مهرجان القصور الصحراوية الدولي بتطاوين: رغم الداء والأعداء... يحق لك أن تفرحي يا تطاوين

رغم الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا، والتي انعكست سلبا على القطاع السياحي بصفة خاصة تستعد ولاية تطاوين لتنظيم الدورة 37 لمهرجان القصور الصحراوية الدولي من 17 إلى 20 مارس الجاري، بدعم من وزارتي الثقافة و

السياحة، وعديد الهياكل الرسمية الجهوية:

هذه المدينة التي تعزف حجارتها على وتر التاريخ والأمجاد، وتتسلل ألحانها الدافئة إلى الوجدان خافتة رقيقة، وتنقش في عمق الذاكرة لغة أناس أحالوا الصحراء بستانا أخضر، وتعبدوا في محراب اللوح والكلمة، ستفتح ذراعيها وكما تفعل دائما لاستقبال ضيوفها الوافدين عليها من عديد جهات الجمهورية ومن خارجها، لحضور فعاليات هذا المهرجان الذي يعد من بين اهم التظاهرات الكبرى بجهة الجنوب، ويضطلع بدور هام في تنشيط الحركة الاقتصادية والتنموية، الى جانب مساهمته في التعريف بالمخزون التراثي والحضاري والثقافي، لهذه المناطق القديمة قدم التاريخ، والتي شهدت تعاقب عديد الازمنة الحضارية، والحقب التاريخية التي لا تزال ملامحها والى يومنا هذا شاهدة على عراقة ولاية تطاوين وتأصلها في التاريخ، والمعروفة بالخصوص بقصورها الصحراوية التي يرى بعض المؤرخين ان القبائل الأمازيغية هي التي ابتكرتها وشيّدتها على أعالي الجبال هرباً من الغزوات التي كانت تتعرض لها من طرف القبائل العربية التي وصلت إلى المنطقة مع زحف قبائل بني هلال وبني سليم القادمة من المشرق العربي إلى شمال أفريقيا في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي.

وقد تحولت وظيفة هذه القصور إلى تخزين الطعام. فكانت الغرف تقسم بين عائلات القبيلة حيث تودع داخلها محاصيلها السنوية من القمح والشعير والتمور وزيت الزيتون. وفي القرون المتأخرة، توجهت القبائل العربية في المنطقة إلى محاكاة النموذج الأمازيغي في التخزين، فأنشأت لها قصوراً، غير أنها اختارت السهول لتشيدها. وقد ساعدت القصور الصحراوية القبائل العربية على التخلي عن حياة البداوة والتنقل بحثاً عن مواطن الرعي وسهلت لها أسباب الاستقرار. وساهمت التغيرات الاجتماعية اثر ذلك في استثمار القصور في السياحة الصحراوية، فرُمّمت العشرات منها واستُحدث هذا المهرجان الدولي، الذي يحتفي بها ويقام خلال الربيع. بل إن بعضها قد تحول إلى استوديوهات تصوير لأفلام عالمية، لعل أشهرها الجزء الأول من فيلم حرب النجوم Star Wars للمخرج الأمريكي جورج لوكاس George Lucas الذي جرى تصويره سنة 1997 في قصر الحدادة، الذي بُني أواخر القرن التاسع عشر.

و يسعى المنظمون من خلال هذا المهرجان العريق، ومن خلال مختلف المهرجانات والتظاهرات الثقافية الاخرى، إلى ترسيخ ثوابت حب الوطن تونس، التي ستظل راسخة في الأرض شامخة في السماء، رغم الداء والأعداء.

«أنا يا تونس الجميلة في لج الهوى قد سبحت أي سباحة

شرعتي حبك العميق وإني
قد تذوقت مرّه وقراحه
لست أنصاع للواحي ولو مت وقامت على شبابي المناحة
لا أبالي وإن أريقت دمائي
فدماء العشاق دوما مباحة»

هكذا انشد الشابي وتغنى بحبه لتونس، وهكذا يفعل أهل الثقافة اليوم في تطاوين إحدى القلاع والدروع الحصينة لهذا البلد، الذي يستمد بقاءه وكيانه من أبنائه الذين أعطوه من قلوبهم وعقولهم وسواعدهم وفكرهم، بل من جذورهم الضاربة في الزمان والمكان، والذين يتحدون اليوم ضد كل مشروع حامل لثقافة الموت والعدم والعدمية، في زمن الاحزمة الناسفة، ليس للارواح البشرية فقط، بل لكل المبادئ والقيم النبيلة، ولكل ماهو جميل على هذه الارض، بمشاريع ثقافية جادة وهادفة، على غرار المهرجان الدولي للقصور الصحراوية، تدعو إلى حب الحياة، بكل معانيها الانسانية النبيلة. والذي سيكون مناسبة للتأكيد على سلامة وامن الجهة، رغم ما تشهده بعض مناطق الجنوب الشرقي من محاولات يائسة لاعداء الحرية، من ظلاميين وتكفريين، ومن يقف خلفهم ويدعمهم للنيل من سلامة وامن بلادنا وحرمة وطننا، الذي يبقى عصيا على امثال هؤلاء، بفضل حمايته من طرف الامنيين والعسكريين، الذين اقسموا على الذود على امنه ورايته، ايمانا منهم باننا لا نساوي شيئا بدون وطن، على رأي الشاعر الشعبي محمد الغزال الكثيري:
«سوى نعيش في قصر الهناء وابراجه

سوى عيشتي محتاجة
بلا وطن ما يسواش عمري حاجة»

افراح تطاوين، لقهر الظلاميين
وسيتضمن برنامج الدورة 37 للمهرجان الدولي للقصور الصحراوية بتطاوين، عديد الفعاليات التي حرصت من خلالها الهيئة المديرة، بادارة السيد موسى الضاوي، الى المصالحة بين المهرجان وجمهوره، حيث ستتراوح الفقرات، بين الندوات العلمية التي ستنتظم خلال اليوم الاول الاثنين 14 مارس، وعلى هامش المهرجان، ومنها ندوة الجيولوجيا بمدينة رمادة، والتي سيتم على اثرها زيارة موقع اكتشاف الشجرة المتحجرة بجبل كمبوت، وندوة ما قبل التاريخ بغمراسن، وزيارة مواقع الرسوم الجدارية، التي تعود الى عصور ما قبل التاريخ، وخلال اليوم الثاني وبالمعهد العالي للفنون والحرف، بتطاوين، الملتقى المغاربي للاعلام السياحي بتونس، الى جانب سهرة الشعر العربي الفصيح، وانطلاق مسابقة القدرة والتحمل للخيول العربية والبربرية، ومن فقرات يوم 16 مارس، سهرة الفرقة الوطنية للموسيقى.

وتنطلق فعاليات يوم 17 مارس، باختتام اشغال ندوة التنمية الجهوية، والملتقى المغاربي للاعلام السياحي، وافتتاح المعارض المختلفة، وتنظيم العروض الفرجوية بساحات المدينة، بمشاركة فرنسا وايطاليا الى جانب تونس، وعكاظية للشعر الشعبي بسوق الصناعات التقليدية، كما يتابع جمهور المهرجان السباق التمهيدي الاول، للخيول العربية الاصيلة الخاص بولاية تطاوين، والسباق الوطني للخيول لباقي الولايات، وخلال الفترة المسائية يكون الافتتاح الرسمي للمهرجان، بمشاركة فرق الفنون الشعبية ومنظمات الشباب، الى جانب لوحات الفروسية والعرس التقليدي، ثم سهرة فنية كبرى بقصر اولاد سلطان، وايضا سهرات فنية اخرى بمختلف المعتمديات. ولاحباء الشعر الشعبي والفصيح، سهرة سيتم خلالها تكريم مؤلفات ابناء الجهة، وسهرة ثانية بعنوان ألف ليلة وليلة بالزهرة، سيتم خلالها تكريم الشاعر الشعبي الحاج محمد العرضاوي وايضا تكريم الشاعر الشعبي الحاج المبروك الحمدي في سهرة اخرى، تأكيدا على اهمية الشعر الشعبي بجهة تطاوين التي شهدت بروز عديد الاسماء التي لا تزال حاضرة بقوة الى الان، وكانت لها اسهامات فاعلة في مقاومة الاستعمار الفرنسي، من خلال قصائدهم الحماسية والثورية، كما سيكون لاحباء الاغاني البدوية والشعبية، موعد مع سهرة الموقف بتطاوين يوم 19 مارس، وسهرة خيمة الشعر الشعبي بقصر اولاد سلطان، وسهرة الفرقة الوطنية للفنون الشعبية بتطاوين.

كما خصص المهرجان عديد الفقرات الخاصة بالاطفال، من خلال العرض الموسيقي بالمركب الثقافي، من تقديم المنتخب الجهوي للموسيقى بالوسط المدرسي، الى جانب مسابقات في الرسم بعنوان (ksour dev) لتلاميذ المعاهد الثانوية والمدارس الاعدادية، ومسابقة ثلاثي الابعاد باحد قصور الجهة للطلبة، وستتوج مختلف المسابقات بتوزيع الجوائز وتكريم الفائزين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية