تونسيون في داعش دراسة جديدة تجيب عن سؤال من هم وكيف التحقوا بالتنظيم: جيل القاعدة أصل الحكاية ...

• الترويكا تساهلت مع التكفيريين
• 2900 التحقوا بالتنظيم 46 باتوا أمراء

لاتزال محاولات فك رموز ملف التونسيين في داعش متواصلة، وآخرها الدراسة التي أعدها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والتي كشفت عن عدة نقاط جديدة في هذا الشأن، أبرزها كيف تشتغل شبكات التسفير وماهو موقع التونسيين في التنظيم وأدوارهم وما هي العلاقة بين جيلين من المتشددين التونسيين، الأول عاصر القاعدة سواء في أفغانستان أو العراق والثاني هو «جيل داعش».

في العاشر من ديسمبر الجاري نظم معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى ندوة لتقديم دراسته الجديدة التي اعدها هارون ي. زيلين وتعلقت بملف التونسيين في تنظيم داعش الإرهابي، وقد شارك في تقديم هذه الدراسة السفير الأمريكي السابق بتونس جاكوب واليس الذي اعتبر ان الدراسة تجيب عن سؤال «لماذا ينحدر الكثير من المقاتلين الأجانب من تونس؟».
مراحل معالجة الحكومات التونسية لملف التكفيريين

المقاتلون الاجانب المقصودون في كلمة واليس هم التونسيون في تنظيم داعش بالعراق وسوريا، الذي اعتبر ان الدراسة قدمت تفاصيل هامة عنهم كانت كافية لسد عدة ثغرات في فهم والاجابة عن سبب العدد الكبير من التونسيين الملتحقين بداعش أو من حاولوا الالتحاق به. دون ان يغفل السفير عن الاشارة الى ان تونس تمر بانتقال ديمقراطي.
حيث اعتبر واليس أنّ الثورة أدت لتطورات سياسية كبرى مهدت الأرضية لبروز التيار الجهادي في تونس، وأول التطورات كان العفو التشريعي العام الذي أدى إلى إطلاق سراح عدد من المتشددين الذين وصفهم بـ«الخطرين»، مقابل مرور اجهزة الامن بفترة انتقالية قلصت من فاعليتها ومن قدرة الدولة على التعامل مع ملف الجهاديين/التكفريين بشكل عام.
ليشير هنا إلى ان حكومة الترويكا «تسامحت» في الاول مع انشطة التيارات السلفية، مما ينضاف للعوامل المساعدة على تشكل جماعات متطرفة قامت بتجنيد أفراد وتسهيل سفرهم إلى ليبيا وسوريا والعراق وتنظيمها في النهاية هجمات داخل تونس.
قبل ان يكشف واليس عما وصفه بمراحل تعامل الحكومات التونسية مع ملف التكفيريين، وقد قسمها الى اربع مراحل. الأولى تمتد من 2011 إلى سبتمبر 2012 حيث سمح في هذه الفترة لتنظيم أنصار الشريعة وغيره من الجماعات المتطرفة بالنشاط العلني وتنظيم صفوفها والقيام بالاستقطاب، بل وارسال تونسيين الى سوريا للمشاركة في الحرب الدائرة هناك في صفوف الجيش السوري الحر.

اما المرحلة الثانية التي تمتد من نهاية 2012 الى غاية 2014، فقد اعتبرها مرحلة ادراك الحكومة التونسية لحجم المشكل الذي تواجهه، بعد ان شرعت هذه الجماعات المتطرفة في تنفيذ عمليات في تونس انطلاقا من احداث السفارة الامريكية ومن عمليتي اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
مرحلة الادراك تعقبها مرحلة التصدي، التي انطلقت في نهاية 2014 واستمرت لغاية 2015، مع حكومة المهدي جمعة الذي اكد واليس ان جمعة عزز التعاون مع الولايات المتحدة الامريكية ودول اخرى في ملف مكافحة الارهاب، وهذا ساعد على تحسين قدرات الامن التونسي في مواجهة الارهابيين.
أما المرحلة الرابعة وتتقاطع مع المرحلة الثالثة في موعد انطلاقها وهو 2014 وتمتد لغاية الان، فهي البحث عن طريقة للتعامل مع ملف العائدين من بؤر التوتر، والجدل الذي رافق هذا الملف الذي اعتبر ان الحكومة لم تعالجه بشكل كاف من خلال اعتمادها على الحل الأمني.

تدفق التونسيين إلى داعش الإرهابي
المهم في هذا الحدث لم يقتصر فقط على الندوة التي قدمت بعض الملاحظات وجزءا من الدراسة، بل كان نشر الدراسة كاملة، يوم الاثنين الفارط على موقع المعهد، حيث تناولت الدراسة تقريبا كافة ابعاد الملف، من جيل «افغانستان» وصولا الى ما بعد الثورة التي كشفت الدراسة ان الحكومات التونسية بعد الثورة فضلت اتباع نهج جديد مع التيار السلفي.
هذا النهج سمح لتيارات السلفية بشتى انواعها قبل ان يتغير الوضع انطلاقا من اوت 2013 تاريخ تصنيف انصار الشريعة كتنظيم ارهابي.

هذا التصنيف تكشف الدراسة انه أدى الى ارتفاع عدد التونسيين الملتحقين بجماعات ارهابية خارج تونس، وخاصة بسوريا والعراق، حيث بلغ عدد الملتحقين في الفترة ما بين اوت 2013 ونهاية 2014 حوالي 2100 شخص، وهذا التدفق تزامن مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق قبل ان يعلن عن الخلافة في 2014.
لكن هذا ليس لب الدراسة التي كشفت عن معطى هام، يتعلق بدور جيل القاعدة في تنامي عدد التونسيين في العراق وسوريا، حيث يصل العدد إلى 2900 شخص، قتل منهم 552 إلى غاية مارس 2018، وعاد إلى تونس 970 شخصا على دفعات انطلاقا من 2013.
هذه الأرقام تنسف بشكل رسمي فرضيات سابقة عن عدد التونسيين في تنظيم داعش.

كما تنسف الدراسة عدة فرضيات اخرى تتعلق بهوية التنظيمات التي يلتحق بها التونسيون في العراق وسوريا، ليكشف ان الوجهة الاولى للتونسيين كانت الجيش الحر قبل ان تصبح جبهة النصرة هي الحاضنة الأساسية لهم الى حين الاعلان عن الدولة الاسلامية، وما عقب ذلك من انشقاق التونسيين عن النصرة والتحاقهم بداعش اثر الإعلان عن وجودها في سوريا أفريل 2013، لكن مع ذلك استمر تواجد التونسيين في صفوف 15 فصيلا مسلحا في سوريا.

كما تكشف الدراسة عن وجود تونسيين من مزدوجي الجنسية او المقيمين في دول اخرى، التحقوا بداعش مباشرة من دولهم. وهؤلاء ابرزهم التونسيون القادمون من فرنسا، وهم 16 شخصا، يليهم القادمون من المانيا وهؤلاء اربعة، فيما تشترك الدنمارك والسويد والنمسا وبريطانيا بان كلا منهم ممثل بشخص.
والامر لا يقتصر على الدول الاوروبية بل العربية والآسيوية، وهؤلاء من بينهم 2 كانا يقيمان بليبيا ومثلهما في السعودية فيما التحق تونسي يقيم بالبحرين او الشيشان او افغانستان او باكستان بالتنظيم من هذه الدول. هذه المجموعة 32 لم تبين الدراسة مصيرهم او اين هم، مثلما بينت مصير 552 تونسيا قتلوا في الحرب سواء بالعراق او سوريا، وكشفت عن موقع موتهم، والتنظيم الذي انتسبوا إليه وماتوا وهم يقاتلون تحت رايته.ويبرز هنا تنظيم داعش، اكثر تنظيم مات تونسيون تحت رايته، وخاصة في الساحل السوري الذي شهد ما اطلق عليها «عملية تطهير الساحل» من قبل تنظيم الدولة الارهابي.

انشقاق برعاية جيل القاعدة
انشقاق التونسيين عن جبهة النصرة، وان كان عدد من التحقوا بالجبهة غير معلوم في ظل عدد إجمالي يقدر بـ800 شخص التحقوا بمختلف الفصائل والتنظيمات في تلك الفترة ابرز دور الجيل القديم من المتشددين التونسيين، جيل عاصر حرب أفغانستان وامتد ليعاصر حرب العراق في 2003 هذا الجيل اشرف جزء منه، وخاصة من نشط مع الزرقاوي في فترة ما بين 2003 و2006، على عملية الانشقاق عن جبهة النصرة وتوجيه الملتحقين الجدد الى داعش الارهابي مباشرة.

والنجاح في هذا مرده احتكام هذا الجيل على شبكة الخدمات اللوجستية والتسفير، وهنا تبرز أسماء عدة ومن أهمها اسم أبو عمر التونسي، وهو طارق الحرزي، الذي كان مسؤولا عن الخدمات اللوجستية وشبكة تسفير التونسيين الى العراق بعد الغزو في 2003 وبات المشرف الرئيسي عن عملية تسفير التونسيين الى سوريا انطلاقا من 2012.
طارق او كما يكنى بأبي عمر التونسي، نشط في شبكته مع افراد اخرين على ما يبدو كان دورهم تسهيل عملية الانتقال من تركيا الى سوريا، وهؤلاء قدمت الدراسة كناهم، وهم أبو محمد التونسي ، أبو العباس التونسي ، أبو عبيدة التونسي ، أبو دجانة التونسي ، أبو سعيد التونسي ، أبو بندر التونسي وأبو زيد التونسي وأبو حمزة التونسي.

هؤلاء الثمانية إضافة لطارق، ابو عبد الله التونسي، كانوا العصب الرئيسي لشبكة التسفير، خارج تونس، اما في التراب فقد تعددت الشبكات والوسطاء، ولكن ابرزهم كانوا من الجيل القديم، ممن قاتل في وقت سابق في افغانستان، وهنا تكشف الدراسة عن ان مخيما تونسيا اسس هناك عن طريق ثمانية تونسيين. برز بعضهم لاحقا كقادة صف أول ومساعدين شخصيين لبن لادن ولأيمن الظواهري، على غرار التونسي الذي أوفده الظواهري لابو بكر البغدادي في 2014 لحل الخلافات بينهم.

أدوار ومناصب في التنظيم
بقاء ولاء جزء من الجيل القديم للتنظيم الأم يقابله نقل اخرين لولائهم الى داعش، وابرز هؤلاء من التحق بالتنظيم منذ 2003، حيث كشفت وثائق سنجار التي استهدت بها الدراسة عن وجود اكثر من 30 تونسي التحقوا بتنظيم القاعدة ببلاد الرافدين، واستمر انتساب من ظل منهم على قيد الحياة للتنظيم في كل مراحله وتغيرات اسمه.
انتساب مبكر سمح لهم مع بروز تنظيم الدولة الاسلامية بقوة ان يشغلوا مناصب قيادة عدة، على غرار ابو حاتم التونسي مبعوث البغدادي الى مالي، وهو ما سمح لاحقا لافراد من الجيل الجديد بشغل مناصب قيادية ايضا، سواء في المعسكرات التدريبية او في الهيئات المدنية او الدينية التابعة لتنظيم داعش الارهابي.

هذا التنظيم الذي صنف الوافدين اليه وفق مؤهلاتهم، حرص على الاستفادة من العناصر التونسية، حيث وجه جزءا هاما منهم إلى أنشطة غير قتالية بالأساس، فوجه جزءا منهم الى الانشطة الدعوية والتعليمية، التي برز فيها اسم ابو وقاص التونسي كأحد أشهر اوجه الدعوة في تنظيم داعش.
ولكن ابرز المواقع التي شغلها التونسيون في التنظيم، كان مسك جهاز الامن الخارجي له، او الاستعلامات، التي اشرف عليها ابو عبد الرحمان التونسي، الذي شغل ايضا خطة امير الرقة، وجند عشرات من التونسيين في صفوف جهازه الذي كلف بجمع المعطيات عن المناطق المراد استهدافها.
كما نشط التونسيون في ديوان الحسبة، جماعة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضا في الأعمال الإدارية بل وفي المشاريع الحربية التي أطلقها التنظيم ومنها مشروع الطائرات دون طيار، حيث يبرز اسم فاضل مينسي المكنى بأبو يسري التونسي كأحد مطوري هذا المشروع.
وهنا لم تغب التونسيات ايضا عن شغل مناصب في الصفوف الأولى، فلواء الخنساء، كان تحت إشراف تونسية تكنى بأم ريان، وهذا اللواء اهتم بالنساء في التنظيم وكل ما يتعلق بهن، من تدريس وتربية وتوجيه، بل وتزويجهن من مقاتلين.

الدراسة تكشف عن ادوار عدة لعبها التونسيون في تنظيم داعش الارهابي، منها الاشراف على عمليات التعذيب وشغل مناصب نائب الوالي او رئيس جهاز ما يتبع الدولة حيث بلغ عدد التونسيين من قادة الصف الاول في داعش حوالي 45 شخصا، شغلوا مراكز هامة في التنظيم الارهابي.

وشغل المناصب القيادية ليس مقتصرا على تنظيم داعش فمع جبهة النصرة ايضا شغل 21 تونسيا مناصب قيادية فيها، بعضهم ظل في موقعه وبعضهم غادره مع الانشقاق، والامر ذاته مع تنظيمات اخرى، كحركة أحرار الشام او جيش محمد او أنصار الشام، حيث يبرز اسم تونسي في الصفوف الأولى لهذه الجماعات المتشددة.
هذه الدراسة ابرزت عدة نقاط أساسية سواء المتعلقة بكيفية معالجة الحكومات لملف المتشددين او خصائص هؤلاء دورهم وعددهم وشبكات التسفير والعلاقة بين الجيل القديم والجديد من المتشددين التونسيين لكنها كشفت بشكل مباشر عن عجز المعالجة الأمنية في معالجة هذا الملف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا