«مجلة القضاء الإداري: قراءة في مشروع اتحاد القضاة الإداريين»

بقلم: وليد الهلالي
رئيس اتحاد القضاة الإداريين
مثّل إدراج القضاء الإداري في باب السلطة القضائية الوارد بدستور 2014 خطوة هامة وتطوّرا كبيرا بالمقارنة

مع مكانته في دستور 1959 وأصبح جزءا لا يتجزّأ من السلطة القضائية وفي ذلك تكريس لمقوّمات دولة القانون والحكم الديمقراطي الذي تخضع فيه السلط العمومية للقانون. وعلاوة على إدراج القضاء الإداري في باب السلطة القضائية، فإنّ دستور الجمهورية الثانية رسم هيكلة جديدة لهذا القضاء وأسند له ولاية عامة للنظر في النزاعات الإدارية وأعطى مكانة دستورية لوظيفته الإستشارية وهو ما يُمثّل ثورة حقيقية في تاريخ القضاء الإداري.

لذلك، قامت لجنة منبثقة عن اتحاد القضاة الإداريين بصياغة مشروع مجلة قانونية تتولى تنظيم جهاز القضاء الإداري وتحديد اختصاصاته والإجراءات المتبعة لديه، بالإضافة إلى سنّ أحكام جديدة تمنح للقاضي الإداري صلاحيات واسعة في مادة الحقوق والحريات المضمونة بالدستور وغيرها من الأحكام التي ستنظم عمل القاضي في المستقبل.
وستفتح هذه المجلّة مسارا لتحديث عدد من التشريعات ذات الصلة بالقضاء الإداري والمتعلقة خصوصا بالهيئات الإدارية المستقلة والنزاع الجبائي والانتزاع من أجل المصلحة العمومية وبالنصوص المتعلقة بالأنظمة الإجتماعية.

إنّ القواعد المتعلّقة بتنظيم جهاز القضاء الإداري، كما وردت بمشروع المجلّة، تأخذ بعين الاعتبار التمييز بين الهياكل القضائيّة للقضاء الإداري الذي يتّخذ شكل الجهاز القضائي الهرمي، بدءا بالمحاكم الإداريّة الابتدائيّة، ومرورا بالمحاكم الإداريّة الاستئنافيّة، وانتهاء بالمحكمة الإداريّة العليا.

أما من جهة التنظيم الإداري والمالي للقضاء الإداري، فقد اقتضى القانون الأساسي للميزانية أنّ الهياكل القضائية العدلية والإدارية والمالية التي تنصّ قوانينها الأساسية على الاستقلالية الإدارية والمالية «تُعتبر مهمات خاصة». وتمثّل هذه الأحكام تكريسا قانونيا لاستقلالية السلطة القضائية وفرصة حقيقية للقضاء الإداري للخروج من التبعية الهيكلية لا سيّما على المستوى المالي للسلطة التنفيذية، لذلك تمّ التنصيص صراحة صلب مشروع المجلة على أنّ جهاز القضاء الإداري يتمتّع بالاستقلال الإداري والمالي والتسيير الذاتي في إطار ميزانية الدولة كالتنصيص على أنّ هذا الجهاز يُعتبر مهمة خاصة وتُرصد له اعتمادات بميزانيّته السنوية يتم تبويبها حسب برامج خصوصية تجسم مهامه القضائية والاستشارية.

وبخصوص الوظيفة الإستشارية التي تمارسها تقليديا المحكمة الإدارية بواسطة الدوائر الإستشارية والرئيس الأوّل للمحكمة، فإنّه من المفيد التذكير أنّ المشرع تدخّل وأسند بمقتضى مجلة الجماعات المحلية هذه الوظيفة أيضا إلى المحاكم الإدارية «المختصة»، وكان بالتالي لزاما أن يأخذ مشروع المجلة هذا المعطى القانوني بعين الإعتبار، فتمّ تخصيص عنوانا كاملا للوظيفة الاستشارية للقضاء الإداري، وتمارس هذه الوظيفة بواسطة الجلسة العامّة الاستشارية والدوائر الاستشارية بالمحكمة الإدارية العليا والأقسام الاستشارية بالمحاكم الإدارية الإستئنافية.

لقد تمّ الأخذ بعين الإعتبار عند صياغة المجلة المبادئ العامة المنصوص عليها بالدستور لا سيّما تلك المتعلقّة بمقوّمات المحاكمة العادلة وحق الدفاع وحق التيسير في اللجوء للقضاء ومبدأ التقاضي على درجتين وغيرها من الضمانات الإجرائيّة المكفولة للمتقاضين. كما تمّ التأكيد صلب المشروع على الصّبغة الاستقصائيّة لإجراءات التقاضي الإداري التي تعتمد على الدّور الجوهري للتحقيق وما يصاحبه من إجراءات ووسائل استقصائيّة لما لها من أهمّيّة في الكشف عن الحقيقة.

يهدف مشروع المجلة إلى تحقيق السرعة والنجاعة اللتين لطالما اشتكى منهما المتقاضي. وفي هذا الإطار، كرس المشروع مبدأ الفصل بين القضاء والتحقيق باعتباره من أهم مقتضيات المحاكمة العادلة فتم التنصيص على إحداث أقسام تحقيق تباشر باستقلالية أعمال التحقيق في القضايا دون أن يكون لرؤسائها الحقّ في المشاركة أعمال القضاء. كما تمّ إقرار وسائل تحقيق ناجعة والتخلي عن بعض الإجراءات التي كانت سببا في إطالة أمد النزاع على غرار تبادل التقارير في ما بين الأطراف قبل تقديمها إلى المحكمة والإيداع الالكتروني للعريضة ومؤيّداتها وكلّ ما يدلي به الأطراف من تقارير ووثائق وحجج وغير ذلك من الآليات المنصوص عليها بمشروع المجلة.
ولتجنب طول إجراءات التقاضي والتقليص من حجم النزاعات، تمّ إدراج مؤسسّتي الوساطة والصلح كوسيلتين بديلتين لفضّ النزاعات. وقد تمّ الإطلاع في هذا الإطار على عدّة تجارب مقارنة قبل اعتماد تصوّر متكامل لهاتين المؤسستين بما يتماشى والمنظومة القانونية والقضائية التونسية.

ولإضفاء أكثر نجاعة على القضاء الإداري، تمّ تكريس الإستعجالي القطعي بما يجيز لرئيس المحكمة الإدارية الإبتدائية البتّ في أصل النزاع في أجل وجيز جداّ. وقد تمّ التنصيص على هذا الصنف من القضاء الإستعجالي في بعض المواد كالحقوق والحريات الأساسية والملك العام والمادة التعاقدية وغير ذلك من المواد.
أمّا في ما يتعلّق بتنفيذ الأحكام باعتباره واجبا مكرّسا دستوريا والجوهر الأساسي لنجاعة القضاء، فقد تبنت المجلة العديد من الآليات التي تلزم من خلالها السلط العمومية باحترام أحكام القضاء وتمّ تكريس عنوان كامل لمسألة تنفيذ الأحكام التي كانت ولا تزال المعضلة الأكبر أمام نجاعة القضاء الإداري.

هذه بعجالة أهم المحاور التي تمّ التعرض إليها صلب مشروع المجلة. وقد تمت مناقشة المشروع وإثراؤه من قبل نخبة من قضاة المحكمة الإدارية في إطار ورشات عمل تولّى اتحاد القضاة الإداريين تنظيمها خلال شهر ديسمبر 2019. وسينّظم الاتحاد ملتقى دولي حول مشروع المجلة بالإشتراك مع كلية العلوم القانونية والسياسية والإجتماعية بتونس وكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس وكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة وكلية الحقوق بصفاقس يومي 13 و14 فيفري 2020 بنزل أفريكا بالعاصمة، وبمشاركة ألمع الأساتذة الجامعيين المختصين في القانون الإداري والقضاة الإداريين من تونس والجزائر وفرنسا وألمانيا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا