الخط العربي في أعمال طارق عبيد: الحرف صورة واللون صوت ...

تختلف العوالم الفنية وتتباين أسرار المتعة وتتباين تفاصيل الإبداع إذ أن لكل فنان طريقته للتعبير عن أفكاره وعن عشقه للفن،

وقد اختار الفنان التشكيلي الطاهر عبيد الخط العربي مساحة للرسم للإبداع ولبعث الحياة في الحروفيات فتميز فيها وأتقنها وصنع لنفسه مساحة تشكيلية جد مميزة.
في رقص الحروف مع الالوان قصة عشق مختلفة، فالحروف حين تُرسم هي صوت لقصة حبّ ساحرة ومختلفة والطاهر عبيد يتقن جيدا كتابة اسرار الحب وحكايات الحياة عبر كتل لونية تمثل الذاكرة والحاضرة فالخط العربي عند الفنان لغة منفصلة ومنظومة تشكيلية متكاملة تماما كقول بيكاسو «إن أقصى نقطة أردت الوصول إليها في فن الرسم وجدت أن الخط العربي قد سبقني إليها منذ أمد بعيد».

الحرف ساحر وعوالمه التشكيلية مبهرة
عوالم الخط مبهرة و الكتل الحرفية والألوان قصص تتشبّع بالأسرار ووحده الخطاط يستطيع فك شيفراتها والكشف عن تفاصيل الجمال فيها، فالخطاط العاشق للخط القادر على تلوينه وتطويعه ليصبح عملا تشكيليا مميز يشبه العاشق المتيم بتفاصيل معشوقته فيترجم نظرات العيون الى قصائد غزلية كذلك يفعل الخطاط طارق عبيد بمشاهدي اعماله الخطية إذ يدفعهم للإبحار في اسرار الخط ومحاولة معرفة اسرار قصص العشق.

الخطّ لعبته والحرف مطيته لكتابة رسائل العشق وتقديم تلابيب الابداع وأسرار القدامى وحكايات الراهن، الحرف يصبح لينا لين اللعبة بيد طفل صغير، الحروف تتماهى، تتحد وتتنافر احيانا لتملأ الفراغ وتتماهى مع المساحات والكتل اللونية لتصنع لوحة مميزة لوحة تقف امامها وتسال الحروف بلسان الخطاط طارق عبيد «متيّم أنا بك ، عشقت المقام فيك ، فتقلّدت باشكالك وتلحّفت بألوانك وسبحت في كوكب روحي .فهل تحلمين معي؟» ومن سؤاله للخط يكشف الفنان عن مدى عشقه للخط العربي وتعلقه به ليصنع عوالمه التشكيلية.

يقول الشاعر «للناس فيما يعشقون مذاهب» والطاهر عبيد عشق منذ الطفولة الخط العربي، فالعلاقة الغرامية مع الخط تبدأ في شكل موهبة وتتطور الممارسة لتصبح الهواية احترافا ويصبح «الغرام» ابداعا كما يقول الخطاط والفنان التشكيلي الذي أحب الخط في الصغر ويدرّسه اليوم في المعهد العالي للفنون الجميلة بنابل.
وتنطلق كافة أعماله من الخط العربي، يدمج الفنان بكل براعة وتلقائية بين الحروف من خطوط مختلفة مثل الخط القيرواني والخط المغربي المبسوط ليبدع اعمال تشكيلية خاصة جدا، أعمال تقوم على ابيات شعر احيانا خاصة اشعار محمود درويش وأبي القاسم الشابي او حكم تعبر عن حبّ الحياة والدعوة المطلقة للحلم والفن، في لوحاته يؤكد عبيد أن الحرف هو اداة وفاعل ومفعول به وهناك علاقة جدلية بين هذا الحرف الذي رسمناه فارتسمنا به وخططناه فتخطانا أحيانا.

ليضيف العاشق للخط ان الخطّ عالم كامل ومنظومة تشكيلية متكاملة لانّ الخطّ العربي يضمّ النقطة والخط والشكل واللون وجميع هذه العناصر تشكل منظومة تشكيلية مستقلة بذاتها وأمام لوحاته وطريقة توزيع الحروف يشعر المتلفي انه أمام مدرسة خطية تشبّع صاحبها بعشق الحروفيات فأبدع فيها.
الخط العربي يتطلب الكثير من الدقة اثناء الرسم وعن اعماله يقول عبيد « حروفي نابضة، راقصة ، رقراقة ، رفرافة تجوب أخاديد ثناياك وترتوي من نقاوة الوانك تبحث عن نورانيتها ، عن كينونتها وتنشد طريق الأمل نحو الحرية» وللحب والحرية يعيد تشكيل الخط العربي ليقدم اعمال تشكيلية تشبه كثيرا روح صاحبها مشاكسة ومتمردة.

الازرق لون ومنهج
«حينما يسكن الأزرق روحا تنتشي أرواحا» هكذا يعلق الخطاط على الحضور الطاغي للون الازرق في أعماله الازرق بكل تدرّجاته لون البحر في امتداده والسماء في غموضها، اللون الملكي يحضر بكثافة في لوحات الطاهر عبيد، عاشق الحروف المتماهية مع الكتل اللونية لصناعة عوالم من الفرح فما بين نقاوة الازرق في تجلياته وصفاء الابيض في تعتمه وفي تشافه احيانا حرف فحروف فعوالم حروفية تؤثث فضائي التشكيلي» حسب تعبيره.

الحرف هو الوسيلة الاولى لابتداع منظومة تشكيلية تميز الطاهر عبيد، التعامل مع الحروف ليس بالأمر الهين فالعمل يتطلب الكثير من الدقة واللين والتركيز المطلق على حركة الحرف في امتداده قبل ملء المساحة ثمّ يستعمل الفنان الالوان والتمازج بين الحرف كلبنة اولى للعمل واللون يصنع فرجة بصرية تريح عين الناظر وتحثه على محاولة تتبّع العملية الابداعية.
في استعمال الالوان حكمة لانّ الاعمال تركز اولا على الحرف والخطّ ثم تحضر الألوان وفي لوحاته يكتشف المتفرج عشق الخطاط للبحر فالأزرق بتموجاته يحضر بشدة مع بعض المساحات اللونية الترابية التي تحيل عادة الى الارض وكأننا بالفنان يؤكد على تمسكه بالأرض وحبه لها انطلاقا من سحر البحر وغموضه وربما المساحات اللونية هي ما تخزنه الذاكرة وتحتفظ به في غياهبها.

الأزرق هو الطاغي، اللون المميز في كل أعماله الازرق الذي يقول عنه الخطاط:

بحر سمائك أزرق
وسماء بحرك زرقاء
فماذا تختارين
فكلاهما مشرق

والمتتبع للوحاته يكتشف بهاء اللون وسحر الخطّ فبين التشكيل والتركيب في الخط مهارة وقدرة الخطاط على ابتكار تكوين خطي جديد لم يكن موجودًا من قبل، وكذلك قدرته على ملء الفراغات والمزاوجة بين الكلمات والاستفادة من المساحات واختيار الجمل او الآيات التي تقبل التركيب في حروفها ليقدم الطاهر عبيد لوحات تشبه باقات الحب المفعمة بجمال الحروف في رقصاتها وانتشائها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا