مجموعة العشرين في قمة أوزاكا: العالـم ضد دونالد ترامب ؟

في أوزاكا (اليابان) عاش العالم على وقع المفاوضات و التصريحات المتناقضة و الخلافات بين الدول المشاركة في المواضيع العالمية الحساسة

و التي أظهرت شرخا جديدا – يضاف إلى الشروخ القديمة – والمتمثل في خلافات إستراتيجية بين البلدان الليبرالية و في مقدمتها أوروبا و عدد من البلدان التي تنظر للتخلي عن الليبرالية –التي هي ركيزة الدول الديمقراطية – و تتقدمها روسيا.

و في هذا الإطار حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض أجندته على القمة و تمرير المواقف الأمريكية المعادية لنظام الأقطاب العالمي الذي تريد الدول المصنعة توخيه بعد نهاية الحرب الباردة. لكن الدول الأوروبية تمكنت، بعد مفاوضات عصيبة، من توحيد 19 دولة ساندت البيان الختامي لدعم اتفاق باريس كوب 21 لحماية المناخ و إصلاح منظمة التجارة العالمية التي شلها قرار واشنطن عدم تقديم أي نائب لها. حصيلة ضئيلة مقارنة بالمواضيع المطروحة على الطاولة منذ 2016.

إرتياح محتشم
و عبرت العواصم المشاركة على ارتياحها لمخرجات القمة بالرغم من حجمها المتواضع. و اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – الذي كان المحرك الأساسي لمقاومة الانعزال الأمريكي – أن «القمة منعت من الكارثة» بالرغم من رفض الولايات المتحدة الأمريكية قبول التراجع عن خروجها من اتفاق باريس. لكن التفاف الدول المشاركة حول مشروع إصلاح منظمة التجارة العالمية يفتح الباب أمام مفاوضات متعددة الأطراف يمكن استغلالها لتسوية الخلافات التجارية العالقة بين الولايات المتحدة و الصين و أوروبا واليابان والهند وغيرها من البلدان المصنعة.

وتمكن الثلاثي الفرنسي – الصيني– الأممي في جلسة خاصة يوم 29 جوان من تدعيم وحدة الصف تجاه واشنطن وعبر عن «الالتزام القوي لدعم التعاون الدولي حول التحول المناخي وضمان تطبيق كامل و ناجع لإتفاق باريس». وهذا لم يمنع التصريحات الفضفاضة حول مقاومة الاحتباس الحراري و العمل على تحرير المرأة من قبل دول أصبحت تشكك في المبادئ السامية الدولية التي تأسست حولها المنظومة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.

شرخ جديد بين الليبراليين والمقاومين لليبرالية»
أول من أطلق حملة التشكيك في المبادئ الدولية الداعمة للديمقراطية هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، و ذلك في حوار نشرته جريدة «فاينانشل تايمز» يوم 28 جوان، اعتبر فيه أن المبادئ الليبرالية «أصبحت نافذة الصلاحية» وقدم دعما لمواقف ترامب حول الهجرة قائلا في إشارة نقدية للمستشارة أنجيلا ميركل «إن المهاجرين يقومون بعمليات القتل و النهب و الاغتصاب ويفلتون من العقاب من جراء حماية حقوقهم». إظهار «تقارب» بين أطروحات ترامب و بوتين يهدف إلى دعم المقاومين لليبرالية التي هي إحدى ركائز الأنظمة الديمقراطية في الغرب. معاداة الليبرالية – ليس على المستوى الاقتصادي فقط – تعني التخلي عن احترام حقوق الإنسان.

و رد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك على تصريحات بوتين بالرفض القاطع: « من يعتبر أن الديمقراطية التقدمية أصبحت نافدة الصلاحية يقول في نفس الوقت أن الحريات أصبحت نافدة الصلاحية و أن حقوق الإنسان كذلك». و أضاف موضحا الموقف الأوروبي من تصريحات الرئيس الروسي: «بالنسبة لنا في أوروبا، هي مبادئ أساسية وحية» مضيفا أن «النظام التسلطي و تقديس الأشخاص وقانون الأقلية هي التي نفدت صلاحيتها بالرغم من أنها تبدو ناجعة أحيانا». الموقف الأوروبي أكد مرة أخرى انقسام الدول العظمى حول المسائل العالقة على الساحة الدولية مثل الملف الإيراني ومسألة المناخ والحرب الاقتصادية والتوازنات الدولية وسياسة العقوبات المتبعة من قبل الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي.

فشل أمريكي على كل الأصعدة
مع أن القمة لم تفض إلى قرارات وإعلانات حاسمة فإنها كرست فعليا تقهقر الدور الأمريكي و تماسك الشق الأوروبي. ذلك بان بالواضح في تماسك القمة في خصوص العمل البيئي و رفض البرازيل و العربية السعودية و تركيا إتباع القرار الأمريكي على حساب مصالحهم القومية. تراجع دونالد ترامب عن فرض عقوبات إضافية على الصين و دخول واشنطن في منطق التفاوض مجددا جسم حجم اخفاق دونالد ترامب في فرض أجندته على باقي العالم.

و اتضح ذلك خلال لقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أكد تمسك بلاده بصفقة الصواريخ الروسية «إس-400»التي تعارضها واشنطن. و لم يحرك ترامب ساكنا أمام القرار التركي بل لم يتوعد – كما هي العادة عنده – بفرض عقوبات على شريك أساسي في منظمة الحلف الأطلسي. تراجع الموقف الأمريكي يعني ضرورة نجاح بوتين في تقدم بيادقه المتعددة في الشرق الأوسط.

الملف الثالث الذي أخفق فيه دونالد ترامب هو شن الحرب على إيران. و إن صرح قبل القمة أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تدخل في حرب مع إيران فإن الملاحظين كانوا يتوقعون تراجعا في موقف ترامب على ضوء أجندته للقمة. و لم يتمكن حتى من جلب مساندة الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو في شأن اتفاق باريس و ذلك علما وأنه صرح نيته الخروج من ذلك الإتفاق.

عدم قدرة «القوميين» على فرض أجندتهم على القمة أعطى للشق الليبرالي الأوروبي مساحة تتنفس فيها الدبلوماسية من أجل الرجوع ثانية بمقترحات للقمة المقبلة التي تأكد نهائيا أن المملكة العربية السعودية سوف تحتضنها في العاصمة الرياض في نوفمبر 2020. ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حظي باستقبال «عادي» ، و بحفاوة من قبل دونالد ترامب، بالرغم من اتهامات منظمة الأمم المتحدة له في ملف اغتيال الصحفي جمال خاشقجي على يد عصابة موت تعتقد المنظمة أنها تحركت بطلب مباشر من بن سلمان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا