الفعل البيئي المسؤول والتحوّل المجتمعي المأمول

تعرف الساحة البيئية منذ فترة ورغم الموسم الصيفي إرهاصات حراك بيئي أعقب الاحتفالية الوطنية باليوم الوطني والعالمي للبيئة

الذي نشط الأمل الجمعي المشترك في عودة الروح لمنظومة التوعية والتربية البيئية.
ومع انطلاق جولة جديدة من محاولة إحياء أو تجديد النموذج التحسيسي التقليدي لبييب، تعددت المبادرات المؤسساتية والمساعي الرسمية للوزارة المسؤولة عن البيئة لدفع العمل المواطني انطلاقا من الجهد الخاص بالنظافة وتأهيل المنشآت البيئي المرتبطة بالجمالية الحضرية مثل المنتزهات وحدائق النباتات وترسيخ اندراج البلاد في مسارات العمل الدولي لصن البيئية والتكيف والتقليص من آثار تغير المناخ.

وتتحرك هياكل الدولة قوية بأرصدة ذخائر في مقدمتها ترسانة تشريعية ومؤسساتية بصدد التحيين وإعادة الهيكلة وإطار جمعياتي صري وحيوي زاهر بالكفاءات والمتطوعين ورصيد غني بالخبرات والكوادر ذات الصيت الدولي.
وتوحي الأنشطة المتواترة التي دعيت لها المؤسسات ومكونات المجتمع المني والمبادرات التي تجمع بصورة أفقية عناصر الأجهزة الوطنية من إدارات وهياكل ومنظمات ونخب بما يؤسس على مقاربة الوعي الجمعية والمسؤولية المشتركة وتقاسم أعباء التخطيط والتصور والتنفيذ طبقا لطبيعة البيئة بما هي شلأن أفقي مشترك,

ويعتبر تنسيق الأدوار بين مختلف الفاعلين لبناء مقاربة متناسقة وفعالة للتنمية المستدامة تشترك فيها قوى المجتمع من أبرز التحديات ومهام الدولة والمجتمع في آن واحد.

واقتُرح مفهوم الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة في عام 1992 في جدول أعمال القرن 21 (الفقرة 8-7) حيث دعيت البلدان إلى إدماج الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في خطة عمل واحدة تركز على الاستراتيجية على الصعيد الوطني. وينبغي للاستراتيجية الوطنية ”أن توضع من خلال أوسع مشاركة ممكنة“. وينبغي ”أن تستند إلى تقييم متعمق للحالة الراهنة والمبادرات المطروحة“. وفي برنامج التنفيذ المستقبلي لجدول أعمال القرن 21 الذي اعتمد في دورة الجمعية العامة الاستثنائية التاسعة عشرة (23 - 28 جوان 1997)، أكدت الدول الأعضاء من جديد أهمية الاستراتيجية الوطنية وحددت عام 2002 هدفا لصياغة ووضع الاستراتيجية الوطنية التي تعكس مساهمات ومسؤوليات جميع الأطراف المعنية.

بيد أنه بحلول عام 2002، واستناداً إلى التقارير الوطنية الواردة من الحكومات، لم يكن سوى نحو 85 بلداً قد وضع شكلا من أشكال الاستراتيجيات الوطنية، وتفاوتت طبيعة وفعالية هذه الاستراتيجيات إلى حد كبير من بلد إلى آخر. وجددت خطة جوهانسبرغ التنفيذية التي اعتُمدت في مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة لعام 2002، من خلال الفقرة 162 (ب)، التزام الدول الأعضاء ”باتخاذ خطوات مباشرة لإحراز التقدم في صياغة ووضع استراتيجيات وطنية للتنمية المستدامة وبدء تنفيذها بحلول عام 2005“.

وخلال العملية التحضيرية لمؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة لعام 2002، عقد المنتدى الدولي المعني بالاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة في أكرا بغانا في عام 2001، وأسفر عن إصدار التوجيه المتعلق بإعداد استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة. وعرَّف بالاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة بأنها إجراء متكرر لتنسيق الأفكار والإجراءات وتشاركها من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية والبيئية والاجتماعية بطريقة متوازنة ومتكاملة. والأهم من ذلك أن الاستراتيجية الوطنية هي دعوة إلى تغيير مؤسسي. وهي تهدف إلى الانتقال من الممارسة التقليدية الثابتة المتمثلة في وضع الخطة على الورق إلى إنشاء نظام مرن يمكن أن يتحسن باستمرار. وينبغي أن تكون عملية ”تشمل تحليل الحالة، وصياغة السياسات وخطط العمل، والتنفيذ، والرصد، والاستعراض المنتظم. إنها عملية دورية وتفاعلية للتخطيط والمشاركة والعمل يتم التركيز فيها على إدارة التقدم نحو أهداف الاستدامة بدلا من وضع ’خطة‘ كناتج نهائي“.

ويتعين على كل بلد أن يحدِّد لنفسه أفضل السبل للتعامل مع إعداد وتنفيذ استراتيجيته الوطنية للتنمية المستدامة، وذلك حسب الظروف السياسية والتاريخية والثقافية والبيئية السائدة. ولا يمكن ولا يستصوب اتباع نهج ”نموذجي“ للاستراتيجيات الوطنية للتنمية المستدامة. والتسمية الخاصة التي تطبق على استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة ليست مهمة، طالما يتم التقيد بالمبادئ الأساسية التي تميز استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة، وطالما أن الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية متوازنة ومتكاملة.

واليوم، عندما يتم إدماج خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأهدافها السبعة عشر للتنمية المستدامة في السياق الوطني، ولو أن البلدان لا تسميها بالضرورة ”استراتيجيات وطنية للتنمية المستدامة“، تكون جميع المبادئ الأساسية التي تستند إليها متجذرة في صميم التنفيذ الوطني لأهداف التنمية المستدامة في جميع أنحاء العالم. وكما شهدنا في الاستعراضات الوطنية الطوعية التي جرت في المنتدى السياسي الرفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة، تظل المسائل من قبيل المسؤولية الوطنية والالتزام السياسي القوي، وإدماج الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية عبر القطاعات والأقاليم والأجيال، والمشاركة الواسعة النطاق والشراكات الفعالة، وتنمية القدرات وتهيئة البيئة الملائمة، فضلا عن تعبئة وسائل التنفيذ، في صلب المناقشات المتعلقة بالسياسات العامة على جميع المستويات.

وبمراجعة وثيقة هامة أصدرتها مؤسسة هنريش بول بتونس قبل عام استرجعت محطات المنجز البيئي هلال العشرية الأخيرة مــن التشــريعات البيئيــة اســتنادا إلــى مجــاالت بيئيــة متعـددة تتعلـق بالتلـوث والطاقـة والتنـوع البيولوجـي والتـراث الثقافـي والتغيـرات المناخيـة ّ والتنميـة المسـتدامة وغيرهـا مرورا بمراجعات وتشريعات بيئية مهمة وصولا إلى القانــون المتعلــق باالألمــان االاجتماعــي وبالمســؤولية االجتماعيــة للمؤسســات القانون والتضامنــي وغيرها.

كما توقفت عند .النقائص حيث كان مـن المنتظـر أن تعـرف المنظومـة القانونيـة المتعلقـة بالبيئـة منـذ 2011 مراجعـة عميقـة فــي مختلــف المجــاالت ذات العالقــة المباشــرة و غيــر المباشــرة إال أن دراســة التشــريعات الصــادرة خــال هــذه العشــرية تبيــن تميــز هــذه الفتــرة بنــدرة القوانيــن ذات تأثيــر علــى البيئــة ربمــا لأن هاجــس المشــرع أنذاك لــم يكــن بيئيــا باألاســاس بالرغــم مــن أهميــة صــدور بعــض النصــوص كدســتور 2014 و الــذي يمثــل تجديــدا فــي علاقة بالحقــوق البيئيــة. ولفتت الوثيقة إلى تأخر إرساء الهياكل المستحدثة بالدستور بالرغــم مــن أهميــة التكريــس الدســتوري للحقــوق البيئيــة و للضمانــات الدســتورية لهــذه الحقـوق مـن خـال إرسـاء الهيئـات الدسـتورية إالى أن التأخيـر فـي إصـدار القوانيـن األاساسـية التـي تضبـط تركيبـة هـذه الهيئـات والتمثيـل فيهـا وطـرق انتخابهـا وتنظيمهـا وسـبل مسـاءلتها مـن ناحيـة وفـي إرسـاءها علـى ارض الواقـع مـن ناحيـة ثانيـة عرقـل تفعيـل هـذا

البـاب الهـام مـن الدسـتور ممـا اثـر علـى فاعليـة هـذه الهيئـات التـي لـم تتمكـن أن تلعـب دورهـا الدسـتوري. ّمع صدور تشريعات أخل ّت بالحقوق البيئية أو تمثل تراجعا عنها إن حصيلـة التشـريعات الصـادرة خـال عشـرية الثـورة فاجأتنـا مـن خـال صـدور تشـريعات تمثـل تراجعـا عـن الحقـوق المكرسـة مـن ذلـك صـدور القانـون عـدد 11 لسـنة 2015 المـؤرخ فـي 27 افريــل 2015 و المتعلــق بتســوية وضعيــة المبانــي المنجــزة والمخالفــة لرخــص البنــاء الــذي جلـب اإلنتبـاه بسـبب تأثيراتـه السـلبية علـى البيئـة كما أن عـددا مـن المجالـس البلديـة التـي تـم إرسـاؤها اثـر انتخابـات 2018 واصلـت العمـل بهـذا القانـون الـذي لـم يعـد سـاري المفعـول واتخـذت قـرارات تسـوية معتمـدة نفـس فلسـفة هـذا القانـون. كمــا مثــل القانــون المنقــح لمجلــة الغابــات تراجعــا مــن خــال إدخــال تعديــات قــد لا تخــدم حمايـة الغابـات وتنوعهـا البيولوجـي إذ جـاءت هـذه التعديـات باسـتثناءات مـن شـأنها السـماح بأنشـطة فـي المجـال الغابـي ال تسـمح بهـا مجلـة الغابـات بينمـا لـم يتـم أي تعديـل مـن شـأنه تدعيـم الحمايـة الغابيـة مـن ناحيـة وتحييـن المجلـة انطالقـا مـن التطـورات الدوليـة التـي طـرأت علـى قانـون البيئـة منـذ مؤتمـر ريـودي جانيـرو لسـنة 1992.

كما توقفت الوثيقة عند قصــور بعــض التشــريعات الهامــة علــى تكريــس أوســع و أنجــع لمكونــات البيئــة و للمقتضيات البيئية - بالرغـم مـن أهميـة مجلـة الجماعـات المحليـة مـن ناحيـة المكانـة التـي تمنحهـا للبيئـة وللتنميـة المسـتدامة عامـة إال انهـا تعانـي مـن عديـد النقائـص و التـي عرقلـت فاعليتهـا فـي تحقيـق تنميـة محليـة مسـتدامة و فـي حوكمـة بيئيـة محليـة حيـث إقتصـر المشـرع مـن ناحيـة أولـى علــى تكريــس جزئــي لمكونــات البيئــة حيــث نالحــظ غيــاب عديــد المكونــات البيئيــة الهامــة فـي مجـال صلاحيات الجماعـات المحليـة علـى غـرار الطاقـات المتجـددة، التنـوع البيولوجـي و فــي مقاومــة التغييــرات المناخيــة، خاصــة فــي علاقة بالبلديــات الســاحلية مثــلا.

كما طرحت تساؤلا عــن هــذا الهيــكل المنصوص عليه والمقرر إحداثه لتسيير وتوجيه الشأن البيئي خاصــة فــي غيــاب رؤيــة إســتراتيجية تكفــل النجاعــة والعدالــة واســتدامة المســار التنمــوي. • الصعوبات التي تخص الهيئات ذات العالقة بالحقوق البيئية بالرغـم مـن صـدور نصـوص هامـة تحـدث الهيئـات ذات العالقـة بالحقـوق البيئيـة حيث سجلت عديــد النقائــص التــي تشــكو منهــا هــذه النصــوص إذ و بخصــوص القانــون عــدد 60 لســنة 2019 المنظـم لهيـأة التنميـة المسـتدامة و حقـوق الاجيـال القادمـة نسـجل مفارقـة واضحـة ّ بيـن النـص الدسـتوري الـذي وضـع السـقف عاليـا فـي مجـال الحقـوق البيئيـة ومبـادئ التنميـة ُ المسـتدامة مـن خـا ّ ل إعطـاء مكانـة دسـتورية للهيئـة ولـو أن وظيفتهـا استشـارية والقانـون ّ الـذي وضـع تصـورا ليـس بالكفيـل بتحقيـق التطلعـات الدسـتورية .

ومما سجلته الوثيقة ّ قلة التشريعات المتعلقة بالمكونّات الثقافية للبيئة ّ تعـد ّ التشـريعات المتعلقـة بالمكونّ ـات الثقافيـة للبيئـة الصـادرة فـي الفتـرة 2011 إلـى 2021 ، قليلــة جــدا وذلــك ســواء علــى مســتوى التشــريعات الوطنيــة أو تلــك المتعلقــة بالمصادقــة علـى االتفاقيـات الدوليـة. • ضعف البعد البيئي في النصوص ذات الطابع االقتصادي بالرجــوع إلــى النصــوص الصــادرة خــال العشــرية يلاحظ أن إدراج البعــد البيئــي فيهــا جــاء متفاوتـا مـع تأكيـد علـى التنميـة المسـتدامة أكثـر مـن التركيـز علـى البيئـة، ثـم أن بعـض هـذه النصـوص كان قـد تراجـع فيمـا يتعلـق بالتشـجيع علـى الاستثمارات البيئيـة مقارنـة بمـا كانـت عليـه النصـوص السـابقة بينمـا لـم تتعـرض بعـض هـذه النصـوص تمامـا إلـى البعـد البيئـي رغـم أهميتـه بالنسـبة لمجـاالت تلـك القوانيـن. • التأخــر أو عــدم صــدور الأوامر التطبيقيــة لعديــد التشــريعات ذات التأثيــر علــى الحقــوق البيئيــة.
كما تم الالتفات . إلى غياب خيار االانضمام إلى بعض االتفاقيات الدولية البيئية إن مـا الحظنـاه فـي هـذه العشـرية وفيمـا يتعلـق باالتفاقيـات الدوليـة هـو عـدم المصادقـة علـى بروتوكـول مدريـد حـول التصـرف المندمـج فـي المنطقـة السـاحلية والـذي كانـت تونـس قــد وقعــت عليــه منــذ ســنة 2010 بالرغــم مــن

انضمام بلادنا إلــى كامــل اإلطــار القانونــي التفاقية برشـلونة و بروتوكولاتها اإلاختيارية و الغريب أن بالدنا إسـتكملت إعداد اإلاسـتراتيجية الوطنيـة حـول التصـرف المندمـج فـي المنطقـة السـاحلية و المنصـوص عليهـا فـي بروتوكـول مدريـد.

ولئـن بذلـت بلادنا مجهـودات كبيـرة للتخفيـض مـن حـدة الكربـون إال أنهـا ال تـزال بعيـدة عـن نسـب التخفيـض المحـددة بإتفاقب اريـس وال تـزال عـدة قطاعـات تعانـي مـن ارتفــاع نســبة االنبعاثــات )الطاقــة, الفلاحة...(. كمــا أن بلادنا تأخــرت فــي مراجعــة و تحييــن مسـاهمتها الوطنيـة المقدمـة منـذ سـنة 2015 ّ و التـي لـم يتـم تقديـم نسـختها المحينـة إال فــي تاريــخ 23 و 24 ســبتمبر 2021 أي قبــل أســابيع مــن قمــة قلاسكو 26 COP. و هـو مـا يؤكـد نقائـص الإطار التشـريعي الحالـي الـذي ال زال يحتـاج إلـى تكريـس مصطلحـات منبثقــة عــن اتفــاق باريــس كمصطلــح المنــاخ )كما تم التأكيد على - اسـتكمال تحييـن مجلـة الميـاه بمـا يتماشـى مـع االسياق الجديـد لا سـيما للحـق فـي المـاء وعلاقتـه بأهـداف التنميـة المسـتدامة و اإلالتزامـات الدوليـة لتونـس فـي هـذا المجـال مــن خــال التنصيــص علــى مبــدأ التأقلــم والحــد مــن التغيــرات المناخيــة وادراجهــا ضمــن أولويـات القطاعـات ذات العلاقة . ومن بين الاتفاقيات المتوجب استكمال انضمام تونس لها اتفاقيــة اروس Aarhus حــول الوصــول إلـى المعلومـة والمشـاركة فـي مسـار القـرار والوصـول إلـى العدالـة فـي المجـال البيئـي المؤرخـة فـي 25 جـوان 1998 والتـي سـيكون لهـا التأثيـر الايجابي علـى التشـريعات البيئيـة التونسـية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا