الوضع في الكامور وفي الحوض المنجمي: كلّنــــا مسؤولـــــون !

يبدو أن بلادنا أصبحت لها علاقة دائمة مع الأزمات، إذ لم نقنع في تونس بأزمة عالمية اقتصادية واجتماعية كتلك التي ستخلفها أزمة الكوفيد

فأضفنا إلى الأزمات أزمات سياسية والآن توقف عندنا انتاج الفسفاط وجزء هام من المحروقات تبعا للاحتجاجات الاجتماعية في منطقة الحوض المنجمي والكامور ..

من المسؤول عن هذه الوضعية السريالية والتي تزيد في تعقيد وتعفين أزماتنا السابقة؟

لابد من الاعتراف بأننا كلنا مسؤولون ولو بدرجات متفاوتة بداية بكل حكومات ما قبل الثورة وما بعدها والتي لم تتمكن من استباق الأزمة ومن تنويع الآلة الإنتاجية في هذه المناطق فتحولت هذه الموارد الطبيعية المحدودة نسبيا إلى مصدر توتر واضطرابات وأضحت منذ عشرية عالة على اقتصاد البلاد بدلا من أن تكون التنفيسة الضرورية. والمسؤولية كذلك ملقاة على كل حكومات ما بعد الثورة ونخبها خاصة لأنها ادعت بأنها تملك حلولا جديدة لهذه المعضلة فلم نر منها سوى المسكنات والحلول المضرة بالاقتصاد وبالنمو كهذه الوظائف الوهمية بعشرات الآلاف في شركات البيئة والبستنة والغراسة حيث لا بيئة ولا بستنة ولا غراسة ..

والمسؤولية الأكبر لكل تلك النخب في الحكم والمعارضة والنقابات والإعلام والمجتمع المدني التي ما فتئت توهم نفسها ومواطنيها بضرورة «منوال تنموي جديد» دون الوعي بشروط الارتقاء في سلم القيم وان هذا المنوال الجديد يتطلب إصلاحا جذريا للمنظومتين التربوية والتكوينية ولحوكمة مختلفة للإدارة ولتحرير كل الطاقات وانه لا يعني مطلقا توزيع ثروة لم تخلق بعد بل هو شرط ضروري لخلق قيمة مضافة عالية وأن هذا يستوجب المزيد من العمل والإنتاج وتحسين كل عوامل الإنتاجية ..

هذا التبشير المضلل بمنوال تنموي جديد دون وعي بشروطه الموضوعية وبالإصلاحات الجذرية التي يستوجبها خلق وهما قاتلا يتمثل في استهلاك الثمرة قبل البذر، فتخلفنا حتى على متاحات المنوال التنموي الحالي وتراجع أفق النمو الممكن إلى ما دون %3 (دون الحديث على أزمة الكوفيد) بعد أن كان يسمح بنمو يناهز %5 على امتداد عشريات كاملة ، لأن جل النخب التي بشرت بصفة تكاد تكون دغمائية بهذا «المنوال الجديد» تصورت بسذاجة انه سيرتكز بالأساس على توزيع الثروة بأكثر عدل لا على شروط خلق هذه الثروة والارتقاء بها في سلم القيم ..

وما نتج عن هذه الأوهام التي ساهمت فيها جل النخب الفاعلة سياسيا ونقابيا وجمعياتيا هو ترسيخ مقولة الثروات المنهوبة وان الدولة التونسية غنية ولكنها تفقر شعبها وخاصة المناطق المهمشة وأنها «تفتك» ثروات المناطق الداخلية (هكذا !) لتوزعها على المناطق الساحلية وهنا كانت المطالب مشروعة : نريد الآن وهنا حقنا من هذه الثروات في صيغة تحويلات مالية واجتماعية تعوض «النهب» الذي تعرضنا له.

وعندما يرتقي أصحاب هذه الأوهام إلى السلطة ويكتشفون زيف ما كانوا يعتقدون تراهم يرددون شعارات فارغة ويعدون مرة أخرى بما لا يملكون وتتواصل أزمة الثقة بل تتعمق إلى أن تصل إلى النتيجة المحتومة : انقطاع تام لحبل التواصل وشك مطلق بنوايا الدولة والمطالبة الفورية بالمال ولاشيء غير المال في شكل جملة من الوظائف لا يهم أن كانت فعلية أو وهمية ومن «القروض /الهبات» لتمويل الأفراد لا لتمويل مشاريع فعلية وجدية.

والإخفاق الأساسي للدولة التونسية ولكل الحكومات التي مثلتها على امتداد عقدين من الزمن هو العجز عن رسم أفق تنموية جديدة من شانها التقليص من الحجم الاقتصادي لشركة فسفاط قفصة وللشركات البترولية في الجنوب التونسي كأن نجعل من صحرائنا منبعا أساسيا لخلق الطاقة الكهربائية بفضل الطاقة الشمسية.
تصوروا لو قمنا في إطارات شراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص المحلي أو الأجنبي في بعث محطات ضخمة للطاقة الشمسية وما يتبعها من صناعات داعمة كاللوحات الفوتوفلتائية وغيرها وتكوين المهندسين والتقنيين وربط هذه المحطات الضخمة بالشبكة الكهربائية الوطنية ومشروع ضخم لربطها بجنوب ايطاليا وبجارتينا ليبيا والجزائر ثم الشروع من هنالك في

بداية الانتقال الطاقي بإعطاء الأولوية للنقل العمومي المكهرب عبر السكك الحديدية أو المترو الخفيف في المدن الكبرى حتى نستقل تدريجيا عن المحروقات ولو أنشانا محطات ضخمة لتحلية مياه البحر في الجنوب الشرقي بواسطة هذه الطاقة الشمسية وأحدثنا المعاهد العليا ومعاهد التكوين لكل هذه المهن الجديدة ونظيرتها في الفلاحة البيولوجية بفضل هذا التحويل الطاقي والمائي المزدوجين ومثله في الفسفاط ابتكارا وحفاظا على البيئة وبدأنا في انجاز الفكرة العظيمة التي وضع ملامحها الأولى صديقنا الإعلامي المختار بوبكر على أعمدة «المغرب» منذ سنوات حيث اقترح بناء مدينة جديدة في قفصة ينتقل إليها سكان الحوض المنجمي حتى نفصل بين مواقع العمل وما يصاحبها حتما من تلوث ومواقع السكنى والحياة الاجتماعية والمدارس والترفيه والتجارة ومختلف الخدمات العمومية ..

هذا تكون بداية تغيير المنوال التنموي وشروط خلق القيمة المضافة المرتفعة في انتظار إصلاح جوهري لمنظومتنا التربوية يجعل التفوق المدرسي على مستوى عالمي في متناول الغالبية الساحقة من بناتنا وأبنائنا ..
فتغيير المنوال التنموي لا يعني سوى ضخ اقدار عليا من الذكاء ومن عقلانية التصرف في الموارد الطبيعية والبشرية وان ننخرط في الاقتصاد العالمي من مواقع أعلى وارفع في إنتاج القيمة .

وهذا ما لم تصارح به نخبنا المواطنين فبقيت في شعارات دغمائية تجاوزها الزمن كأن نبحث عن شركاء في جنوب آسيا لنعوض جيران الشمال ، في حين انه من مصلحتنا الوطنية مزيد توثيق التبادل مع كل الأسواق وكل المتاحات وان تكون الدولة قادرة على التخطيط لكي تغزو سلعنا وخدماتنا كل دول العالم ..
عوضا عن كل هذا اكتفينا بترديد شعارات جوفاء وبيع الوهم لشباب عيل صبره فها نحن نجني الأشواك ..ولو واصلنا على نفس النهج فستختفي كل الورود وتتكاثف الأشواك وتتصدع عناصر الوحدة الوطنية ويخبو الامل ويترك مكانه للإحباط وللعنف ..
كفى هدرا لطاقات البلاد ولثروتنا الوحيدة الدائمة : الذكاء ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا