10 محطات في الذكرى العاشرة للثورة التونسية: - VIII- ثورة الصناعات الثقافية

نفاخر في تونس – ويحق لنا ذلك- أننا الديمقراطية العربية الوحيدة رغم نقائصها ونقائصنا العديدة ، وأن منسوب الحرية لدينا لا نظير له في منطقتنا ..

ولكن هل تمكنّا من توظيف هذه الحرية وتحويلها إلى فرص جديدة للتنمية وللنمو؟
قد يبدو هذا السؤال غريبا إلى حدّ ما إذ أن العلاقة المباشرة بين الحرية والتنمية والفرص الاقتصادية ليست دائما بالوضوح الكافي ..ونحن في تونس عادة ما نفصل بين الانتقال السياسي والانتقال الاقتصادي بما قد يوحي أن هنالك فصلا واضحا بين البعدين .
ولكن لو حاولنا أن نعرّف الأبعاد العملية للحرية وللديمقراطية لتبيّن لنا أن هنالك طريقا لم نسلكه بعد وهو تحويل هذه الحرية الفعلية إلى ممكنات اقتصادية جوهرية بإمكانها الإسهام الفعلي للارتقاء في سلم القيم الاقتصادية .
الحرية بما هي حرية التفكير والتعبير والخلق والإبداع قاعدة أساسية لكل نشاط ثقافي وهي كذلك شرط أساسي لخلق صناعات ثقافية قادرة على الإشعاع الإقليمي عربيا وإفريقيا ومتوسطيا.
الصناعات الثقافية والإبداعية عنصر أساسي في اقتصاديات جلّ الدول الغربية فهي تناهز أحيانا عُشر الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول الأوروبية وتشغل في المعدل أكثر من %3 من السكان النشيطين في دول الاتحاد الأوروبي .
قد يبدو للوهلة الأولى أن الإنتاج الثقافي -نظرا لطبيعته الإبداعية- هو أقرب منه إلى الصناعات الحرفية ..وهذا قد يصح على بعض الأنشطة الثقافية ولكن نشاطات عديدة هي اليوم صناعات بأتم معنى الكلمة كصناعات الكتاب والموسيقى والسينما والألعاب الالكترونية وغيرها .
إن أهم عائق أمام تطور الصناعات الثقافية لا يكمن في الاستثمارات أو السوق بل في القيود السياسية والمجتمعية أيضا على الإبداع الثقافي وهذا ما حرم تونس منذ حوالي ثلاثة عقود من التحول إلى قطب للصناعات السينمائية نظرا للضغوط الرقابية .
عندما نتحدث عن صناعة الكتاب فنحن لا نقصد فقط الإنتاج للسوق المحلية بل نقصد تحويل تونس إلى قطب إقليمي لصناعة الكتاب ولكل مهنه مستغلين في ذلك مناخ الحرية وقربنا من الأسواق العربية والمتوسطية والإفريقية .
تحويل الكتاب إلى صناعة يعني أن نجعل من تونس قبلة لحركة النشر والطباعة والترجمة والتأليف العربي والمتوسطي والإفريقي وألا يقتصر ذلك فقط على الكتاب الإبداعي بل وأيضا الكتاب المدرسي وشبه المدرسي وان نوفر أفضل الأسعار للطباعة والنشر والتوزيع وان نعتبر أننا نتحرك في سوق تناهز ملياري نسمة وان نركز في البداية على الطباعة والنشر والتوزيع .
يمكن أن نفكر في مدن كاملة للصناعات الثقافية ،مدن تتركز فيها المؤسسات والمصانع ومدارس التكوين لمختلف مهن الكتاب أو السينما أو الموسيقى من مطابع وستوديوهات تصوير أو تسجيل وان تشجع وزارة الثقافة أو هيئة عمومية محدثة للغرض كل الشراكات الممكنة مع دور النشر العربية والأوروبية والإفريقية لكل أصناف الكتب العلمية والدراسات الإنسانية والقصة والشعر والكتب المدرسية وشبه المدرسية والمجلات الدورية المختصة وقبل ذلك لابد من إطار قانوني يمنح تسهيلات جمة للاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية والترفيهية وأن تهيئ الدولة كما قلنا لا فقط مناطق صناعية بل مدنا بأسرها يتمركز فيها نشاط ما ثم ندعم نشاط الترجمة لمختلف الإبداعات الفكرية والأدبية من كل اللغات نحو اللغة العربية وأن نقوم بتفعيل جدي للشراكة بين القطاعين العام والخاص كلما كان النشاط المقصود ( كعملية الترجمة الواسعة مثلا ) يستدعي تمويلات ضخمة وعمليات تشبيك على الصعيد الإقليمي قد لا يستطيع تحملها القطاع الخاص لوحده .
نحن لا نتحدث عن استراتيجيه اقتصادية فحسب – رغم الأهمية البالغة لهذا البعد في حدّ ذاته – بل أيضا نقصد مع ذلك إلى تنمية إستراتيجية لتشجيع الإنتاج الثقافي الوطني ولترويجه داخليا وخارجيا ولتوفير شروط تنافسية الاقتصادية كذلك .
قد يعتقد بعضهم أن زمن الكتاب قد ولى وانتهى وأنه من العبث التفكير في صناعة ثقافية للكتاب ..
نقول لكل هؤلاء ان صناعة الكتاب في الاتحاد الأوروبي هي أهم الصناعات الثقافية وأن رقم معاملاتها يصل إلى حدود 40 مليار يورو (أي أكثر من الناتج المجلي الإجمالي التونسي) وأنها تشغل حوالي 600.000 شخصا وأن الاتحاد الأوروبي ينتج زهاء نصف مليون عنوان سنويا..
نعتقد جازمين أن تونس يمكن لها أن تفتك جزءا من هذه السوق عندما تكون قادرة على طباعة الكتب بنفس مقاييس الجودة الأوروبية وبكلفة أكثر تنافسية لا فقط في الطباعة بل وكذلك في الترويج والتسويق .
ويكفي هنا أن نكون نقطة عبور فعالة (أي تصنيع وترجمة وتوزيع) نحو إفريقيا وأن نكون كذلك منصة للكتاب التونسي والمغاربي نحو الشرق والكتاب المشرقي نحو دول المغرب العربي .
ثم عندما تكون لدينا القوة الاقتصادية الدنيا في سوق الكتاب الإقليمي نستطيع أن نترجم بصفة مكثفة أهم الأعمال الفكرية والأدبية للكتاب التونسيين إلى ابرز اللغات العالمية وأن نقوم بشراكات مع أهم دور النشر الأجنبية ..
وكل ما قلناه عن الكتاب يصدق أيضا على صناعة الموسيقى والسينما والألعاب الالكترونية ولكل نشاط ثقافي وإبداعي مهيئ للتحول إلى صناعة .
ويمكننا أن نطلب من كل المتدخلين غدا في هذه الصناعات الثقافية والذين استفادوا من الدعم العمومي النشيط أن يخصصوا جزءا من مرابيحهم لدعم كل الأنشطة الثقافية الأخرى غير القابلة للتحول الصناعي كالمسرح والرسم والنحت وغيرها والغاية من كل هذا أن يصبح المنتوج الثقافي والإبداعي أمرا مشاعا متاحا لجلّ التونسيات والتونسيين .
إن بعث صناعات ثقافية بهذا الحجم ليس حلما طوباويا بل هو في عمق المشروع المجتمعي الديمقراطي وأحد عناصر المنوال التنموي الجديد وهو علاوة على كل هذا تحويل زخم الحرية الذي أنتجته الثورة إلى خلق وإبداع وصناعة وارتقاء في سلم القيم وتشغيل لمئات الآلاف من التونسيات والتونسيين .
طبعا كل هذا يحتاج أولا وقبل كل شيء إلى دولة مخططة تسهر على حسن تسيير الآني وتفكر في الأجيال والعقود القادمة.

(يتبع)
IX- اللحظة الشعبوية

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا