المدرسة العمومية تستغيث: فهل من مجيب؟!

ما إن طوى مؤتمر الاستثمار أشغاله حتى عدنا إلى صراعاتنا التونسية التونسية... وجلّ هذه الصراعات ضيّق الأفق يرتهن المستقبل من أجل مكاسب أو مواقع ظرفية لا تسمن ولا تغني من جوع...

لقد عادت من جديد المعركة المزمنة بين وزير التربية ونقابتي التعليم الأساسي والثانوي وهنا لا تعنينا الشعارات المرفوعة، وبعضها لا يليق بمربينا، ولا كذلك المطالب النقابية، وجلّها مشروع باستثناء الانتداب المباشر الذي مثل كارثة بالنسبة للمؤسسة التربوية خلال هذه العقود الثلاثة الأخيرة... ما يعنينا هنا هو مستقبل المدرسة العمومية وجمهور التلاميذ الذين يؤمونها...

ما لا تدركه الوزارة والنقابات المتصارعة معها أن ثقة التونسي المهتزّة نسبيا في المدرسة العمومية زادت اهتزازا بعد الثورة وخاصة في هذه السنوات الأخيرة إلى درجة أضحى معها التعليم العمومي المجاني كمؤهل أساسي لعالم الشغل وهما لم يعد يؤمن به حتى المربون أنفسهم..

سوف لن نتحدّث عن صناعة الدروس الخصوصية التي أعطت الضربة القاضية للحدّ الأدنى من تساوي الفرص بالنسبة للتلاميذ منذ ثلاثين سنة ولا كذلك عن المعاهد النموذجية المعدة لصنع النخبة وكأن الدولة منذ تلك الفترة قد تنازلت عن خلق إمكانية التفوق داخل المدرسة العمومية العادية فأضحى التفوق لمن لم تسعفه الإمكانيات الذهنية والمادية للالتحاق بالمعاهد النموذجية هو مسؤولية العائلة أساسا والتي أنهكت منذ ثمانينات القرن الماضي إمكانيات الطبقات الوسطى وحتى الشعبية منها...

سوف لن نتحدث عن كل هذا رغم كون كل هذه المسائل هي في عمق أزمة المدرسة التونسية.. سوف نتحدث فقط عن الهروب اللافت للأولياء من المدرسة العمومية في السنوات الأخيرة...
ونريد أن نتحدث هنا عن موسم الهجرة إلى المدارس الخاصة ولا سيما في التعليم الابتدائي وفي هذا دلالة قوية على فقدان الثقة في المدرسة العمومية بحكم صورتها السلبية المتفاقمة عند جلّ المواطنين...

التعليم الابتدائي الخاص موجود في تونس منذ بداية الاستقلال ولكن نسبة الذين يؤمونه لم تتجاوز 1 % على الأغلب بل كانت في حدود 0,7 % سنة 2000... هذه النسبة ما فتئت تتفاقم منذ سنة 2010 لتشهد ارتفاعا منقطع النظير السنة المدرسية المنصرمة بــــ 5,3 % من مجموع تلاميذ المرحلة الابتدائية...

قد يقول بعضكم 5,3 % ليست بالنسبة الكبيرة ولكن عندما نعلم أننا انتقلنا في خمس سنوات فقط من 2 % إلى 5,3 % ندرك أننا أمام ظاهرة اجتماعية لافتة...

ثم عندما نرى أن نسبة المرسمين الجدد في السنة الأولى ابتدائي في المدارس الخاصة قد بلغت 8,1 % وعلى مستوى وطني وأن هذه النسبة قد قاربت 15 % في مجموع ولايات تونس وأريانة وبن عروس ندرك جيدا أننا أمام ظاهرة تصاعدية وأن التعليم الابتدائي الخاص مؤهل في سنوات قليلة لكي يتجاوز عُشُر التلاميذ مع مركزة هامة في المناطق الحضرية الساحلية ولا سيما في الولايات الأكثر كثافة سكانية وقدرة شرائية...

ترى هل فكّرنا لِمَ هذه الهجرة الكثيفة نحو المدرسة الابتدائية الخاصة وما هي الانعكاسات الديمغرافية والتكوينية على باقي التلاميذ الذين لا تسمح إمكانيات أوليائهم بأن يواصلوا تعليمهم بهذه المدارس؟!
لا وجود، إلى اليوم، إلى دراسة شاملة تكشف عن دواعي هذه الهجرة المكثفة للمدارس الخاصة ولكن المعطيات الحدسية تفيد بأن الأولياء، وخاصة من الطبقات الوسطى العليا، أصبحوا يخشون من المناخ العام داخل المدرسة العمومية وخارجها وأن هنالك غيابا للجدية فيها

رغم إقرار جلّهم بأن مستوى المربين في المدرسة العمومية هو أرفع من نظرائهم في المدرسة الخاصة في الأغلب الأعم ولكن البون شاسع جدا في مناخات الدراسة وفي الاعتناء بالتلاميذ وفي توفير ظروف التفوق لهم والدليل على ذلك النتائج الباهرة التي يسجلها أبناء المدارس الخاصة في مناظرات الانتقال إلى الإعداديات النموذجية... أضف إلى ذلك حسن تملك اللغات الثلاث: العربية والفرنسية والانجليزية وخلو الفضاء الداخلي للمدارس الخاصة من العنف...

والواضح على كل حال أن الصورة التي تعطيها عن نفسها المدرسة العمومية كل سنة تعمق أزمة الثقة بينها وبين جموع المواطنين دون أن نرى وعيا بهذه المسألة الكارثية عند المتدخلين في العملية التربوية...

وبالطبع ففي هذه المناخات المشحونة لا معنى للحديث عن إصلاح المنظومة التربوية ولا عن النظر في كيفية تحسين مكتسبات التلاميذ ولا عن علاج آفة الانقطاع المدرسي الذي ذهب ضحيته السنة الماضية 11.093 في المرحلة الابتدائية من بينهم 1737 من السنة الأولى ابتدائي... نعم من السنة الأولى ابتدائي!!

هذه حال مدرستنا العمومية اليوم والمخيف فعلا أن لا أحد ملتفت لها ولا أحد يسعى لإنقاذها رغم ادعاء الجميع الفناء في حبّها... ومدرسة عمومية كهذه تؤشر لمستقبل أسوأ من الحاضر...
الوضع خطير للغاية وأخطر منه هذا الإهمال المتعمّد من الجميع...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا