتبقى اغلب البلدان العربية حبيسة التقسيم العالمي التقليدي للعمل وللصناعة .

العنصر الرابع الذي يميز الوضع الاقتصادي العربي يهم الوضع الاجتماعي مع النمو الكبير للبطالة وخاصة على مستوى الشباب والتي وصلت إلى حدود 30.6 % سنة 2016 وهي من أعلى النسب حيث لا يتجاوز المستوى العالمي 13.1% وقد لعبت سياسات معظم بلدان مجلس التعاون الخليجي لاحلال مواطنيها محل العمالة القادمة من بلدان المشرق والمغرب دورا كبيرا في تنامي البطالة في المنطقة . والى جانب تزايد نسب البطالة عرفت المنطقة العربية تزايدا كبيرا للتهميش الاجتماعي والتفاوت بين الفئات الاجتماعية والجهات .

العنصر الخامس الذي نريد الإشارة إليه يهم التعاون الإقليمي. فالتجارة البينية لم تعرف التطور المنتظر بالرغم من دخول منطقة التجارة الحرة حيز التطبيق . وبقيت التجارة البينية مقتصرة على التجمعات الإقليمية . أما حركة رأس المال فلم تعرف كذلك المستويات المنتظرة وبقيت محدودة.
هذه المؤشرات تشير إلى عجز مشروع تحديث الاقتصاديات العربية للدولة الوطنية .فبالرغم من الانطلاقة الهامة وبعض النجاحات فإن هذا المشروع سرعان ما عرف حدوده ولم يتمكن من تحقيق التنمية المطلوبة وتنويع الهياكل الاقتصادية ودعم الرفاه الاجتماعي وتحقيق التكامل والتعاون الاقتصادي المنشود. ويجابه هذا المشروع رهانات وتحديات جديدة في ظل التحولات الدولية .

التحولات الدولية الكبرى
يشهد الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة عديد التحولات الكبرى والتي ستزيد من حدة المنافسة بين الدول والمؤسسات والشركات الكبرى وستطرح هذه التحولات تحديات كبرى على المنطقة العربية . سأركز في هذه المداخلة على ثلاثة تحديات أساسية :
المسألة الأولى تهم الثورة التكنولوجية التي يعرفها العالم والتي ستجعل من الذكاء الاصطناعي ومن الرقمنة أساس المجتمعات الحديثة . وإن كانت التجارة الدولية والعولمة هي محرك الأشكال الأولى للعولمة والإنتاج والصناعة قاعدة العولمة القديمة فان قطاع الخدمات سيكون أساس المرحلة الجديدة للعولمة .وقد بدأت هذه الثورة التكنولوجية في إدخال تغييرات جذرية على اغلب مجالات الحياة كالصحة والنقل والإنتاج والتوزيع والطاقة وغيرها من الميادين الأخرى .

ولعل المجال الأهم الذي يشهد هذه الثورة التكنولوجية هو مجال تقنيات الهواتف الجوالة وما نعرفه بالجيل الخامس لهذه التكنولوجيات وقد كانت السيطرة على هذه التكنولوجيات وراء حرب غير معلنة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين . وتعد هذه المعركة معركة حياة أو موت بالنسبة لهذين العملاقين باعتبار أن السيطرة على هذه التكنولوجيا ستكون البوابة للسيطرة على العالم القادم. هكذا تبدو هذه المعركة إستراتيجية بكل المقاييس السياسية والاقتصادية والعالمية والتكنولوجية لتساهم في نحت وتحديد معالم عالم الغد.

التحدي الثاني يهم العولمة الجديدة 4.0 التي هي نتاج الثورة الصناعية الرابعة والثورة التكنولوجية التي يعرفها العالم . ولئن ساهمت هذه العولمة في فتح آفاق جديدة للإنسانية وتجاوز بعض الصعوبات فإنها ولدت الكثير من المخاوف والقلق على مصير العالم من جراء التهديدات الجديدة. ومن ضمن هذه المخاوف يمكن أن نشير إلى ازدياد وتنامي الفوارق الاجتماعية وتقلص العدالة الاجتماعية مما ساهم في نمو مخزون الغضب والسخط الاجتماعي عند العديد من الفئات الاجتماعية المهمشة . كما نتج عن هذه العولمة الجديدة تنامي المخاطر المحيطة بالمناخ مع ازدياد معدلات الانحباس الحراري وعدم قدرة المنظومة الدولية على إيجاد الحلول الملائمة لها . كما أثارت العولمة 4.0 الكثير من المخاوف بارتباط بملكية وحق التصرف في المعطيات الشخصية وضرورة حمايتها من تلاعب المؤسسات الكبرى.

المسألة الثالثة تهم التغيير الجذري والثورة التي يشهدها القطاع الصناعي والتي لم تقتصر على التحاليل الاقتصادية بل تجاوزتها إلى ميدان السياسات العامة حيث قامت بعض الحكومات في الدول الكبرى مثل الصين وألمانيا بالخروج من وضع الحياد الذي ميز سياساتها في هذا المجال والمرور إلى ضبط سياسات نشيطة كبرى للنهوض بصناعتها الوطنية .
يعرف العالم اليوم ثورة كبرى وتحولات تكنولوجية وراديكالية تنحت معالم العالم القادم وتساهم في بناء ابرز ملامحه . وقد كانت هذه التحولات وراء تنامي المنافسة بين الدول الكبرى والحروب التجارية مع تطور كبير للسياسات الحمائية وتراجع دور التعاون والمؤسسات الدولية الكبرى كمنظمة التجارة الدولية.

من اجل مشروع عربي جديد
تشكل أزمة المشروع الاقتصادي العربي والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم تحديا استراتيجيا للمنطقة العربية. ولئن عجزت اغلب برامج ومشاريع التكامل العربية على جعل العمل العربي المشترك حقيقة واقعة وبالرغم من النزاعات والخلافات الكبيرة بين العديد من البلدان العربية فإننا نعتقد انه لابد من العمل على بناء ونحت مشروع تكامل عربي جديد. ولضمان ظروف نجاح لهذا المشروع فانه لابد من فتحه للحركات المدنية والمنظمات الشعبية وتفادي بقائه كما في السابق حكرا على الدول والمنظمات الرسمية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا