قهوة الأحد: في البحث عن طوق الخلاص المفقود

سأخصص هذه المقالة لمداخلتي صباح اليوم في الملتقى السنوي الذي تنظمه جمعية نشاز حول موضوع «اليسار المدني واليسار السياسي أية علاقة ؟» .

وسأحاول في هذه المقابلة تقديم بعض الملاحظات حول عجز وفشل اليسار في تحويل الحركية الاجتماعية والنضالات الاقتصادية وحركة الإبداع الثقافي وكل هذا الرفض والمعارضة إلى واقع سياسي جديد والى هيمنة فكرية وإيديولوجية ليبقى طوق الخلاص بعيدا .
قبل الخوض في هذا الموضوع أريد في التقديم الوقوف على ثلاث نقاط مفارقة ،تساؤل وفرضية .

إما المفارقة فتخص في رأيي هذه الفجوة الكبيرة بين الواقع الاجتماعي من جهة وتعبيراته السياسية وخاصة عجزه عن تكوين كتلة تاريخية جديدة قادرة على فتح تجربة سياسية وتاريخية جديدة.

لا يختلف اثنان اليوم أن ثورة 17 ديسمبر / 14 جانفي فتحت فترة تاريخية جديدة تميزت بديناميكية اجتماعية وسياسية وفكرية وفنية لم نعرف مثيلها منذ ثورات الشباب في الستينات. فقد عرفنا تطورا كبيرا على مستوى الحريات الأساسية كحرية التنظيم وتمكنا من كتابة دستور جديد للجمهورية الثانية وربط الحريات السياسية بقضايا العدالة الاجتماعية ونهاية التهميش والمساواة بين الجهات والأسس المدنية للدولة.

كما عرفت بلادنا كذلك ديناميكية جديدة لحركة حقوق الإنسان والمساواة مكنتها من طرح قضايا جديدة في مجال الحريات كتدعيم حقوق الأقليات مثل تجريم التمييز العنصري وطرح قضايا جديدة في مجال النضال النسوي كقانون مناهضة العنف ضد النساء وتقرير الحريات والمساواة.
ولا تقتصر هذه الديناميكية على مستوى التحول الديمقراطي والحقوقي بل شملت كذلك المجال الاجتماعي لتطرح قضايا أساسية في العقد الاجتماعي كمسألة الشغل والصحة والتعليم والبيئة ونهاية التهميش والعدالة الاجتماعية.

كما عرفت بلادنا حركية ثقافية وإبداعية لم نشهد مثيلا لها منذ حركة الطليعة في الستينات ومكنت هذه الحركة من بروز طاقات إبداعية شبابية جديدة حملت مشروع التغيير الثقافي ودفعت به في معترك الحركية السياسية والاجتماعية.

هذه جملة ملامح الوضع السياسي والاجتماعي الثقافي التي تشير إلى تواصل الحركة الاجتماعية التي خلقتها الثورة وتجددها في أشكال ونضالات مختلفة لتواصل الشعلة التي برزت وتمكنها من المحافظة على بعض بريقها إلا أن هذه الحركة وجملة هذه النضالات الاجتماعية والعمل الثقافي على راديكاليتها لم تبرز واقعا سياسيا جديدا يؤسس لمشروع سياسي جديد يحمل عقدا اجتماعيا ديمقراطيا قادرا على تجاوز أزمة العقد الموروث من دولة الاستقلال.

وهنا تكمن المفارقة بين الهوة الفسيحة بين هذه الحركة ومخزون الرفض والحلم بالتغيير وبناء تجربة تاريخية جديدة من جهة أخرى وانسداد الأفق السياسي وتكلسه من جانب آخر.

بعد المفارقة نأتي للسؤال وهو يهم أسباب هذا العجز في تحويل هذه اللحظة التاريخية الفارقة إلى نقطة انطلاق بتجربة تاريخية جديدة تؤسس لكتلة تاريخية جديدة تعمق التجربة الديمقراطية لا فقط في جانبها السياسي بل كذلك في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية . وهذا السؤال الحارق لا يقتصر على بلادنا بل هو ذو بعد كوني. فقد عرفت عديد البلدان نموا كبيرا وتطورا هاما للحركات الاجتماعية منذ منتصف التسعينات بدأ بظهور حركة الزابتستا في ولاية Chiapas تحت قيادة الكومندان ماركوس إلى الحركات المناهضة للعولمة على المستوى العالمي. إلا أن هذه الحركات الاجتماعية لم تتحول إلى واقع سياسي جديد ولم تدفع إلى بروز كتلة تاريخية جديدة وهيمنة مشروع سياسي جديد .

وتشكل تجربة حزب العمل وانتصار لولا في الانتخابات البرازيلية و. José mujica في البارغواي وEvo marales في كولومبيا من التجارب القلائل التي تمكنت فيها الحركة من تحويل الحركة المدنية إلى نجاح انتخابي وسياسي فأن اغلب الحركات الاجتماعية لم تكن قادرة على تحويل الغضب والسخط والرفض الاجتماعي الى تجربة سياسية جديدة

وستتواصل الحركة الاجتماعية مع تصاعد الآثار الاجتماعية للسياسات النيوليبرالية لتكون المنطقة العربية وبصفة خاصة الثورة التونسية نقطة انطلاق لثورات وانتفاضات كبرى لا فقط في البلدان العربية بل كذلك في عديد البلدان المتقدمة وخاصة في فرنسا واسبانيا والبرتغال واليونان . كما شهدت الحركة الاجتماعية كذلك تطورا كبيرا في الولايات المتحدة الأميركية مع ظهور حركة occupuy Wall street والتي شدت أنظار العالم لراديكاليتها والانخراط الكبير للشباب لدرجة أنها ذكرت البعض بثورات الشباب الجامعي في نهاية الستينات المناهضة للحرب الأمريكية في الفيتنام . وكسابقاتها فقد عجزت الحركات المدنية عن تحويل مخزون الرفض للسياسات القائمة والسخط على انعكاساتها الاجتماعية إلى كتلة تاريخية جديدة قادرة على إعطاء هذا الرفض بعدا سياسيا وجعله نقطة لعملية تغيير اجتماعية وسياسية .

وليبقى السؤال قائما حول الهوة الفسيحة بين تجربة الحركة المدنية الاجتماعية وثرائها وفي نفس الوقت عجزها عن الخروج من أفق الاحتجاج لتحويل مخزون السخط الى برنامج اقتصادي وسياسي قادر على تعبئة مواطنية إيجابية ولتجعل بالتالي من طرق الخلاص حلما بعيد المنال .
وبعد المفارقة والسؤال سنمر إلى الفرضية التي نريد نقاشها وتقديمها – وفي رأيي فان هذا العجز والصعوبات إلى تحويل الحركة المدنية وثرائها إلى تجربة سياسية جديدة يعود في رأيي إلى انتصار الفكر النيوليبرالي في بداية ثمانينات القرن الماضي واكتساحه كل محالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليجعل من إمكانات بناء البدائل والتصورات المختلفة مهمة شبه مستحيلة .

وستبدأ محنة القوى الديمقراطية والاجتماعية منذ ذلك اليوم لتتواصل معنا وتجعل كل إمكانات الحلم والأمل بتغيير الواقع منعدمة بالرغم من الاختناق الذي نعيشه وحالة اليأس أمام تردي الأوضاع.
لقد شكل في رأيي انتصار النيوليبرالية تحولا مهما وجذريا في النظام العالمي وفي الأنظمة الديمقراطية لم ندرس إلى الآن انعكاساته السياسية والاجتماعية .

فقد نسف هذا التحول أسس النظام الاشتراكي الديمقراطي لدولة الرفاه التي عرفها العالم اثر الحرب العالمية الثانية والتي لم تقتصر على البلدان المتقدمة بل ستشكل كذلك أساس دولة الاستقلال في اغلب تجارب التحرر الوطني في فترة ما بعد الاستعمار . وستعتمد هذه التجربة على محاولة إيجاد توازن بين البعد الليبرالي على المستوى السياسي والجانب الديمقراطي والاجتماعي في اطار الدولة الوطنية وتنظيم الحياة السياسية من خلال التمثيل المباشر في الأحزاب الديمقراطية الكبرى والمنظمات الاجتماعية .

وستغتنم القوى الليبرالية الأزمة التي ستعرفها دولة الرفاه لتقوم بنسف مرتكزاتها والعقد الاجتماعي الاشتراكي الديمقراطي لذي بنيت عليه وتقضي على مبادئ التآخي والتعاون وتضع محلها مبادئ التنافس والربح والمصلحة الآنية . وسيكتسح الفكر أو الثورة النيوليبرالية العالم منذ نهاية السبعينات ليتحول منذ الثمانينات انتصار سياسي ساحق اتى على الاخضر واليابس ليجعل إمكانات البدائل على مشروعه صعبة وغير متاحة .

وفي علاقة بسؤالنا حول عجز وفشل تجارب الحركة المدنية وثرائها إلى فعل سياسي أريد التركيز على أربع مسائل أساسية ساهمت في تطوريها وفرضها النيوليبرالية المنتصرة.

المسالة الأولى مرتبطة بالجانب السياسي والانعكاسات التي فرضتها النيوليبرالية في المسالة الديمقراطية . لقد اشرنا إلى أن الاشتراكية الديمقراطية نجحت في إيجاد توازن هام اثر الحرب العالمية الثانية في إطار دولة الرفاه بين طرفي المعادلة الليبرالية السياسية من جهة والجانب الديمقراطي بمضمونه الاجتماعي من جهة ثانية. وستقوم الثورة الليبرالية بنسف هذا التوازن ليهيمن الجانب الليبرالي على جميع المستويات ومن ضمنها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي زليقع تهميش الجانب الديمقراطب وخاصة محتوياته الاجتماعية وستنجح هذه الثورة في القطع مع مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية وتشكل القاعدة لهيمنة مبادئ الربح وتراكم الثورة . وهذه الثورة ستكون وراء صعوبات إدخال وإرجاع المسائل الاجتماعية وبرامج المساواة والعدالة الاجتماعية في برامج الأحزاب والحركات .

الانعكاس الثاني للثورة النيوليبرالية يهم تطور العولمة وتراجع وتآكل الفضاء الوطني كمجال لضبط السياسيات والبرامج . فستعرف اغلب البلدان انفتاحا كبيرا لحدودها بتطور المبادلات التجارية وحركة رأس المال وتدفق الاستثمارات الخارجية وهذا التطور سيتبعه وينتج عنه تراجع في مال تطوير وتطبيق السياسيات الوطنية والتي ستسعى إلى موافقة المؤسسات الدولية إن لم تكن مشروطة منها . هذا التطور سيكون له انعكاس سلبي على السياسات الوطنية وسيجعل هامش تحديدها مقيدا إلى حدود كبيرة .

المسالة الثانية تخص التعبيرة السياسية فقد أفقدت النيوليبرالية المنتصرة والعولمة الأشكال والمؤسسات السياسية التقليدية كالأحزاب والمنظمات الاجتماعية بريقها وتأثيرها . وقد ساهمت الثورة التكنولوجية في هذا التراجع لتفح مجالا جديدا التعبير السياسي وهو الميدان الافتراضي والذي كان وراء بروز نخب سياسية جديدة لا تتمتع بنفس العمق الاجتماعي للنخب القديمة .

وستحتل هذه النخب الجديدة وتهيمن على الساحة السياسية دون أن تكون قادرة على حمل برنامج وفعل سياسي يقطع مع السائد.
المسألة الرابعة تخص تراجع الأحزاب التقليدية والحاملة للمشروع النقدي الى مواقع احتجاجية لتفقد قدرتها على التأثير والتغيير .

هذه في رأيي جملة التصورات التي أحدثتها الثورة النيولبيرالية والتي جعلت من مهمة تحويل الحراك المدني والاجتماعي إلى فعل سياسي شبه مستحيلة .

الا أن هذه النتيجة لا تعني نهاية التاريخ والامتثال للأمر الواقع – بل في رأيي لابد من مواصلة النقاش والتفكير حول سبل الخروج من هذه الأزمة وفتح آفاق جديدة للحركة المدنية . وفي رأيي فان مشروع تعميق الديمقراطية وخاصة في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية من اجل بناء عقد اجتماعي جديد ستشكل طوق الخلاص المفقود في السنوات القادمة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية