فيلم «لا-نعم» لمحمود الجمني ضمن مهرجان الفيلم الوثائقي المتوسطي: الحرية قيمة وليست لونا ...

ولدت السينما وثائقية، السينما الوثائقية تضعك امام ذاتك لتواجه قبحها وتواجه كل سلوكياتك المشينة التي سكنتك منذ البداية.

وحده الوثائقي يدفعك إلى أن تكون انسانا وتنزع عنك النظرة الدونية للاخر وتشاركه هواجسه وافكاره فالسينما صوت الروح وعنوان للفكرة التواقة للحرية وبالسينما ينتصر محمود الجمني للانسان ويعبر عن رفضه للعنصرية من خلال فيلمه الجديد «لا-نعم».
«لا-نعم» فيلم تونسي الانتاج والاخراج والفكرة وعالمي الموضوع لأنه يمس فكرة الهوية والانتماء وينقد العنصرية ويحاول ان يكشف عن أسبابها، الفيلم ينتمي الى سينما الرحلة وهو وهو جزءٌ من ثلاثية فيلميّة بعنوان «الألم والمقاومة»، كان أوّلها شريط «حنظلة» (2012) ثم تبعه شريط «وردة بعبق الحياة» (2015) ثم «لا-نعم» فالسينما حسب الجمني حركة مقاومة مستمرة..

«لا-نعم» صراع الرفض والاعتراف
«23جانفي 1846» تاريخ إلغاء الرق والعبودية في تونس؟ والكل يجمع أن تونس كانت سباقة في الغاء العبودية؟ فهل أن التونسي متصالح مع الإنسان الآخر المختلف عنه؟ الا توجد عنصرية في تونس؟ هل يعامل أصحاب البشرة السوداء في الادارة والمؤسسة التربية والمجتمع كمعاملة البيض؟ الإجابة موجعة ولكن الإجابة «نعم» توجد عنصرية في تونس وقد تكون احيانا غير ملموسة لكنها محسوسة وموجودة في النظرة والمعاملة هكذا تقول احدى شخصيات فيلم «لا-نعم» للمخرج محمود الجمني.
«لا-نعم» فيلم يرشح بالوجع، فيلم ينتقل إلى أعماق الجنوب التونسي يصاحب مجموعة من التونسيين «أمي مرزوقة» في تطاوين عاد إلى الجذور ومن ثمة تنطلق الرحلة التاريخية والاجتماعية مع الشخصيات من أصحاب البشرة السمراء ليتحدثوا أمام الكاميرا عن العنصرية وعن معاناتهم في المدرسة والمجتمع من قبل أترابهم وأصدقائهم ومجتمعهم فقط لان لون بشرتهم مختلف عن الآخرين.
«لا-نعم» كلمتان متضادتان وهما في الوقت ذاته متكاملتان، منذ المعلقة الموزعة بين اللونين الأسود والأبيض تُختزل مضامين الفيلم، في التضاد تكامل ايضا فالسواد والبياض تماما مثل الليل والنهار فلا يوجد ضوء دون ظلام ولا يمكن لليل أن يأتي قبل أن تبزغ شمس النهار هكذا هي دورة الطبيعة بين الأبيض والأسود كذلك لون البشرة وجد الأبيض والأسود ليتكاملا لانهما في النهاية من البشر وهما يتشاركان في نفس الوطن والأرض والاهداف ويختلفان من حيث طريقة التفكير والانتماءات السياسية أو الفكرية لكن اللون ليس المحدد لهذا الاختلاف.

الثقافة مطية للمقاومة
السينما الوثائقية أداة للمقاومة، الكاميرا تنقل السلوكيات المرفوضة تقترب منها وتكشفها إلى الجمهور مع الوثائقي يكتشف الإنسان قبحه، تصفعه الكلمات الموجعة، يستفيق أمام بؤسه وظلمه للآخر المختلف عنه، في الفيلم تبدأ الأحداث مع «الحضرة» وعلى إيقاع موسيقى السطمبالي (موسيقى الزنوج) تبدأ الرحلة الجغرافية من الشمال إلى أقصى الجنوب والرحلة التاريخية لاكتشاف «أمي مرزوقة» و كراماتها لتصبح الرحلة ثقافية لمعرفة عادات بعض التونسيين من ذوي البشرة السوداء وموسيقاهم وأسباب زيارة اهل «العرف» وهو اسم العشيرة الى مقام «أمي مرزوقة» المرأة التي تقول الأسطورة أنها جاءت من السودان وهي صاحبة كرامات عديدة تزوجت من تونسي ابيض البشرة وكان كل من يزورها يطلب المطر لذلك يقومون بخرجة سنوية تلبس فيها النسوة أجمل الملابس ويتحلى الرجال بالموسيقى ليجتمعوا وينجزوا الحضرة قبل أن يطلبوا المطر فالفيلم يندرج في خانة سينما الرحلة، رحلة الى التاريخ والثقافة والجغرافيا لتسليط الضوء على العنصرية في تونس.

«لا-نعم» فيلم يكشف عن قبح الفعل العنصري وينقل الى التونسيين بشاعة يدّعي الكثيرين اخفاءها وعدميتها في المجتمع التونسي لكنها تطفو في الممارسات اليومية البسيطة على غرار «هل انت تونسية؟ حقا؟ ايوجد سود في تونس» سؤال يوجه كثيرا إلى التونسيين السمر او «ماما وصيفة» (جملة تقولها ذات الأربعة أعوام لشاب اسمر اللون» وفي المجتمع التونسي توجد كثيرا كلمات «وصيف» أو «عبيد» وهي كلمات قد لا تؤثر في السمر سلبا لكنها تزعج أحيانا «سبني بفعلي موش بلوني» كما يقول الممثل فرحات دبش مضيفا ان الحرية قيمة وليست لونا.

في الفيلم اختار المخرج ثلة من التونسيين الناجحين في الدراسة ومجالاتهم المهنية ليتحدثوا عن العنصرية التي واجهوها وفي الوقت ذاته تنقل الكاميرا التعايش بين البيض والسود في الجنوب التونسي دون مشاكل او تمييز لانهم مجتمع واحد وعاشوا في بيئة واحدة.

«لا-نعم» فيلم يتراوح بين الالم والامل، فالشخصيات التي تحكي وجعها او ذكرياتها مع العنصرية هي ذاتها حققت مكاسب مهنية واجتماعية واستطاعت تجاوز كل الوجع وحولته إلى طاقة مميزة للنجاح «ليس بالضروري أن أكون فاشلة في دراستي وفي حياتي المهنية ليتطابق لوني مع عملي» كما تقول إحدى الشخصيات في الفيلم.
«لا-نعم» فيلم يراوح بين الحاضر والاسترجاع، الكاميرا تتحرك دائما غير ثابتة كما الأحداث التاريخية التي عاشتها تونس منذ 1846تاريخ إلغاء العبودية إلى العام 2018تاريخ تجريم العنصرية في هذا الوطن الصغير، في الفيلم الكاميرا تنحاز إلى الثقافة الى الفنون التي تعطي قيمة وقوة للانسان، فصالح بركة من اشهر المصممين التونسيين، نُبذ في البداية لبشرته واليوم بفنه يحقق نجاحه العالمي كذلك النائبة جميلة الكسيكسي نُبذت في طفولتها لبشرتها لتختار ممارسة السياسة وتنجح في مسارها، كذلك الممثل فرحات دبش يتحدث عن التمييز بين الأبيض والأسود ليجد الركح متنفسه ليعبر عن رفضه لفكرة التمييز بحكم اللون.

يتتبع محمود الجمني خطوات نجاح تونسيين لون بشرتهم مختلف عن الآخرين، ترحل الكاميرا معهم لطرح أسئلة عن الهوية والوطن، ترحل الكاميرا إلى المنهج المدرسي وتنقده لان أكثر الجمل تكرارا هي «تونس تنتمي إلى المغرب العربي» ونادرا مايكون الحديث عن الانتماء الافريقي، الكاميرا هي الأخرى تشاركهم في طرح الاسئلة عن العنصرية ومدى وجودها في المجتمع التونسي، تشير إلى صعوبة الزواج عادة بين السمراء والأبيض او البيضاء والأسمر فكلاهما يعرف حدوده اللونية التي يضعها المجتمع منذ الصغر، في الفيلم تعرّي الكاميرا مدى قبح العنصرية وبشاعة التمييز انطلاقا من مترادفات وعبارات يستعملها التونسي وفي الوقت ذاته تؤكد أنهم جميعا تونسيون وكلمة «حر-عبد» لم يعد لها وزن في المجتمع فالتونسي يعيش التضاد الدائم بين «لاّ» و»نعم»، تماما كما التضاد بين حرّ الشمس وهدوء الليل، ليكون الفيلم في النهاية صوت للحرية ونصيرا للانسان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا