ماكرون ينادي بمقاومة «الوحش الإسلامي»: «ليست حربا ضد دين، بل ضد انحراف يفضي إلى الإرهاب»

في نعيه، يوم 8 أكتوبر، لأربعة أعوان للإدارة المركزية للمخابرات في باريس تم قتلهم يوم 3 أكتوبر من قبل زميلهم ميكايل هاربون ،

عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تضامن كل الفرنسيين مع عائلات الضحايا و وعد بالدخول في «معركة بلا هوادة ضد الإرهاب الإسلامي» . ونظمت الدولة الفرنسية في هذه المناسبة موكبا خاشعا شارك فيه من الحكومة الوزير الأول إدوار فيليب ووزير الداخلية كريستوف كاستنار ووزيرة العدل نيكول بيلوبي وزيرة الجيوش فلورونس بارلي. وكان من بين الحضور الرئيسين الأسبقين نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند والوزيرين الأولين برنار كازنوف وإيديت كريسون صحبة رئيس البرلمان ريشار فيران ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه.

كل رموز الدولة كانت حاضرة لأن الاعتداء الإرهابي هز الشعب بكامله وكل أجهزة الدولة لأنه ضرب في قلب المركز المحصن للأمن و المخابرات في باريس حيث تدار كل العمليات الرامية لحماية المواطنين ومقاومة الإرهاب. هذا المعقل الحصين تم اختراقه من الداخل من قبل عون إداري يعمل في صلبه منذ 16 سنة وقد اعتنق الإسلام منذ 10 سنوات قبل أن يقدم على قتل أربعة من زملائه و جرح عون خامس بواسطة سكين.

إجراءات فورية
قبل الموكب و مباشرة بعد التثبت من أن المدعي العام صنف العملية «من نوع إرهابي» قرر الوزير الأول اتخاذ إجراءات فورية لحماية مؤسسات الدولة من الاختراق. وتم فتح تحقيقين واحد يتعلق بحيثيات العملية و الثاني يتعلق بالتثبت من مجموعة الأعوان الذين وردت في شأنهم معلومات تفيد أنهم «تطرفوا». وأوردت وسائل الإعلام معلومات تفيد أن أكثر من 30 شخصا مرتبطين بهذه الشبهات وهم أعوان وموظفون في الدولة.

و طالبت المعارضة اليمينية، التي انتقدت بشدة «تساهل» الحكومة في شأن الحركات السلفية و الإسلامية الراديكالية، بفتح تحقيق برلماني في العملية. وتم استدعاء وزير الداخلية للمساءلة من قبل اللجنة البرلمانية المختصة في المخابرات وكذلك من قبل لجنة مماثلة في صلب مجلس الشيوخ. وهي إجراءات تدل على انشغال النواب بهذا الوضع الخطير خاصة أن التحقيقات الأولية أظهرت أن المعتدي الذي تمت تصفيته على عين المكان كان بحوزته معلومات دقيقة تعلقت بأعوان الأمن والمخابرات وقائمة الأمنيين المندسين في الجوامع والجمعيات الأهلية وعناوينهم الشخصية. وهو وضع أصبح يقلق عديد العواصم الأوروبية لما له خطورة وأن يكون مايكل هاربون قد سربها لمجموعات إرهابية على الأمن العام الأوروبي.

مقاومة «الوحش الإسلامي»
الرئيس الفرنسي أخذ منذ حملته الرئاسية تلوين موقفه من «الإسلام السياسي» و «الإرهاب السياسي». فبعد أن تجاهل الأمر في البداية، غير خطابه ولمح إلى ضرورة إعادة النظر في «الإسلام الفرنسي» وركز وحدة لدراسة الوضع. لكن حجم مشاركة الإرهابيين الفرنسيين من المغاربة المجنسين والفرنسيين معتنقي الإسلام في صفوف تنظيم داعش واصطفافهم ضد الدولة الفرنسية جعل ماكرون يغير موقفه خاصة أن صعود اليمين المتطرف، الذي يطرح صراحة مقاومة الهجرة و الإسلام كسياسة قومية لاسترداد قدرات الدولة، أصبح يهدد وجود الجمهوريين من اليمين و اليسار.

في هذا الإطار ، أعلن الرئيس ماكرون «مقاومة الوحش الإسلامي» مستعملا عبارة «الهيدرا الإسلامي» التي تشير من ناحية إلى أسطورة الوحش ذو عديد الرؤوس ، ومن ناحية أخرى إلى كتاب «إدارة التوحش» للإرهابي أبو بكر ناجي الذي ألهم حركة داعش و كل الحركات الجهادية في العالم. لكنه في نفس الخطاب أشار إلى مقاومة «الإسلام السياسي»، وهي عبارة ذكرت الصحف الفرنسية أنه كان قد استعملها منذ 2016 و كررها في 2017 عندما اعتبر أنها تؤدي إلى أن «يكره الشخص فرنسا و كل ما تجسده و كذلك الأشخاص الذين يحيطون به حتى تصل به الكراهية إلى إرادة قتلهم». اليوم الخطاب الرئاسي تغير. وهو يذكر بما قاله من قبل خلال ندوته الصحفية التي ختمت دورات الحوار التي قام بها هذه السنة: «الإسلام السياسي يريد أن يفصل نفسه من الجمهورية». لكن الأغلبية البرلمانية التي يستند إليها ماكرون و جزء من الحكومة لا تشاطره الرأي. بل لا تزال ملتزمة بأطروحات قديمة تساند الإسلاميين القادمين إلى فرنسا بحكم أنهم مستضعفين عانوا من الاستبداد بدون الدخول في مساءلة موضوعية لهذه المسألة. لكن حجم الكارثة سوف يدخل هذه المرة الأغلبية في نقاش حول الأساليب التي يجب اتخاذها لمقاومة الإرهاب الإسلامي و التي ربما سوف تمس ببعض مبادئ الجمهورية التي اعتاد الفرنسيون إتباعها.

الوقوف على المخاطر الإرهابية
ملابسات العملية أصبحت واضحة بعد أن قامت أجهزة مقاومة الإرهاب بالتحقيق مع زوجة هاربون و بتفتيش منزله علما و أنه كان يعتني بصيانة النظم الرقمية التي تدير معلومات إدارة المخابرات. وعثر الأمن على عدة مفاتيح «يو أس بي» فيها ملفات تم استخراجها من قاعدة البيانات الرسمية التي تحتوي على كل المعلومات المجمعة لدى الباحثين. و صرح مصدر من إدارة الأمن في باريس قائلا إن عدد المحققين الذين يشتغلون على قراءة المفاتيح بلغ 160 عونا. وهو ما يوضح حجم المعلومات و ما يطرح من تساؤلات حول طريقة استخدامها من قبل الإرهابي. و يعتني المفتشون بعلاقات الإرهابي الذي كان يصلي بانتظام في جامع بمدينة قوناس يشتبه أن يديره إمام سلفي من أصل مغربي يخضع لقرار طرد.

فيما تخوض أجهزة الدولة في تفسير الصاعقة التي ضربت أهم مؤسسة لمقاومة الإرهاب في ظروف مقتل الإرهابي و استحالة استنطاقه للتطلع على مدى علاقاته و عمق الضرر الذي الحق بمنظومة الاستخبارات الفرنسية ، أقدم حمادة طراوري وهو ناشط سياسي كان قد ترشح للانتخابات التشريعية الأخيرة، بإطلاق نداء لتنظيم مظاهرة مساندة للإرهابي هاربون و تجميع الأنصار من أجل التنديد بتصنيفه ضمن الإرهابيين الراديكاليين. وهو ما أربك الحكومة التي قررت إيقاف طراوري و منع المظاهرة. لأول مرة منذ ان اندلعت العمليات الإرهابية في ثمانينات القرن الماضي، تشهد فرنسا مثل هذا التحرك الذي يشير إلى تغلغل الحركات الجهادية في أعماق المجتمع الفرنسي و في جل جهاته.

وكان مارك تريفيديك القاضي السابق الشهير في الشؤون الإرهابية قد صرح للصحافة «نلاحظ أعوان شرطة و جنود متطرفين دينيا، لما لا غدا يظهر لنا قاض؟ كل ذلك وارد.هذه الظاهرة تفشت في كل المجتمع الفرنسي. من ناحيته صرح النائب اليساري فرنسوا بوبوني عن جهة «فال دواز» للصحفي جون بيار الكاباش في قناة سي نيوز أن الإسلام السياسي يجتاح القرى والمدن في جهة باريس الكبرى ومدن الشمال والوسط وأنه يرتكز على ناشطين مأجورين مجندين لبعث جمعيات وأحزاب هدفها تحويل وجهة المواطنين وبث صفة كره فرنسا في صفوفهم. وأضاف أن هذه الجمعيات الإسلامية تستخدم الإعانات المالية العمومية لفتح مدارس قرآنية لتأطير الشباب ودور ثقافة وجمعيات رياضية يتم فيها غسل أدمغتهم. وأورد خبر أن بعض مقرات الشرطة في فرنسا تتلقى تهديدات يوميا خاصة منها التي تلاحق المجموعات السلفية.

«مجتمع اليقظة»
في هذا الإطار أعلن الرئيس ماكرون عن حاجة الفرنسيين العيش في «مجتمع يقظة» لا تترك فيه ملاحقة الإرهابيين لأجهزة الدولة فقط. بل على المواطنين أن يشاركوا في الحرب على الإرهاب: «مجتمع يقظة، هذا الذي علينا تأسيسه. أن نتعلم كيف نرصد الإنحرافات في مواقع العمل و في المدرسة . هذا العمل يبدأ بالموظفين الذين يخدمون الدولة. لا بد أن نتحد صفا واحدا في وجه الإرهاب.»

لكن يبقى التساؤل مطروحا. كيف يمكن للسياسي التقدمي أن يضع خطة لمحاربة الإرهاب الداخلي وهو يعتقد أنه يتحرك ضد مبادئه التي عاش عليها منذ سنين؟ كيف يمكن الالتفاف حول مشروع مقاومة الإرهاب دون المشي على خطى اليمين المتطرف الذي يشاطره نفس السياسة؟ هل يمكن لأجهزة الدولة أن تفرض «مجتمع يقظة» يشارك المواطن فيه بالتجسس على أمثاله وهو يعرف أنه يخسر في نفس الوقت شيئا من حريته الفردية و العامة؟ أسئلة بدأت النخبة الفرنسية تناقشها في أجهزة الإعلام حتى تتمكن من التوصل إلى صيغة تحمي أمن البلاد و لا تزعزع الأسس الديمقراطية التي بنيت عليها الجمهورية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا