قراءة في مسرحية «خوف» للفاضل الجعايبي «خوف» ... عندما يُعرِّي المسرح خوف الفنَّان ويكْشِفُ قلقهُ

ضو سليم ، أستاذ و باحث جامعي
«الخوف المرض الذي يأكل المنطق ويجعل الانسان هو لا انساني» - ماريان اندرسون -


« الخوف من الموت ينبع من الخوف من الحياة، فالانسان يجب ان يكون على استعداد للموت في اي وقت» - مارك توين –
اِحتضن المُركَّب الثقافي بمدنين مَسَاء الجُمعة 27 أفريل 2018 بِمُناسبةِ اِختتام الدَّورة 22 من المهرجان الوطني لمسرح التَّجريب عرْض «خوف» للثُّنائي المسرحي «فاضل الجعايبي» و «جليلة بكَّار» ، و يأتي هذا العرض مُتمِّمًا لمسار سياق إبداعي ثُلاثي الأقْطاب اِبتدأهُ المُخْرِج و رفيقتهُ في الكتابة بمسرحيَّة بعرض «تسُونامي» (2013) ثُمَّ مسرحيَّة «عُنْف» (2015) ليكون «خوف» تتويجًا لهذه الثُّلاثيَّة التي يطْرحُ عبرها صاحِبا العملِ جُملةً من المَشاغِلِ التِّي تُؤرِّقُ هاجِسَ الفنَّانِ و تُقِضُّ مضجعهُ و يُصوِّران خلالها ما آل إليه واقع المُجتمع التُّونسي مُنطلق ثورَات الربيع العربي ، فالمُحاكاة الدَّراميَّة للتاريخ ليْست مُجرَّد تسريدٍ جافٍّ أو توثِيقًا خالِصًا لأحداثهِ و إنَّما هي رُؤية فنيَّة و صياغة دراميَّة يُضفي عليه الفنَّانُ من روحهِ .
جاء في تَقْديمِ المسرحيَّةِ كالآتي « من عمق الصحراء تهبّ عواصف رملية تغزو البلاد وتدفن المباني والعباد تحت كثبان الرّمال. .. مخيّم كشّافة صغار يرافقهم قدماء ينجو منهم عشرة من الهلاك فيحتمون بأطلال مستشفى مهجور فارّين من خطر الموت وبوصولهم يكتشفون أنهم فقدوا واحدا آخر.يبيت جميعهم تحت الرّمال والبرد القارس... ينفد كلّ ما لديهم من طعام وماء إلاّ المزاح لم يغادرهم رغم شدّة الكرب وقسوة الخوف ورغم انهيار الأمل في الخروج من هذا المكان المميت إلى عالم الأحياء ... تستيقظ فيهم شياطينهم الدّفينة وتستفيق وحشيّتهم فيتفشّى فيهم جنون العظمة ومنطق التسلّط ويسود بينهم قانون الغاب فيتواجهون أفرادا وجماعات وقد تصدّع بنيانهم مثلما تصدّعت المباني والجسور والطرقات ..
ما هو مصيرهم بعد تلاشي قيم التآخي والتضامن وبعد طغيان الجوع والعطش... هل سيتآكلون بعضهم البعض أم سيبتكرون منافذ جديدة لتفادي الهلاك ؟ »
عبْر هذا النصّ ينْفذُ بنا الجعايبي إلى ذاتِ الإنسان المُتكالب على السُّلطة الموبوءِ بِمرضِ الزَّعامةِ وهي ذات نرجسيَّة مُتضخِّمةٌ ترفُضُ الإقْرار بأخْطائِها تعيشُ حالةً من التَّيهانِ داخِلَ حلقةٍ مُفرغةٍ مُنسدَّةِ الآفاقِ ، إنَّها ذات قريبةٌ منَّا شبيهة بذات كُلِّ واحدٍ ، فِي لُغةٍ رمْزيَّة مُشفَّرةٍ كثيفةٍ كثِيرةِ الإيحاء . فالعاصفة الهوجاء هي رياح الثَّورة العاصفة من كل صوب و حدْب و التي كُلَّما هدأتْ مدَّةً زمنيَّة قصيرة إلَّا و كان هدوؤها تمْهيدًا لعاصفة أخرى أعتى و أشدُّ و القادةُ الكشْفيُّونَ ليسوا سوى الزعماء السياسيين الذين ظلوا يرابطون مكانهم مُنذ مسكهم زمام الأمور في ظلِّ غياب مشْروع إصْلاحيٍّ مُجْتمعِيٍّ واضِحٍ ، فكلَّما أرادوا الخروج بنا من عنق الزجاجة و الاِبتعاد بنا عن غضبِ العاصِفة إلَّا ووجدْنا أنْفُسنا نعودُ إلى المربَّعِ الأوَّلِ « المُستشفى المهجور المليء برفاثِ وجماجم الموتى في المسرحيَّة » فالقائد فرج وهو نموذج القائد المُتعصِّب لرأيهِ ظلَّ يفرضُ على باقي المجموعة وصايتهُ في كُلِّ مرة رغم فشله الذَّريع مرارًا عدَّة في تخليص الفريق ظنًّا منه أنَّ عامل السنِّ و التَّجربة كفِيلٌ بقيادة المجموعة وهو ما يُفسِّرُ تجاهله لباقي أعضاء الفريق من الشبَّان بل بلغ به تعنُّتهُ إلى قمْعِ القائدة «شهْباء» باعتبارها امْرأةً ناقصةً عقْلا و لا يُعتدُّ بِرأيْها. ليشهد العمل المسرحي في ذروةِ أزمته (نفاد المؤونة و بداية التصارع و التناحر من أجل البقاء) تدخُّلًا من نِساء المجموعة - اللائي أبدين شجاعة و جرأة في المواقف طالما اِفتقدها القادة من الرجال – لوضع حدٍّ للزعامة الذُّكوريَّة و انْطلاق البحْثِ عن مخْرجٍ يُخلِّصُهم مِمَّا هُم فيه .
إنَّ ثقل النصِّ المسرحي في «خوف» و ما سبقها من أعمال يُضاهيهِ ثقلٌ مرئي سمعي عبر ما وظفه المُخرج من مؤشرات ركحية مُبهرةٍ فالعرض المسرحي ينهضُ على دعائم ثلاثٍ كأثافي القدر كاتبٌ يجترحهُ و مُخرجٌ يتمثَّلُ حمولته الدلاليَّة و سيولته المسرحيَّة و مُتفرِّجٌ يُشترط أن يكون على دراية واسعة بلغة المسرح و قادر على تمثلها و التواصل معها . و لقد جرى تصور العلاقةِ بين هذه الركائز الثَّلاثِ بطرق مختلِفةٍ اِختلاف درجة وعي المُخرجِ و اُطره الإيديولوجيَّة و منطلقاتهِ الثَّقافيَّة ، و قدْ نجح الجعايبِي في الإبانةِ عن اهتمامه الموسوعي بمُختلف الفنون الأخرى فسينوغرافيًّا نجح في تأثيث الرُّكح بديكور يُحاكي نسق المسرحيَّة و سوداويَّة الواقِعِ الذي تُعالجه وقد لفت انتباهنا تشابهه حدَّ التماثُل مع بعض الاختلاف الجُزئي مع ديكور «عُنف» رُبَّما لما للمكانيْن «السِّجن» و«المشفى المهجور» من بعض التواشُج نفسيًّا (كلاهما مكان مظلم متآكل تنتشر فيه الرطوبة ولا تصله أشعة الشَّمْسِ يبعثان على الرَّهبة ) . أمَّا صوْتِيًّا فلم تنقطع أصوات زفيف الرياح منذ بداية العرض يتخلَّلها هدير الطائرات التي تحملنا إلى الأيَّام الأولى من الثَّورةِ و نعتقدُ أنَّ هذه المؤثرات قد نجحت إلى مدًى بعيد في شدِّ المُتفرِّجِ و استفزاز وعيهِ وإثارة ذهوله أمام تنامي الحِبكة المسرحيَّة .
لقد نجحَ الجعايبي و بكَّار في تعريةِ المشهد السياسي العربي و كشْف ما يعْتريه من شرٍّ و فوْضى ونرجسيَّة و رغبة في التسلُّطِ و الفناء السياسي ، إنَّهُ باختصار مشهد فاسِدٌ تتمشْهدُ فيه الذاتُ مُتجرِّدةً من إنسانيتها مُطلقة العِنان لأهوائها و رغباتها الخبيثة . في عمل فُرجوي يمتحُ من مرجعيَّات مختلفة و ينفتحُ على نصوص سابقة غائبة حاضرة في ذهن الكاتبة بقُوةٍ .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا