مسرحية «نون»ّ من اخراج الياس اسماعيل ضمن أيام المسرح بتطاوين: المسرح وعاء للنقد والأفكار المتمردة

الركح مساحة حرة للاعتراف بكل الحقائق، الركح فضاء مقدس للبوح على الخشبة تنتفي المحرمات و النواميس وتصبح الحقيقة وحدها عارية

من كل المساحيق، في المسرح يكون النقد وسيلة لنقاش علات المجتمع والكشف عن خطورة العنف والصراعات الداخلية التي قد تتحول الى صراعات كبرى وما انقسام العائلة الا عنوان لانقسامات الشعب.
و»نون» مسرحية نقدت ظاهرة العنف المستشري في المجتمع وقدمته بأسلوب يجمع الضحكة والتراجيديا وهي مسرحية من إنتاج شركة أصوات وإخراج الياس اسماعيل وتمثيل دنيا مناصرية وعمر بن سلطانة وايمن خبوشي ومحمد نجم الدين بلغيث واشرف الغريبي و وايناس الجراية.
المسرح ترميز
ستائر بيضاء تقسم الرّكح إلى أجزاء، أريكة وضعت اقسي اليمين، مجموعة من «المانكانات» البلاستيكية معلقة ، ملابس ملقاة على الأرض وأخرى موزعة على كامل الفضاء من الديكور يحمل العرض جمهوره إلى عوالم الموضة، ليتضح أن الشخصية المحورية تعمل في عالم الأزياء، أحداث المسرحية تدور في مكان واحد لكن الأمكنة الدلالية متعددة كذلك الأزمنة فهي تتراوح بين الحاضر والماضي القريب والبعيد وربما استشراف المستقبل كذلك، السينوغرافيا صنعت رمزية العرض وقدمته للجمهور في كادر مختلف.
«نون» عنوان العرض ومن رمزية الاسم كانت دلالات المسرحية «نون» هو الحوت الكبير « وفي المسرحية نجد المثل الشعبي «حوت ياكل حوت» ليأكل القوي الأقل قوة، «نون» هو حدّ السيف وفي العمل تصبح الأفعال المشينة جارحة وقاتلة كما السيف، «نون» هو حدّ القلم المبري جيدا وكانت كلمات الشخصية المثقفة في المسرحية تشبه الرصاص، فالنون بكل معانيه ورمزيته يحمل معنى العنف وان اختلفت الدوال فالمدلول واحد: العنف في المجتمع التونسي انطلاقا من تشريح العنف داخل العائلة وعلى الركح تمّت تعرية النفاق الاجتماعي «العائلة المتماسكة» وكٌشف للجمهور تفاصيل العنف الكامنة داخل كلّ انسان.
«نون» هو الحرف الأول من اسماء شخصيات المسرحية «نرجس وناصف وناظم ونوال ونسيم» اسماء جميلة المعنى قبيحة الفعل والروح، جميعها مسكونة بطاقة من العنف والبشاعة التي تكتشف تدريجيا مع تقدم الاحداث.
في اطار الرمزية اختارت كاتبة النص المسرحي دنيا مناصرية التوجه الى الكتابة الصادمة، فالنص الاصلي عن رواية «الاخوة كارامازوف» للروائي دوستويفسكي في النص الأصلي شخصية الاب هشة وتكون مصدر النزاع بين افراد الاسرة، لكن النص في نسخته التونسية اختارت صاحبته أن تكون الامّ هي صانعة الاحداث ومحركتها، «الام» في الوعي الجماعي عنوان للوحدة وهي الحريصة على أفراد العائلة والأبناء ونادرا ما تتهم بالتقصير وإذا أخطأت تخفي الحقيقة، لكن مناصرية وضعت المتفرج أمام شخصية امّ انفعالية، متعددة الأزواج ، غنية ونرجسية تحبّ ذاتها أكثر من الجميع، امّ لكنها امرأة تفكر فقط بذاتها وثروتها وحياتها على حساب الجميع، الصورة الصادمة والقاسية كانت بداية الصدمة للجمهور في تلقيه للعرض.
في «نون» يقع تسليط الضوء على العنف مع محاولة تشريح هذه الظاهرة من خلال جوانب نفسية واجتماعية، فنرجس الام تربت في عز ودلال لا يرفض لها طلب من مساحة الحرية تعلمت الانانية والتفكير في ذاتها فقط وتحول الأمر بفعل الزمن إلى عنف، ناظم الكاتب والمثقف من جبروت والدته وقسوتها وتزوّجها لمرات كثر اصبح عنيفا، نوال تريد المال فقط ولأجله مستعدة للقتل بعد تعلم القمار وناصف الطفل الاصغر الذي لا يعرف له اب، يحتاج إلى القليل من الاهتمام، عدم الاهتمام ومحاولة نكران وجوده خلق داخله وحشا كاسرا.
تكون الظروف النفسية السبب الاول للعنف الذي ينمو مع الطفل ليصبح قاسيا وقاتلا في كثير من الأحيان فالمسرح هنا يصبح ذو بعد توعوي، مشاهد المسرحية سيضع نفسه أمام مرآته عاريا من كل الحقائق سيراجع ذاته ويحاول أن يفكك شيفراتها سيبحث في علاّته النفسية عله يراجعها ويصلحها ليتجاوز العنف الذي قد يؤدي إلى الدمار وقد نجحت كاتبة النص في دغدغة مشاعر وافكار الجمهور فالنقاش كان حادا واتجه الى رفض وضع الام في خانة «المخطئة» و رفض أن يقتل الولد امّه ونجاح النص في الوصول الى المتلقي هو الدليل على صدق الممثلين في الاداء.
الممثل روح العمل وجسد المسرحية
الأجساد تصنع موسيقى العرض،ّ الحركات البطيئة حينا والمتسارعة احيانا تتحول الى فعل سينوغرافي يشبه كثيرا اللقطات السينمائية البطيئة ثم السريعة، أجساد الممثلين هي الاخرى أصبحت وعاء لنقل الأفكار ومحاولة تقديمها الى المتفرج، الكوستيم واحد جميعهم يلبسون الأسود وتحته قميص ابيض وصراع الأبيض والأسود هو الصراع الأزلي بين الخير والشر بين الحياة والموت، صراع يضاف إليه أحيانا اللون الأحمر لون الدم و العنف لتتفرع الصراعات التي يقودها فعل العنف وفكرة الانتقام ومعها تكون الأحداث مشوّقة.
ستّ شخصيات تصنع أحداث العمل، ستّة ممثلين يلاعبون الجمهور ويحملونه الى عوالم العنف والصراعات، ممثلون أتقنوا الشخصيات وانقساماتها النفسية وهواجسها الفكرية، على الركح كانت لكل ممثل مواصفات محددة، جميع الشخصيات تحمل عقدا نفسية تظهرها بطريقة مختلفة، كل الشخصيات مركبّة وكل ممثل اتقن الدور بشكل تقني احترافي «إن فننا هو أن تعيش في دورك في كل لحظة من لحظات أدائه. وفي كل مرة يعاد فيها خلق هذا الدور، يجب أن يعاش من جديد، ويجسد كأنك تؤديه لأول مرة». وعلى الركح تميز الممثلون، فشخصية نرجس كانت مقنعة جدا وتمكنت دنيا مناصرية من شد انتباه المتفرج، ممثلة مميزة تتنقل بسلاسة بين الاحاسيس المختلفة تستطيع رسم ملامح الخوف وفي الوقت ذاته تحولها الى ملامح للقوة، الممثل عمر سلطانة من نقاط قوة العمل، فنان استطاع توظيف تقنيان المهرج في نقاطع عديدة خاصة في الحركة وطريقة رسم ملامح الشخصية على وجهه، ونجح الممثل ايمن خبوشي في نحت تفاصيل شخصية الاخ المريض بالصرع، اتقن الحركة والاداء فكان مقنعا إلى حدّ الصدق وتقمص الشخصية وتماهى معها وتفاعل مع كل تناقضاتها واختلافاتها ممثل نجح في كسب حبّ المشاهد والتعاطف معه في أول العرض ليكشف عن عنف شديد في آخره، ايمن خبوشي اندمج مع الشخصية وعايشها واقنع جمهور مسرحية «نون».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا