فيلم «بيك نعيش» لمهدي البرصاوي : عندما تجتمع البساطة مع العمق والموهبة يكون العمل أخّاذا

هذا فيلم احتفى به المشاهدون اينما حلّ في المهرجانات شرقا وغربا وشمالا وجنوبا فقد أدار الأعناق في البندقية والقاهرة و صفّق له الناس

في بلجيكا والصين. وأنا على يقين انه سيحقق نجاحا جماهيريا لافتا في تونس لأن الجمهور سيجد فيه صدقا وبساطة حِذقا للخطاب السينمائي وطزاجة لم يعهدها في الأفلام التونسية، كما سيجد فيه بعدا كونيّا وعمقا انسانيا رغم انه يسرد قصة تونسية قُحّة في بيئة محليّة جدا. وسيفاجأ الجمهور بأن مهدي البرصاوي على حداثته باخراج الأفلام الطويلة يبدو مسلّحا بوعي مكتمل النموّ وبمقدرة علي الإفصاح والإبلاغ والإقناع لا نتوقّعها إلا من مخرج محنّك خبر بلاتوهات التصوير السينمائي وإدارة الممثلين وحَذِق صياغة السيناريوهات وامتلك أسرار الكتابة السينمائية . 

ما الذي يجعل الجمهور في تونس و الخارج يعجب بالفيلم ويثني عليه؟ 
في تقديري هناك أسباب عديدة سأحاول في القراءة التالية ان آتي على أهمّها. لكن لا مناص في البداية من تلخيص مضمون الفيلم. ومن المسلّم به عندي، وربّما عندكم، أن تلخيص عمل سينمائي لا يخلو من إخلال ولا مناص للمتلقّي من أن يعايش العمل مباشرة أي ان يشارك المخرج تلك الرّحلة االمتمثّلة في طرح عدد من الأسئلة ومحاولة البحث لها عن إجابات أو تخمينات إذا كانت الاسئلة عويصة والإجابات غير متاحة. ويمكن تلخيص الفيلم على النحو التالي : عائلة تونسيةميسورة متكونة من اب (فارس) وامّ (مريم) وطفل(عزيز) يقصدون الجنوب التونسي في رحلة استجمام، والزمن هو 2011، بعد اندلاع الثورة بشهور. يهاجم ارهابيون سيارة العائلة ويصاب الطفل عزيز إصابة بليغة في الكبد تستلزم عملية دقيقة لزرع كبد فتبدأ معاناة العائلة لإنقاذ طفلها الوحيد. لكنّ المفاجأة التي تزلزل كيان الأمّ والأب هي ان التحاليل التي يخضعان لها تفيد بما لا يدع مجالا للشكّ انْ الطفل ليس من صُلب الأب وتنطلق سلسلة من الأحداث والمفاجآت لإنقاذ الطفل بقطع النظر عن كلّ شيء ليواجهنا الفيلم بسؤال هامّ : هل الأبوّة مجرّد علاقة بيولوجيّة ام إنها اكثر ثراءً والتباسا وعمقا وتعقيدا من ذلك؟؟ 

درس في البلاغة السينمائية
جاء في تعريف البلاغة أنها إدراك المعاني والوصول إليها والإفصاح عنها بوضوح وسهولة. وقد أمكن للمخرج منذ الدقائق الأولى أن يوصل لنا عدّة معاني بمنتهى اليُسر والاقتصاد في التعبير. في المشهد الافتتاحي نرى مجموعة من الخلاّن في نزهة في الغابة يأكلون ويشربون ويمزحون ويسرّب لنا المخرج في الأثناء وبسلاسة وذكاء بعض المعلومات، منها ان مريم ارتقت في عملها واصبحت مديرة عامة اقليمية لمؤسسة كبيرة ثم يضيف لنا المشهد ان العائلة ستنطلق في رحلة استجمام قصيرة في الجنوب التونسي ثم نجد العائلة في الطريق السيارة تغادر تونس ونفهم من الدردشة بين مريم وفارس أن هذا الاخير رجل اعمال وله مصنع.
 ومعلوم في فن كتابة السيناريو ان المعلومات التي تتعلّق بالشخصيات الرئيسية لا بدّ من الافصاح عنها مبكّرا ليدرك المتفرّج المميزات الجسمانية والاجتماعية والمزاجية للشخصيات وهو ما تمّ باقتصاد شديد ولكن بوضوح لا لبس فيه فقد علمنا ان تلك العائلة تتكوّن من أب وأمّ وابن، وتحيا حياة ميسورة في انسجام تامّ، يوكّد ذلك تفاعلهم التامّ مع  أغنية «تونس البلد العجيب» وهي أغنية راجت في الشهور الأولى التي أعقبت الثورة. وبديهي ان اختيار الاغنية بإيقاعها الراقص مقصود لإضفاء جوّ من الحبور والانطلاق لكن ايضا، وبالخصوص، لما تنطوي عليه الأغنية من إحساس بالمرارة بسبب المفارقات والمنتناقضات في الواقع التونسي العجيب. 

سلاسة في السّرد
بعد هذه الانطلاقة التي لاحشو فيها ولا تعقيد ولا تقعيد (لم يهدر الفيلم دقيقة واحدة في تقعيد العود)، باعتماد لغة بصريّة فيها حوار قليل، يطلق الفيلم ما يعرف في كتابة السيناريو بالحدث الجوهري الذي ستنبني عليه الاحداث. قبل انقضاء عشر دقائق من انطلاق الفيلم نجد انفسنا في بؤرة الحدث اذ تتعرّض العائلة الي كمين نصبه ارهابيون فيصاب عزيز إصابة بليغة ويفقد الوعي وتصيب الوالدين حالة من الهلع وينطلقان في سباق مع الزمن لإنقاذ ابنهما. ومن تلك اللحظة يصبح المتفرّج مشدودا إلى الشاشة محبوس الأنفاس. وبحافظ الفيلم على هذه السّلاسة في السّرد بحيث لا يشعر المتفرّج أنْ هناك احداثا مسقطة او مفتعلة بل يتملّكه احساس انّ ما يراه هو من قبيل ما يمكن أن يصادفه كلّ إنسان في حياته وأن معاناة الأبوين حقيقية وان ما يراه من حركة في المستشفى وفي محيطه وفي احياء المدينة هو مايراه في سعيه اليومي ولكنّ المخرج أضفى عليه مسحة من الحنوّ الشفّاف إذ يلتقط مشاهد تزخر بها حياتنا اليوميّة لتوشِيَة السّرد في لمحات خاطفة لكنها جدّ معبّرة مثل إحساس الممرّضة بالملل والرتابة في مناداتها علي المرضى لتسليمهم ملفاتهم أو ما تتعرّض له مريم من تحرّش فجّ في اسواق المدينة اذ يعتقد المراهقان اللذان يلاحقانها بخليط هجين من اللغات انها سائحة أجنبية لكن عندما يتجاوزان الحدّ  وتستعمل معهما القاموس الضّروري في مثل تلك الحالات ينفضّان من حولها. 
ويمضي الفيلم سلسا في تدفّقه إلى النهاية مغذّيا  السّرد بما يلزم من مفاجآت وتعقيدات لا نتوءات فيها. 

صراع متعدّد الأبعاد و الأوجه
معلوم أن جوهر أيّ سيناريو يقوم على الصّراع، الصّراع بين الخير والشرّ، بين الشرطة والخارجين عن القانون، بين رأس المال والعمّال الخ.... والصّراع في الفيلم متعدّد المستويات، ينطلق بعد إصابة عزيز ويبدأ السّباق مع الزمن لإيقاف النزيف وإنقاذ الطفل لكن يتّضح ان الإصابة بليغة وان الإطار الطبّي اضطرّ إلى قطع ثمانين في المائة من الكبد التّالف وهو ما يستوجب عملية زرع جزئي للكبد. ولأن التبرّع بالأعضاء في تونس يخضع لشروط منها ان التبرّع الإرادي لا بدّ ان يكون في الدائرة الضيّقة للعائلة. ولأنّ عزيز وحيد والديه فالحلّ الممكن هو أن يتبرّع أحدهما لكنّ المفاجأة المدويّة هي أنّ التحاليل التي أجريت على الوالدين تثبت إثباتا قاطعا أن عزيز ليس من صلب فارس(يا للهول). وهنا ندخل في مستوى آخر من الصّراع اكثر تعقيدا وأشدّ وقعا على الزّوجين وعلى المتفرّج أيضا. نتيجة التحليل تلك تقصم ظهر ايّ رجل وكان يمكن ان تؤول الي جريمة شرف لكنّ الفيلم لا يقع في الكليشيهات المتداولة ويوغل في السّير في مسالك غير مطروقة معتمدا على لغة بصريّة. 

سحر التعبير البصري
رغم جسامة المأساة التي نزلت على الوالدين ورغم تعقّد الموقف فإن المواجهة بينهما، في غالب الأحيان، كانت بالنظرات و بتقاطيع الوجه دون الوقوع في المبالغة وقد أظهر فيها الممثّلان نجلاء بن عبدالله وسامي بو عجيلة قدرة فائقة علي تجسيد الانفعالات وما يضطرم في نفسيهما من إحساس بالعجز وما يحدوهما من إصرار على إنقاذ عزيز. والامثلة كثيرة علي ان الصورة نابت عن الكلام في كثير من المشاهد، من ذلك اكتشاف فارس بالصّدفة لآثار جراحة في جنب الطفل الذي حمله له سائق شكري عندما لم تسمح له الظروف الامنية في ليبيا بالحصول علي كبد فرأى السائق ان ينال نصيبه من الغنيمة فحمل معه الصبيّ ليحصل من فارس على القسط الثاني من ثمن الصفقة فسلّمه البضاعة «شقف وسلعة». واكتشاف ذلك الجرح جعل فارس يدرك ان الطّفل، مثله تماما، ضحيّة جشع المتاجرين بالأعضاء البشريّة، فاهتدى الى تسليمه إلى أمين زاوية وليّ صالح في أطراف الصّحراء حيث لا مندوب لحماية الطفولة. 

الصحراء شخصية دراميّة
الصحراء في الفيلم ليست ديكورا فرضته الأحداث بل هي شخصية قائمة بذاتها، قدّمها في كلّ تجلّياتها بل هو احتفى بها منذ الدقائق الاولى، منذ انطلاق العائلة في رحلتها نحو الجنوب إذ أظهر جمال تضاريسها وامتدادها وتدرّج ألوان تلك التضاريس كما صوّرها في الليل والنهار وعند الفجر واثناء الغروب  وهي صحراء صخريّة فيها كثير من النتوءات وكأن في تقديمها بذلك الشكل، منذ بداية الفيلم، إرهاصا بأنّ نتوءات كأداء ستعترض العائلة. وهي صحراء تُحيل الى الجدب والجفاف فلم نَرَ فيها مظاهر للحياة إلاّ في مناسبتين، عندما مرّ فارس بسيارة تحمل أناسا على شاحنة في طريقهم، على الأرجح، إلى عرس وعندما رأينا في خلفية الصورة قطيعا من الأغنام، فيما عدا ذلك فكأنها مرادف للعدم والتِّيه، ورغم اتّساعها يبدو فارس فيها وكأنه  أسير مكبّل في مكان يطبق على أنفاسه، أو نقطة ضئيلة في محيط لا حول له ولا قوّة وكأنه في حتميّة قدريّة لا فكاك منها أو في متاهة يصعب الخروج منها. 
مرّة أخرى لا يسقط المخرج في الكليشيهات التي كثيرا ما صوّرت الصحراء كبطاقة بريديّة من منظور فلكلوري. 

موضوع كوني بأدوات محليّة
مقولة تكاد تُبتذل لفرط ترديدها وهي ان الفنّ الأصيل هو ذاك الذي ينطلق من المحلّي ليصل إلى الكوني. وفي هذا الفيلم عالج مهدي البرصاوي موضوعا كونيّا يمكن للإنسان أن يتفاعل معه أينما كان، فالإنسان بالضرورة ابن او اب او الإثنان معا وينطبق ذلك بداهة علي المرإة والرّجل. والفكرة الرئيسية التي يطرحها الفيلم ومفادها ان الأبوّة ليست مسألة بيولوجية فحسب بل جُمّاع من المشاعر والأحاسيس التي تنمو بالمعايشة ولا يمكن إلغاؤها بنتيحة تحليل مهما كانت درجة صحّته، ولا يمكن قبرُها حتّى وإن أصيبت العلاقة بين الإبوين في مقتل. تلك مسألة قابلة للنقاش. والفيلم إذ يطرحها فهو لا يفعل ذلك من منظور أخلاقي أو ثقافي بل بشكل تجريدي وبِضَرب من الحُنوّ الفيّاض، بلا إدانة ولا تبرير، فيكسب تعاطف الجميع لأنّه لا يدين أحدا بل يحتفي بقيمة الإيثار والتّضحية ويُعلي من شأنها بنبرة هادئة وواثقة فتصل الى المتلقّي أينما كان. وتلكم قِيَمٌ ما أحوج الإنسانية لاستعادتها وسط أمواج الأنانية والفردانية التي تطبع العلاقات في المجتمعات الحديثة. 
وما أكثر ما يمكن أن يقال عن هذا الفيلم وصانعيه، عن أداء الممثلين وحرفيتهم وحضورهم المقنع : نعمان حمدة في دور الطّبيب وصلاح مصدّق في دور شكري ومحمد علي بن جمعة في دور الاب البيولوجي،وعن براعة التصوير والحضور المدروس للموسيقى وعن دور المنتج وإيمانه بالمخرج الشاب وبذل ما ينبغي بذله من امكانيات لانجاح الفيلم الطويل الاوّل وهو رهان كسبه الحبيب عطيّة بفضل حدس لا يخطئ لينضاف الى جملة الرّهانات التي كسبها مع مخرجين ومخرجات من أمثال كوثر بن هنيّة وفارس نعناع ومريم جوبير.  أخيرا فإن هذا الفيلم خرج من أيام قرطاج السينمائية خالي الوفاض هل لأن الذّهب ، ربّما، ما كان ليُجزِيهِ حقّه؟؟ 

بقلم: فتحي الخراط
(مدير عام سابق للمركز الوطني للسينما والصورة)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا