المنوال التنموي على طاولة النقاش من جديد

يمكن أن نقول: إن مسألة مراجعة المنوال التنموي مطروحة على الساحة الوطنية باحتشام منذ أوساط العشرية الأولى لهذا القرن ثم

زادت ألقا وقوة بعد الثورة وأضحت محلّ إجماع على مستوى الألفاظ على الأقل أي أن الجميع ينادون بضرورة تغيير المنوال التنموي ولكن كل طرف أوكل قوة اجتماعية أو مدرسية فكرية يعطي معنى خاصا لهذا المصطلح حتى تلبدت حوله الغيوم خاصة عندما أحيط بسحب إيديولوجية سميكة جعلتنا لا نتبّين حقيقة المراد تونسيا.
عندما يخلط البعض أو يمزج بين المنوال التنموي وبين نمط علاقات الإنتاج ،مما يعني أن مراجعة المنوال التنموي تعني عندهم الخروج من «النظام الرأسمالي» ولكن دون أن يقول لنا ما هو البديل؟
هل هو امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج؟ أي تأميم البنوك والمصانع والمؤسسات الاقتصادية الكبرى وترك المؤسسات الوسطى والصغرى والحرف والصنائع فقط للخواص؟ أم نهج ثالث بين الرأسمالية والاشتراكية؟ أم هو تغيير نوعي في شراكاتنا وعلاقاتنا التجارية كأن نحول وجهتنا بالكامل نحو شرق آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ونترك العلاقة التاريخية مع الاتحاد الأوروبي؟

إن طرح النقاش على هذا المستوى – وهذا هو الغالب اليوم في الضجيج الإعلامي – مضيعة للوقت وللأجر ويجعلنا نراوح مكاننا ونتفنن في خلق صراعات هووية جديدة لا علاقة لها باقتصادنا الفعلي وبحياة الناس وبالأفق الذي يمكن أن نؤول إليه ..
تغيير المنوال التنمية يعني فقط في النقاش الجدي إمكانية الارتقاء في سلم القيم أي مثلا الانتقال من إنتاج المواد الأولية أو شبه الأولية أو الصناعية البسيطة إلى المنتوجات عالية القيمة المضافة والمركبة صناعيا والمستعملة بكثافة للذكاء وللإبداع ..هذا من جهة ،ومن جهة أخرى كيف نخلق تنمية مستدامة وعادلة توفر الازدهار والرقي والتميز للغالبية العظمى من مواطناتنا ومواطنينا؟

وللتبسيط نقول بأن الارتفاع في سلم القيم هو لمن ينتقل من بيع الخشب الخام إلى بيع منتوجات الأثاث ذات القيمة المرتفعة ابتكارا ونماذج وصناعة فتنتقل قيمة المتر المكعب من الخشب من ألف دينار مثلا للخشب الخام إلى عشرات بل وحتى مئات الأضعاف من ذلك..والارتفاع في سلم القيم هذا يستوجب بالطبع إصلاحا شاملا وعميقا لمنظومتي التعليم والتكوين في بلادنا والانتقال من التعليم على المهارات البسيطة إلى ارفع المهارات والقدرات على الخلق والابتكار.
لقد وصل منوالنا الحالي إلى حدوده منذ بداية هذا القرن ليس لأنه رأسمالي بل لأنه لم يعد قادرا على إدماج خريجي الجامعات، أي الكفاءات العليا في دورته الاقتصادية ولأن الارتقاء في سلم القيم لم يحصل إلا في بعض المؤسسات والقطاعات ولم يكن سياسة إستراتيجية مخطط لها.
أما المستوى الثاني من تغيير منوال التنمية فهو مقاومة التفاوت واللامساواة الصارخة بين الفئات والجهات والأجيال والجنسين وألا نقصر الدور الاجتماعي للدولة على توزيع الإعانات أو بعض الخدمات العامة المجانية بل على إعادة خلق الشروط الموضوعية لتكافؤ الفرص الفعلي بين الجميع وذلك يبدأ حتما بالتعليم والتكوين وبثورة ذهنية كبرى تجعل النجاح في المعدل العام للقسم أو المدرسة أو نجاح جيل كامل لا في المعدل الأفضل لبعض الأفراد ..فالارتقاء في سلم القيم يعني أن نصل في وقت معقول وبعد تخطيط صارم وسليم إلى أن يكون معدل تلاميذ السنة الأولى في كامل الجمهورية من حيث المكتسبات والمهارات أرفع من المعدل العالمي ثم أرفع من معدل الدول المتقدمة وهذا ليس حلما في الفضاء بل واقع ممكن عملت عليه دول لم تكن تفصلنا عنها أشياء تذكر ككوريا الجنوبية وسنغفورا واللتين تجدان نفسيهما اليوم في طليعة كل التقييمات المدرسية العالمية على مستوى اللغات والعلوم والرياضيات ..
لقد قامت نهضة سنغفورة في السبعينات على استراتيجية وطنية للتفوق في الرياضيات،واليوم تدرس الطريقة السنغفورية في تعليم وتعلم الرياضيات في كل الدول التي تريد النهوض العلمي والتفوق فيه.

بإمكان تونس أن تبزّ سنغفورة وغيرها شرط وضع إستراتيجية وطنية ذات أولوية قصوى تجعل من التفوق المدرسي في اللغات والرياضيات والعلوم والتكنولوجيات الحديثة الرافعة الأساسية للارتفاع في مستوى القيم ولمحاربة التفاوت واللامساواة المجحفة بين المواطنين وهذا يستوجب تكوينا مختلفا بصفة جذرية للإطار المدرسي وتأجيرا لا علاقة له بالتأجير الحالي حتى ينجذب إلى التدريس وخاصة في المدرسة الابتدائية أنبغ طلبتنا في الرياضيات واللغات والعلوم والتكنولوجيات الحديثة وان نوظف أفضلهم وأنبغهم وأقدرهم في المناطق الأفقر والأقل حظوة..وان يقبل كذلك كل الإطار المدرسي بهذا الرهان الجديد وان يخرج من مناطق رفاهه وان يقبل المخاطرة والمحاسبة بمقاييس التألق القصوى.

إن تغيير المنوال التنموي والانتقال من اقتصاد ذي قيمة مضافة ضعيفة أو متواضعة إلى اقتصاد ذي قيمة مضافة مرتفعة للغاية أمر ممكن شريطة التخلص النهائي من تخشب الإيديولوجيا وان نلزم أنفسنا جميعا بإيجاد الحلول الجريئة لتقهقرنا على كل المستويات.
فتغيير المنوال التنموي لا ينبغي أن يهدف إلى انتزاع ثروات الأثرياء مادامت شرعية المنبع بل إلى جعل الثراء أفقا ممكنا لجلّ التونسيين ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا