بريطانيا تحتفل بمرور 70 عاما على اعتلاء الملكة إليزابيت الثانية لعرش بريطانيا العظمى

يحتفل الشعب البريطاني هذا الأسبوع لمدة أربعة أيام باليوبيل البلاتيني لمرور 70 عاما على اعتلاء الملكة إليزابيت الثانية لعرش بريطانيا العظمى يوم 6 فيفري 1952

إثر وفاة أبيها الملك جورج السادس. وتعتبر هذه أطول مدة ملكية في تاريخ بريطانيا العظمى، تأتي في ثاني مرتبة في العالم بعد ولاية لويس الرابع عشر الذي حكم فرنسا مدة 72 عاما.
وتتمتع إليزابيت الثانية بفضل نظام الكومنويلث بلقب «ملكة» كندا وأستراليا ونيوزيلندا وهي اليوم على رأس 15 دولة من بلدان الكومنويلث، تلك التي لم تختر النظام الجمهوري. منذ 1952 وقد عاصرت إليزابيت الثانية 14 وزيرا بريطانيا من بينهم سياسيون من اليمين مثل وينستون شيرشل ومرغرات تاتشر ومن اليسار مثل هارولد ويلسن وطوني بلير. وتعاملت في الجملة في مدة 70 عاما من الحكم مع 170 رئيس حكومة في كل البلدان التابعة لها. وهو رقم يدل لوحده على عمق الخبرة السياسية والدبلوماسية التي تتمتع بها الملكة والعلاقات المتميزة التي تربطها شخصيا بالشعوب التابعة لها.
تاريخ الملكة إليزابيت الثانية حافل بالأحداث والأزمات التي تخللت حياتها السياسية. فشهدت الملكة حرب الملوين التي خاضتها بريطانيا ضد الأرجنتين وكذلك الحرب ضد العراق في 1991 وفي 2003 والحرب ضد أفغانستان. وكانت لها علاقة مع جنوب افريقيا العنصرية ومع نيلسن منديلا عند بلوغه رئاسة الجمهورية. ويتذكر التونسيون زيارتها لتونس والخطاب الذي ألقاه الرئيس بورقيبة أمامها وهو يروي باكيا محن الاستعمار التي لاقاها. حياة حافلة بالمسارات المختلفة يحتفل بها البريطانيون في جو يختلط فيه التمسك بالمؤسسة الملكية وحب التغيير.
صمود رغم فضائح عائلة وندزر المتعددة
تعتبر عائلة وندزر المالكة أكبر العائلات ثراء في بريطانيا. وتقدر ثروتها بأكثر من 20 مليار جنيه إسترليني. وهي تتمتع بملكية القصور القديمة والمباني الكبرى في العاصمة لندن وفي اسكتلندا وعدد من المزارع. وتقدر المستحقات الشخصية للملكة بحوالي 500 مليون دولار. لكن هذا الثراء فتح الباب أمام انتقادات حادة من قبل السياسيين والإعلاميين والفئات الضعيفة من الشعب البريطاني الشيء الذي جعل الملكة إليزابيت الثانية تقرر، على اثر حريق قصر وندزر عام 1992 والذي كلف ترميمه 40 مليون جنيه، دفع الضرائب على الدخل ككل البريطانيين ابتداء من عام 1993. لكن هذه الخطوة وإن ساعدت على صمود النظام الملكي أمام الانتقادات لكنها لم تتمكن من صد الفضائح المتتالية داخل العائلة.
عام 1992 شهد طلاق الأمير ادوارد من سارة فرغيسون والأمير شارلز من الأميرة ديانا ومسلسل الخيانات الزوجية المنشورة على أعمدة الصحف البريطانية. وتفاقمت الأوضاع مع وفاة ديانا في حادث مرور في باريس. وعاشت العائلة تقلبات أخرى مع زواج الأمير شارلز بعشيقته المطلقة كاميلا باركر بولز. ولم ينته بعد المسلسل باندلاع فضيحة الأمير اندرو الجنسية في الولايات المتحدة الأمريكية اين نشرت ضده قضية جزائية. وآخر المستجدات اقصاء الأمير هاري، ابن الأميرة ديانا، من العائلة المالكة بعد زواجه من ميغان ماركل ونشره تصريحات تنتقد تصرفات بعض أفراد العائلة واتهامهم بالعنصرية. لكن البريطانيين في أغلبيتهم يفرقون بين الملكة التي لها وضع خاص في قلوبهم وعائلة وندزر التي شهدت في جل أطوار حياة أفرادها فضائح مختلفة.
انموذج الديمقراطية البرلمانية والملكية الدستورية
يبقى طول عهد الملكة إليزابيت الثانية وصمودها أمام الأزمات عربونا لنجاح أنموذج الملكية الدستورية في إرساء أعرق نظام ديمقراطي في العالم. وسوف يسجل التاريخ الأثر الإيجابي للملكة في ضمان استقرار الدولة مع تغيير الحكومات ومواكبة التقلبات السياسية التي عاشها الشعب البريطاني وحكمها بأسلوب ديمقراطي ضمن التناوب السلمي على السلطة وفرض الحريات الفردية والعامة على الحكام بمختلف عائلاتهم الفكرية. وتعطي بريطانيا اليوم للعالم درسا في نجاح الديمقراطية البرلمانية في ارساء دولة القانون وضمان الحريات والحقوق وذلك في بلد ليس له دستور يحكمه، بل ضمير جماعي هو القاسم المشترك للعيش في نظام يحمي الأشخاص ويحافظ على كرامتهم أولا وقبل كل شيء. وإن عاشت الملكة إليزابيت الثانية فترات حرجة تفاقم فيها الشعور بتزايد رفض النظام الملكي فقد وجدت الكلمات والأسلوب التي مكنت من دعم الروابط التقليدية بين شخص الملكة ورمز الدولة وحياة الشعب البريطاني لتبقى مؤسسة الملكية فوق كل اعتبار.
انخفاض بريق الجمهورية
مع قرب النهاية يتساءل الاعلام البريطاني على مصير النظام الملكي مع قرب صعود الأمير شارلز على عرش بريطانيا العظمى. وهو الشخصية التي لا يرغب فيها 50% من الشعب حسب آخر استطلاع للرأي قامت به مؤسسة «يوغوف». ورجع على السطح مشروع تخلي الملكة على الحكم لفائدة حفيدها ويليام مباشرة. وهو سيناريو يصعب تأكيده لما عرف عن الملكة من استبعادها فكرة التخلي عن الحكم. وتبقى السيناريوهات في شأن اسم خامس ملك من عائلة وندزر قائمة مع التأكيد أن نظام العرش الحالي يمكن شارلز من خلافة أمه ولو أن الرأي العام لا يرغب في ذلك.
نظام المملكة الدستورية المرتبط بالديمقراطية البرلمانية يضع دائما حاجزا بين رغبة الشعب واستمرار النظام الملكي. فإن السيادة الشعبية تتجسد في صندوق الاقتراع الذي يمنح للحكومة والبرلمان سلطة شبه مطلقة. لكنه في نفس الوقت يعطي للنظام الملكي، وخاصة للعائلة المالكة، استقلالية عن الحياة السياسية بدون عزلها عن الشأن العام. في نهاية المطاف يمكن القول أن الملكة إليزابيت الثانية نجحت في دعم استقرار البلاد بالرغم من تأرجح البريطانيين بين التمسك بالملكية والرغبة في الانتقال إلى نظام جمهوري. فبعد صعود الرغبة للتغيير في أواخر القن الماضي، أخذ الشعور بالتغيير يتقلص. وأشارت دراسة أخرى لمؤسسة «يوغوف» أن 62% من البريطانيين متمسكون بالنظام الملكي في حين 22% فقط يرغبون في إقامة جمهورية. وهي أرقام تدل على تدني الرافضين نسبة لما كانت عليه الأوضاع من قبل. يبقى مستقبل المملكة مرتبط دائما بشخص الملك أو الملكة في غياب سلطة حقيقية. أما مستقبل البلاد فهو في يد الشعب الذي يديره بطريقة ديمقراطية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا