منبـر// توفيق بكّار ومولد الحداثة

بقلم : محمد صلاح الدين الشريف
ليس للكلام نهاية إذا كان الكلام في توفيق بكّار. هذا شأن الرموز وشأن النفوس الكبيرة. فلنكتف بالتقاط بعض العلامات ممّا خصّ

به بعض جلاّسه وممّا خصّنا به دون غيرنا وممّا أراد منّا توثيقه وتقييده في جلسات معه في بيته لهذا الغرض. وليس هذا أنّ الآتي ذكره لا يجاوز إلا أن يكون رواية عنه أو أنّنا بالضرورة رواتها الآحاد، بل هو أنّه قولنا في ما انطبع في الذاكرة من مقالات ومقامات؛ فهو بين القول عنه والنقل لما يتضمّنه القول من مقامات لا يبلغها إلا من خبرها أو عاش مثلها في تلك الأحياء من المدينة.

ولد محمّد توفيق بكّار والعالم الغربيّ المهيمن والمكتسح للعالم بين حرب تلمّ جثثها وترمّم حطامها وحرب تجمع عتادها وتدرّب جنودها وتبني مخابئها ويترصّد بعضهم بعضا لها، وأزمة الأموال تدقّ أجراسها، وتنذر بإقبالها، وعصفها بالبنوك والمنشآت، وتعلن التناقض والتضارب بين أعوانها والعاملين على إشعالها. وأمّا الثقل كلّ الثقل، فينزل على أكتاف الشعوب المستعمرة. وتونس منها.

في هذا المناخ المؤذن ببلوغ السنوات المجنونة ذروتها في الجنون، بين أزمة 29 وبداية الحرب الثانية، نشأ الطفل الموسوم بـ»الحطّاب» تبرّكا بالوليّ الصالح في ضواحي المدينة.

في هذه الفترة، أحكمت فرنسا قبضتها على البلاد، وبدأ فيها التبشير المسيحيّ بتجنيس المسلمين مع المؤتمر الإفخرستيّ، والتبشير الصهيونيّ بافتكاك فلسطين بكازينو البلفدير. وفي هذا المناخ، بدأ الوعي بالمفاهيم والطرق يتحوّل مع تطوّر الحركة الوطنيّة بقيادتيها القديمة والجديدة.

في هذه الظروف، بدأت وجهة بكّار تتحدّد بحيّ سيدي عبد السلام حيث تنتهي المدينة ويبدأ ما سيعرف بعد الحرب بفرنسافيل.

هناك نشأ بين حيّ حافل مركزه بطحاء الحلفاوين العتيقة الممتدّة أمام جامع صاحب الطابع بمئذنته الناقصة المتوعّدة بأكل رأس المجازف ببنائها من البايات وغير البايات، وما هو خارج الباب العتيق المتآكل السور والواعد ببدايات فرنسافيل الحيّ الرمز كما يريده جول فيري لفرنسا، فرنسا الناشرة للثقافة في بلاد الأعراب.

كان باب سيدي عبد السلام هو الباب المنفتح على السهل المؤدّي إلى الهضاب الشماليّة المطلّة على تونس بزياتينها القديمة، بين باب سعدون المطلّ على سهل منّوبة، وباب العسل الذي كان كباب الخضراء منفتحا على خضرة البلاد وبساتينها في سهل أريانة القرطجانيّة. بين هذين البابين، يحقّ لسيدي عبد السلام الأسمر أن يفتح قلبه للفقراء، وأن يكون بابه مربض البهائم والخيول، ومقصد النازحين من الشمال بالخصوص.

في تلك المساحة الممتدّة أمام الباب وعلى يمينه، اختارت فرنسا مشروع حيّها الجديد بحدائقه الجميلة وأنهجه الواسعة المتعامدة والحاملة لأسماء الكتّاب والشعراء الفرنسيّين الكبار، وبكنيسته الحديثة، كنيسة سان ميشال ذات الصلبان الواقفة على طول الصومعة من الجهات الأربع، والتي لم تتمّ في الحقيقة إلا وهو في الحادية والعشرين.

هناك نشأ الصبيّ بين المتواضعين من أهل المدينة العتيقة الحفصيّة والمتواضعين من الروامة الوافدين غير القادرين على أحياء مونفلوري ولا «البنفدير».

في ذلك المكان، بين «ربط» باب سويقة والحلفاوين وباب الأقواس حيث التجأت الروح التونسيّة القديمة السابقة للعهد التركي، وبين الضواحي القريبة من السور حيث تريد فرنسا زرع رموزها، وحيث كانت جحافل الفقراء النازحين تبدأ في تعمير ثاني الأحياء الشعبيّة على روابي الجبل الأحمر، في ذلك المكان الجامع بين الروح الحضريّة العتيقة والروح الغربيّة المتواضعة وروح البلاد الريفيّة النازحة، هناك في سيدي عبد السلام نشأ بكار بأصوله العائليّة المتجذّرة في أعماق البلاد وأصوله البلقانيّة أو الألبانيّة الوافدة؛ وهناك تشبّع بروح المدينة المترسّخة في هويّتها والمتشبّعة برموز أوليائها الصالحين سيدي عبد السلام الأسمر وما وراء اسمه من مزيج الفئات والأجناس والطبقات، وسيدي محرز الذي لولاه لسقطت تونس في البحر، والذي آوى يهود الملاسين في قلبها، وأوّل المعتبرين والمعبّرين عن الأصول القرطاجنية القديمة منذ عاد وثمود.

هناك خارج السور وقرب الفسقيّةالحفصيّة، نشأ وحوله الأجناس: فرنسيس وطليان، مسلمين ومسيحيّين، بيض وسمر، في روح تونسيّة متفتّحة، متشبّثة بلسانها ودينها وتائقة إلى كسر القيود، قيود الاستعمار أوّلا وقيود الذهنيّات البالية.

فكيف لا يكون ذلك الصبيّ، وكيف لا يبقى ذلك الفتى تأليفا بديعا من هذه الكيمياء العجيبة المنصهرة والصاهرة للحداثة في روح أصيلة.

هناك بدأ حفظه للقرآن، وهناك قرأ كتبه الأولى باللغتين. وبين القنطرة وباب الأقواس سار سيره في جحافل الموزيكاوالهلالو، على ضرب الطبول ونفخ الأبواق. وهناك تعلّم الدروس الأولى من الوطنيّة بالكشافة. وبين دار الجلد والفسقيّة مرورا بدار الباشا وهيبتها وبالزاوية البكريّة وسحرها والسبعة رقود بلغزها الأبديّ، ومن العطارين بروائحها العطرة إلى نهج الكبدة وسوق الجزارين بروائحها الأخرى والسوق الجديد بحلاقه الثرثار ونغمات الفونغراف الحديثة، كان يلتقط الروح التونسيّة وعذوبة لهجتها، وضحكة أهلها ومزاحهم، وارتفاع الحضريّين عن البذاءات مع حبّهم للإشارات المالحة الظريفة، ودعابات الروامة وتعرّيهم الجميل وإقبالهم على الحياة والرياضة.

هناك تعلّم التسامح وتعلّم النضال، فعاشر الشعبيّين من الفرنسيّين والأوربّيين، ورأى المجروح الرأس بضربات المستعمرين يجرّه الرفاق جرّا وهو يحمل قوّة الإيمان بالوطن بما بقي له من قوّة بعد ضعف الجسد وينادي الفزعين من نزيفه «ما تخافوش ... ما تخافوش ... الله أكبر»، عبارة كم سمعناها منه يردّدها ولا نظنّه نسيها في مثواه الأخير. هناك تدرّب على الفنّ والرياضة وعلى المظاهرات المطالبة بالاستقلال، مع وطنيّين صامدين ووطنيّات متحرّرات مسؤولات، أصبحن بعد الاستقلال رموزا للمرأة التونسيّة، فكم كان يعيد علينا إعجابه، وهو شاب، بنساء سافرات في الصفوف الأولى ينزلن نهج الكنيسة، نهج الزيتونة، لعرض صدورهنّ أمام البنادق المشرّعة.

قبل ذلك، لم يكن سوى صبيّ تتجاذبه الأصالة والتفتّح ويثري ثقافته التنوّع، ويتردّد أهله بين جامع الزيتونة والصادقيّة، فإذا به تلميذا بالليسي كارنو مع ثلّة أصبحت بعد عقود من أعيان الاستقلال.

هناك، من سيدي عبد السلام، مرورا بالحلفاوين وباب سويقة فباب قرطاجنّة أو مدق الحلفاء، ومقصّ باب الخضراء إلى ما بعد جبّانة اليهود إلى باب بحر، أو مرورا بباب العسل، فباب الخضراء فباب بحر، ومرورا بالتونسيّين من مسلمين ويهود، وبالروامة من طليان وفرنسيس ومالطيّة، كان يلتقط وحدة تونس وتنوّعها، ويملأ الخاطر بتناقضاتها، ليجلس فوق مقاعد أعدّت لتعليم التونسيّين تعليما أراده جول فيري هادفا إلى مسخ الذات، ويحرسه المقيم العامّ عن كثب، ويتجنّد له مدرّسون مقتنعون، وآخرون رافضون له ولروح الاستعمار.

هناك لم يتعلّم لسان المستعمر وآدابه فقط، بل تعلّم أيضا، وقبل كلّ شيء، أن يكون عربيّ اللسان إسلاميّ الحضارة على غير ما كان العرب وكان المسلمون. فهو لم ينس طول حياته، وإلى أشهر قبل وفاته ذلك القيّم الساخر من شاشيته فوق رأسه الصبيّ. ولا أظنّه نزع الشاشية من فوق رأسه أبدا منذ نهره الجلف يدعوه إلى نزعها، وإن لم أره إلا بالكلباك وكأنّه مقبل من بلاد الروس أو الكوزاك.

من كان يظنّ أنّ هذا الشيوعيّ الأزرق العينين، والحاذق للفرنسيّة، والمتلذّذ بلهجة الأحياء البلديّة والبدويّة، متشبّث بصفاء العربيّة وواجد على من ينال من محمّد النبيّ الإنسان المثبت الوجود في تاريخ البشريّة حتّى وإن سمّي بفلتير، مُعرض عمّن يسبّ الدين باسم الحداثة إعراضه عن المتزمّتين باسم الأصالة، معرض عن دعاة الاستغراب إعراضه عن أيمّة النفاق والخيانة، وعن المصلّين الذين هم عن العقل معرضون.

أرأيتموه معلّما شيوعيّا يحوب الآفاق يعلّم الصبيان القراءة والرياضة، ويقطع القرى على البسكلاة ليعرف روح الشعب وينشر فيها حبّ الحرّيّة والعدالة والمساواة بين الطبقات دون طعن ولا مسّ بمراتب الإيمان.

أرأيتموه معلّما شيوعا يكتب برأس الإبرة على الاستنسيل في الليالي على القنديل ليخرج المناشير بما يشبه الجريدة يبشّر بعالم جميل ليس فيه مستعمر ولا رأس مال آكل للرؤوس.

أرأيتموه ذلك المعلّم وهو بالسجن أسير مع أحد الرفاق، ممّن أصبحوا منذ انشقاقه عن الحزب من زعمائه، يراقب وهو على كتف أسير من كوّة عالية من يحمل من أبناء الوطن إلى المشانق أوالرصاص، ويصرخ باسم تونس والعدوّ يعدم في السجن نفسه الشهيد طراد، وينتظر دوره في العقاب لدعوته إلى حمل السلاح، راضيا بما اختاره من مصير.

إن رأيتموه، ذلك المعلّم، فهو توفيق بكّار، قبل أن يسافر إلى فرنسا وبعد سفره إليها ليدرس معالم الأدب والفكر ويقرأ ما لا نهاية له من الكتب ليصبّ مناهجها في عقول أجيال تؤمن بتونس وبعلمها الأحمر الخفّاق. فإلى هناك بباريس لم يسافر مهاجرا ناكرا للبلاد متعاليا عن روحها، بل حمل روح الحلفاوين في قلبه، وعلى رأسه الشاشيّة لا ترى، ليعود بها روحا لتونس الحديثة تلبس البنوار وتسرّح شعرها بالسشوار لم تنس العربيّة ولا ما في الإسلام من حضارة لا تضاهى، تتبختر على مناهج الباريسيّات في سيرها لتقول الدفين من سرّها والعميق في صدرها منذ أقدم العصور.

هذا بعض بكار، بكّار الذي لا يعرفه الكثيرون على علمهم به، ولكم بكّار آخر يعرفه الجميع، ولكلّ جيل توفيق وبكّار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا