اصدارات: كتاب «النساء والمعرفة والسلطة»: البحث بين هموم التحرّر وجدّة التجربة

د.محمد سويلمي
لماذا نبحث في النساء؟ وهل من جدوى في أن تبحث النساء في النساء أي أن تتحوّل النساء إلى ذوات باحثة وموضوعات بحث في آن؟


قد يمثّل كتاب «النساء والمعرفة والسلطة» الذي صدر عن دار ميسكلياني للنشر ضمن سلسلة «عدسات جندريّة» التي تشرف عليها الأستاذة آمال قرامي إجابة عن هذا الإشكال التاريخيّ والمعرفيّ. فالسلسلة «عدسات جندريّة» مشروع بحثيّ واعد كسر سكون المشهد الأكاديميّ التونسيّ ورتابة أطره المؤسّسيّة البحثيّة الخانقة والمتكلّسة، لا لعمق الأبحاث التي ضمّتها فحسب، بل لجدّة الطريقة وطرافة منوال العمل فيها.وقد أبانت تجربة كتاب «النساء والمعرفة والسلطة» عن وجود بدائل بحثيّة وخيارات أكاديميّة غير تلك المعهودة في سياقات الجامعة التونسيّة، فالعمل ضمن فرق بحثيّة تتحرّك في الفضاء الإلكترونيّ تجربة لها من التميّز بقدر ما لها من الاستعدادات العلميّة والتواصليّة.

ويُعدّ كتاب «النساء والمعرفة والسلطة» الإصدار الأوّل ضمن سلسلة «عدسات جندريّة» التي تشتغل على جملة من الموضوعات الإشكاليّة المرتبطة بهموم النساء على اختلاف فئاتهنّ وسياقاتهنّ المجاليّة والتاريخيّة والثقافيّة والاجتماعيّة ممّا يجعلها صادرة عن وعي فكريّ وسياسيّ يعتبر النساء سبيلا إلى التحرّر وطريقا إلى الترقّي بالمجتمع وبناء المواطنة الفاعلة. ولعلّ الطريف في الكتاب هو اجتماع مجموعة من الباحثات التونسيّات من اختصاصات مختلفة ومن مواقع متنوّعة ـ على غير المألوف ـ في مشروع بحثيّ جماعيّ تعدّدت موضوعاته وتباينت مقارباته ولكنّه ائتلف في الرهانين الفكريّ والتحرّريّ، وتوحّد في تفنيد الأوهام عن النساء وتسليط الضوء على تواريخهنّ المعتمة والمنسيّة.

وقد تضمّن كتاب «النساء والمعرفة والسلطة» ثمانية مقالات لباحثات تونسيّات في ميادين مختلفة كالتصوّف والأدب والدين والكتابة الروائيّة وغيرها، إلّا أنّها اشتركت في الخلفيّة الفكريّة التي تهدف إلى تفكيك التاريخ والثقافة والمجتمع وإعادة قراءته بمنظور نسويّ أساسه التحليل العلميّ الموضوعيّ. وحتّى يكون للمقالات منطق في الانتظام والتكامل، صدّرت الأستاذة آمال قرامي العمل بتعريف للسلسلة النسائيّة الجندريّة، ثمّ بمقدّمة تأطيريّة وتمهيديّة عرّفت فيه بكلّ مقال ووضعته في إطاره البحثيّ بلغة موجزة ودقيقة تيسّر على قارئ الكتاب تفهّم قضاياه وتضمن له متانة تفاعله معه. وتشترك كلّ المقالات في التمشّيّات المنهجيّة نفسها، إذ التزمت الباحثات بأطوار ثلاثة: مقدّمة تمثّل سياقا إطاريّا يتنزّل فيه موضوع المقالة، ثمّ طور منهجيّ تعلن فيه الباحثات عن أدواتهنّ المنهجيّة والإجرائيّة، وطور ثالث تحليليّ يشغّلن فيه هذه المقاربة في الموضوع المختار للبحث.

ويمثّل مقال الأستاذة آمال قرامي الافتتاحيّ «العلم ذكر لا يحبّه إلّا الذكران» عن علاقة النساء بالمعرفة في المنظور الذكوريّ الإسلاميّ فاتحة المقالات التي اتّخذت من قول دينيّ أثير عنوانا له مختبرة أحدث المقاربات البحثيّة في السياق الغربيّ المعاصر، وهي التقاطعيّة، ومفكّكة خلفيّات هذا المأثور الدينيّ ومزاعم الفقهاء قديما وحديثا بذكوريّة المعرفة لإقصاء النساء من محرابها واحتكارا للسلطة العمليّة والرمزيّة والوجاهة المجتمعيّة واستئثارا بالمعنى والحقيقة. وهو مزعم ثقافيّ ودينيّ تكفّلت الباحثة سلوى بلحاج صالح بتفنيده في مقالتها «الكاهنات العربيّات: معرفة وسلطة» لمّا أبانت المكانة الاعتباريّة للنساء الكاهنات قبل الإسلام وبعده، وما كان لهنّ من سلطة معرفيّة ودينيّة وسياسيّة تحكّمت في مصائر البشر جميعا رجالهم ونسائهم متوسّلة بمنهج تاريخيّ وأنثروبولوجيّ حفر في الأخبار وأفصح عن المنسيّ منه والمسكوت عنه.

أمّا الباحثة سماح اليحياويّ في مقالها «المتصوّفات ودوائر المعرفة والسلطة» فاختارت البحث في فئة نسائيّة تعرّضت إلى حيف منهجيّ بليغ وهي فئة المتصوّفات اللواتي شغلن مواقع هامّة في التاريخ والمجتمع بما لهنّ من كرامات ومشاهدات، وكنّ علامات في الجهاد الذاتيّ الروحيّ وأيقونات في الصلاح والاستقامة ممّا جعلهنّ قبلة الجمهور من الرجال الذين سألوهنّ الشفاعة والبركة. بينما اختارت الباحثة هاجر الحرّاثي أن تشتغل على سلطة النساء في مجال طالما احتكره الرجال، وهو مجال الأدب وما يحفل به من مجالس ومناظرات ومواقف خلّدتها الذاكرة الجمعيّة، فكان مقالها «المرأة و جدليّة المعرفة والسّلطة: قراءة في المجالس الأدبيّة النّسائيّة عند العرب إلى نهاية القرن الثّالث الهجريّ» تصحيحا لحسّ ذكوريّ يدّعي السيادة النقديّة والأدبيّة وتملّك مهارات التذوّق الشعريّ وإدراك أسراره.

لكنّ البحث في النساء لم يتوقّف عند عتبات التاريخ فحسب، بل انشغل بالراهن ورصد جملة من الظواهر التي تقوم حجّة وبرهانا على المواقع الاستراتيجيّة للنساء في حيازة المعرفة والسلطة. فالباحثة هاجر خنفير في مقالتها «الداعيات الإسلاميّات وسلطة القوامة المعرفيّة» ترتحل في الخطاب الدعويّ المرئيّ وترصد اقتحام فئة واسعة من النساء لهذا المجال وتعاظم أدوارهنّ في تشكيل الرأي العامّ وتبنّى رؤى مخصوصة في كثير من قضايا الحياة اليوميّة. أمّا هاجر المنصوريّ في بحثها «خطاب القُبيسيّات ورهان التغيير الاجتماعيّ» فتهتمّ بفئة من النساء السوريّات اللواتي شكّلن حركة اجتماعيّة سرعان ما عبرت مجالها المحلّيّ إلى آخر عالميّ استقطب اهتمام الجمهور بين مناوئ لها ومنافح.

وقد تصدّت الباحثة ريحان بوزقندة في مقالتها «إمامة النساء: شوق إلى كسر الطوق» لظاهرة قلّما انشغل بها البحّاثة وهي اقتحام النساء لفضاءات كانت محظورة عليهنّ ومخصوصة بالرجال وهي فضاءات الزعامة الدينيّة التي أُقصيت منها النساء بمزاعم نصّيّة دينيّة في الظاهر، ولكنّها ثقافيّة اجتماعيّة في الباطن. بينما كان للباحثة «سلوى السعداوي» شرف الختام في مقالها « الكتابة النّسائيّة: من معرفة السّلطة إلى سلطة المعرفة»نساء على أجنحة الحلم» و»شهرزاد ترحل إلى الغرب» لفاطمة المرنيسي أنموذجين» عندما حلّلت من منظور سرديّ/جندريّ قيمة الفعل الحكائيّ الإنشائيّ في مقارعة الطغيان الذكوريّ وتحويل حلم التحرّر إلى لعبة سرديّة نسجت النسويّة المغربيّة فاطمة المرنيسي خيوطها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499