الشاعر و الجامعي الطاهر البكري في ضيافة دار تونس: «اللغة هي فعل إنساني حر»

استضافت مؤسسة دار تونس بباريس و جمعية فرنسا تونس الشاعر و الجامعي و الباحث التونسي الطاهر البكري لإلقاء محاضرة حول موضوع الإزدواجية اللغوية. و حضر اللقاء ثلة من المهتمين التونسيين و الفرنسيين بالشأن اللغوي و الثقافي.
هذا الحدث الثقافي

اندرج في إطار الأعمال التي تنظمها الجمعية و تزامن مع حلول تظاهرة «ربيع الشعراء» التي ركزت هذه السنة على القرن العشرين. الطاهر البكري يعد من ألمع الأصوات الشعرية التونسية التي تكتب الشعر باللغتين العربية والفرنسية وهو أصدق صوت تونسي يمكن أن يتحدث عن تلاقح اللغات والثقافات وعن التحول من عالم إلى آخر بصقته كشاعر و كجامعي يدرس في جامعة الصوربون.

محاضرة الطاهر البكري جالت بين بروز ظاهرة الازدواجية اللغوية في التاريخ و ممارسته الشخصية لها. فكانت دردشة عميقة تخللها عمق إلمام الباحث الجامعي بمسارات تعايش اللغات المختلفة وصدق التمشي الفردي بين متاهات المعاني والكلمات المتراكمة في لغتين مختلفتين تتعايشان في نفس الذات.

بدأ الطاهر البكري محاضرته بتجربته الخاصة لينطلق بعد ذلك إلى ذكر المراحل التاريخية التي مرت بها ظاهرة الازدواجية اللغوية في تونس قائلا:» أنا أسكن منزلين،الأول لغته العربية و الثاني لغته الفرنسية». وركز على العبور بين لغة وأخرى ورحيله في المفردات و الصور منذ أن كتب وهو في المدرسة الإعدادية أول أشعاره ... باللغة الفرنسية و قدمها لإستاذه راجيا استحسانه لخطواته الأولى. فكانت الرحلة الطويلة من اللغة الأم إلى لغة الآخر، ثم الرجوع إلى اللغة الأولى حتى يتمكن الشاعر من «إعادة بناء بابل».

اللغة و الهوية
يقول الطاهر البكري «اللغة العربية متجسدة في كياني إلى حد أنني لم أشعر و لو مرة بالخوف من اللغة الفرنسية أو أنها تهدد هويتي». فالانتقال «من لغة إلى أخرى عند الترجمة هو ترجمة للذات» وهو» حوار بين اللغات بعيدا عن التعصب و الشوفينية». لأن «للكلمات قصة و تاريخ» و لأن الشعر «رحلة و نشيد أخوي منغمس في قيم الحضارة الإنسانية». و أن «اللغة هي فعل إنساني حر». و تجسم ذلك في قصيدتين تلاهما البكري على الحاضرين من كتابه «في حضرة يونس إمري» وقصيدة «أفغانستان» أين عانق الشاعر الحرية والتحرر في كنف الحب.

لكن البكري أشار في محاضرته إلى أن التجربة التونسية تختلف عن التجربة الجزائرية أين تم فرض اللغة الفرنسية على الشعب من قبل المستعمر الفرنسي. وهو يقول « لا يجب أن تستعمل اللغة لقمع واستعباد شعب». وأضاف أن الشاعر الفرنسي لويس أراغون ندد ب «مأساة اللغة»، تعقيبا على تجربة الكاتب الجزائري مالك حداد الذي كان يقول «اللغة الفرنسية هي منفاي» لما لفرض اللغة من وطأة على نفس الكاتب الذي تم فصله من اللغة الأم. ولم تكن، حسب البكري، تجربة التعريب في الجزائر صائبة لأنها لم تؤصل اللغة العربية بل استعملتها لأغراض سياسية مما أفضى إلى مأساة. وردد أن «اللغة عطاء رائع للإنسان» و « إني لا استعمل اللغة كوسيلة حرب أو كغنيمة حرب».

الإزدواجية اللغوية والحداثة التونسية
تعرض الطاهر البكري لزرع اللغة الفرنسية في تونس ابتداء من عهد البايات، وبالتحديد عام 1840 عندما أسس الباي سيدي أحمد باي الأول، «أب الحداثة في تونس» المدرسة الحربية بباردو أين تتلمذ خير الدين باشا على أساتذة فرنسيين و إيطاليين و تونسيين كالشيخ المصلح محمود قبادو. ثم أشار إلى تأسيس المدرسة الصادقية عام 1875، في عهد سيدي الصادق باي، على أيدي خير الدين باشا الذي أدخل التعليم المزدوج بين اللغتين العربية و الفرنسية والعلوم الحديثة لتكوين جيل من التونسيين أعطى للبلد فريق التحرير من الإستعمار الفرنسي. و كانت اللغة، بالنسبة للبكري، أداة تحول و تغيير مستشهدا بمقولة للجاحظ:»كل ما هو واقف فهو إلى نقصان».

وأكد الطاهر البكري على ضرورة إعادة النظر في مسألة الازدواجية اللغوية في تونس من حيث توطينها التاريخي و انتشارها. فهو يؤكد أن زرع اللغة الفرنسية كان قرارا تونسيا بحتا يدخل في نطاق تحديث المجتمع و مؤسساته. و بدأ ذلك أكثر من أربعين سنة قبل الحماية الفرنسية على يدي تونسيين كونوا النواة الأولى للمصلحين. ثم عند انتصاب نظام الحماية ، يذكر الطاهر البكري أن لويس ماشوال مدير التعليم العمومي، الذي كان مولعا باللغة العربية وبالإسلام، اختار عام 1883 أن تدرس الفرنسية إلى جانب العربية من ذلك انتشار المدارس الفرنسية العربية التي كانت تلقي 9 ساعات باللغة العربية إلى جانب 21 ساعة باللغة الفرنسية. وأكد البكري على أن التونسيين كانوا من البداية شغوفين بالتعلم بالفرنسية وازداد ذلك مع انتشار المدارس المزدوجة.

رواد الشعر باللغة الفرنسية في تونس
ولم يقتصر المحاضر على ذكر ما يؤمن به بل أعطى للحاضرين نبذة عن عمق معرفته بتاريخ الأدب التونسي الناطق بالفرنسية. و ذكر الزاد الذي خلفه أحد رواد هذا الأدب وهو الشاعر والأديب صالح القرمادي صاحب «اللحمة الحية» و ناشر مجلة أليف. و ذكر أن أول قصيدة تونسية باللغة الفرنسية نظمها الشاعر صالح فرحات عام 1918 ثم أتى بعده التونسي من أصل إيطالي ماريو سكاليزي الذي كتب بلغة موليار، وهو يحمل الجنسية الفرنسية.
أما من كتب في اللغتين فهم كثير: فريد غازي، مصطفى الفارسي فرج لحوار، عبد العزيز قاسم، حافظ الجديدي، منصف غشام، نجاة الورغي، أحمد كريستو وغيرهم. و أشار الطاهر البكري إلى ظاهرة الكتابة باللغة العامية في تونس، وهي لغة الشعب اليومية التي أنتجت أشعارا مهمة دونها محمد المرزوقي فيما يتعلق بلهجة المرازيق و كذلك استعملت في ملحمة الجازية الهلالية. وأضاف أن ابن خلدون، الذي درس و حلل المجتمعات العربية، قد جمع قصائد تونسية باللهجة التونسية. وهو ثراء في ديناميكية اللغات التي تسمح للإنسان بحرية الإختيار.

جامع الزيتونة و الحداثة
أراد الطاهر البكري في محاضرته أن يخرج، كعادته، عن القوالب الجاهزة المفبركة لأغراض سياسية و لمعارك اديولوجية. فأشار إلى ضرورة إعادة قراءة دور جامع الزيتونة في بروز الحداثة في تونس. وقال إن بعض شيوخ الزيتونة و خريجيها كانوا يحذقون اللغات الأوروبية و أن دور محمود قبادو وابن أبي الضياف في البداية تواصل مع الطاهر الحداد وأبي القاسم الشابي وجميعهم من خريجي جامع الزيتونة. و ذكر كيف كان الشاعر أبو القاسم الشابي، الذي كان لا يتكلم الفرنسية وهو من أهم المحدثين في تونس، يلتقي بصالح العتري ليترجم له بعض أشعار لامارتين و فيني ليستلهم من الشعر الفرنسي.

ولم يشكل ، حسب البكري، إدخال اللغة الفرنسية في تونس قضية بالنسبة لمن راود معهد كارنو و العلوية و المدارس المزدوجة و دار المعلمين العليا. لكن القضية اللغوية استعملت سياسيا لمقاومة الإستعمار. و تواصل الإستعمال السياسي في سبعينيات القرن الماضي عندما «اختطفت قضية اللغة من قبل السياسيين لتخوين المعارضين» حتى أن إتحاد الكتاب التونسيين لم يقبل كاتبا تونسيا واحدا باللغة الفرنسية و أن مجلة الحياة الثقافية الرسمية لا تنشر إلا بالعربية.

أما تاريخيا فهو يعتبر أن الطليعة الوطنية التي قاومت الإستعمار كانت متكونة من ثقافتين و تتكلم العربية والفرنسية و كان في ذلك ثراؤها. وكانت تصطدم بالمحافظين من بعض مشايخ الزيتونة و من المستعمرين عللا حد سواء. يفتح البكري هكذا مجالا للبحث في تأصيل الفكر الإصلاحي الحداثي في تونس وتفسير كيف أصبحت ظاهرة الإزدواجية اللغوية في تونس أمرا واقعا يتجسد في كل لحظة في اللغة العامية، لغة الشعب، بدون مشكلة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية