التثمين، طريق المبدعين

يعتبر الفن التشكيلي كسائر الفنون وسيلة جمالية نعبر من خلالها عما يجيش في وجداننا من أحاسيس تجاه ما يعتمل في حياتنا اليومية. ولكل فن أدواته فإذا كانت الفنون الأدبية

تنبني على العبارة المنتقاة بعناية وفق نوعية النصوص، وإذا كانت الموسيقى تعتمد على النغمة واللحن وبآلات متنوعة، فإن الفن التشكيلي فن يشتغل على الخامات فتتحول إلى أشكال وتشكيلات جميلة رائعة، ومن ذلك نقف على أنواع تشكيلية لها حضورها القوي في حياتنا كالنحت والتصوير والعمارة وغيرها.
وتعد الرسكلة تشكيلاً باعتبارها إعادة تركيب وإخراج جمالي للأشياء تحتاج إلى عين مبدعة تتلمس الإبداع في كل المرئيات، كما تستند إلى قدرة فائقة على الابتكار والتحويل، إنها تجديد الصياغة للأشياء وتحويلها من ملمح وحال إلى آخر، وهي عملية مرتبطة بالحس الإبداعي والخبرة في الابتكار والخيال الخلاق الذي به نضع الصور الإبداعية الممكنة في مخيلاتنا قبل إخراجها إلى الواقع في شكلها النهائي الجميل. وحين يتعلق الأمر بالرسكلة التشكيلية فإن الأمر يتعلق بتجميع تركيبي لأشياء مختلفة من أجل التوصل إلى تشكيل ما يحيل على ملمح إبداعي معين. ولتحقيق ذلك ينبغي استحضار ملكات ينبغي التوفر عليها قصد تحقيق إبداعيات جديرة بالقبول والمدح، وفي مقدمتها سعة الخيال باعتباره العنصر الخلاق في كل أشكال وأجناس الإبداع، تليها القدرة على التعديل والانزياح بالعمل نحو صفة غير اعتيادية كي تحقق بهما مفهوم الإبداعية، ولا بد في كل ذلك من أسلوب يبرز لمسة المبدع الخاصة التي تميزه عن غيره من المبدعين في المجال ذاته.

وانطلاقا مما سبق، وارتباطا بواقع استهلاكي مرتبط بالأغذية المعلبة صارت الرسكلة للمتلاشيات والمخلفات أمرا يفرض نفسه علينا، ومن هنا وجد الفن التشكيلي ضالته فصارت الرسكلة مجالا له وزنه اليوم من حيث فوائده الجمالية والانتفاعية.
أحمد قدريب وبدر الدين العلمي، اثنان من الفنانين البيئيين، يرسكلان بقايا بلور وكرتون ويعدان نماذج من تحف وأدوات وأثاثا أنيقا قابلا للاستعمال لايومي، في تجسيد نموذجي لمفهوم الرسكلة، والتدوير.
أحمد قدريب،الذي يشارك هذه الأيام بمعر يقام بقصر المعارض بالكرم، انطلق في مغامرته، وهو يعاين خلال رحلات الصيبد البحري، بقايا قوارير بلورية، شرع في جمعها، والتفكير في تحويلها لأدوات فنية وتحف ومصابيح وغيرها..
الطريف أن العالم يحتفي هذه السنة بالسنة الدولية للبلور، وحلم قدريب كان، تنظيم تظاهرة وطنية جامعة حول هذا المحور.

أما بدر الدين العلمي، الذي التحق بمنصة للمؤسسات الناشئة بمحضنة اقامها الباعث علالة الجامعي في غار الدماء،فيجمع كثير مما يعاينون أعماله، أنها أغرب من الخيال دقة تنوعا وجمالية وصلابة.

لحسن ملواني يؤكد، تحول علب السردين إلى لعب وإلى تحف ديكورية لتزيين طاولات غرف النوم. وأصبحت سدادات القنينات جداريات جميلة، وأشجارا وأزهارا. الأوراق والجرائد القديمة والمجلات والأقلام المستعملة والكراتين مواد خام تحول إلى تحف رائعة نجد بعضها في مطاعم ومقاه وفنادق. إطارات السيارات وسائل لصناعة الكراسي وأصص الزهر والورد، ولصناعة حيوانات وتحف لتزيين الساحات العمومية. إنه الفن التشكيلي، الفن القادر على تحويل التافه إلى وازن، والمرمي المهمش إلى المهتم به، والبشع المهجور إلى جميل محبوب، وبدل أن تصير المتلاشيات والمخلفات مضايقة لنا تصير حاضرة بجانبنا نستغلها في حياتنا اليومية نستمتع بها وننظر إليها نظرة فخر، شاكرين الله الذي جعل الإنسان كائنا مبدعا يكيف الأشياء لصالح بيئته وحياته. فـ(الرسكلة) تعيد الحياة إلى المهمل من الأشياء فتصير ذات قيمة وفضل حين تتغير فتصير شيئا آخر، فكم من قنينة تحولت إلى مصباح أو شمعدان أو كأس، وكم من جريدة تحولت إلى سلة جميلة بألوان جميلة مغرية، وكم من قميص بال يتحول إلى حقيبة يد جميلة، وكم من أقلام تحولت إلى أشجار بعد أن انتهت صلاحيتها، إنها عملية صياغة للجميل من المتروك المرمي المهمش.

وبعيدا عن فوائد الرسكلة إبداعيا فلها فوائد كثيرة جدا في حماية البيئة، فهي طريقة جميلة للتخفيف من أخطار تراكم النفايات التي تضايقنا في الفضاءات العمومية كالشواع والحدائق والمدارس، كما أنها البديل لأضرار حرق أو طمر النفايات أو مراكمتها، كما أن عملية التدوير كفيلة بتوفير فرص للشغل، واقتصاد في المواد الخام مما يؤثر إيجابيا على البيئة وهي تشكو من الاستهلاك المفرط لمعطياتها، مما يوفر المال الكثير الذي يصرف في البحث عن المواد الخام، علاوة على الطاقة الباهظة التي ستصرف من أجل التصنيع. وانطلاقا من أهمية الرسكلة يتحتم على المكلفين بقطاع الفن التشكيلي في كل بلدان العالم أن يعملوا على القيام بمعارض فردية وجماعية وبمهرجانات تتخذ من حماية البيئة إبداعيا شعارا لها.

لا شيء يضيع، فكل شيء يستخدم من جديد، شعار بيئي بامتياز، يسمع عنه البعض، ويمارسه كثيرون في البلاد المتقدمة، حيث بلغت نسبة تثمين النفايات في بعض البلدان 100 %، وحققت بالتالي شعار صفر نفايات، بينما وصل الأمر بشركات عملاقة في المجال لاستيراد فضلات بلدان شقيقة وصديقة,, إلى هذا الحد وأكثر ,,

لذلك يتنافس المستثمرون المحليون والدوليون في طلب ود القائمين على فضلاتنا من بلديات وجماعات، طامعين في عقود تخول لهم الاستفادة من هذا الكنز المهمل:
في ما مضى سمعنا أشقاء عرب يتحدثون في منتديات بيئية عن التدوير ومزاياه.

ذهب في حسبان البعض أن الأمر بديهي إذ اكتشف العرب مزايا تدوير الحزام قرونا قبل عهود سامية جمال وفيفي عبده ونجوى فؤاد غير أن الأمر يتعلق بالأحرى بتدوير النفايات لتكون لها بعد الاستعمال الأول دورات جديدة في الحياة.
استعدت تلك الذكريات خلال زيارة لكرنفال البيئة، المعرض الذي أقامته جمعية الصيانة والتحديث بمقرين قبل ست سنوات بدار الثقافة ابن رشيق حيث تم عرض عشرات من التصاميم الأنيقة من ملابس مستعملة تم تجميعها وإعادة تشكيلها بلمسات فنية مبتكرة استغلت مواد كانت تلقى في سلة المهملات منها معلبات ياغورت وقوارير مشروبات مختلفة.

وبادرة جمعية مقرين ليست الأولى ولا الأخيرة في محاولة إيقاد شرارة التثمين التام لكل النفايات والمواد المستعملة ومخلفاتها، غير أنها لبنة في صرح الوعي والتحرك نحو الرفع من نسبة اعادة استغلال النفايات المستغلة كما في مجال التطهير، حيث ترتفع تدريجيا نسبة استغلال المياه المطهرة في أغراض متعددة.

لا بد من تأسيس جدي ومأسسة لنشاط الرسكلة الذي يلقى اهتماما متناميا في بلادنا في عديد الاختصاصات كالبلاستيك والزيوت والورق والمعادن.

ولبيان الأثر المباشر لهذا التوجه البيئي نذكر على سبيل المثال أن صيانة الطبيعة (من غابات وأنهار) أصبحت ذات أهمية متزايدة في قضية إعادة التدوير أو الرسكلة. فمن المقدر أنه (في الولايات المتحدة) حوالي 40 مليون نسخة من الصحف المرمية كل يوم، تعادل رمي نحو نصف مليون شجرة تنتهي في مصبات القمامة كل أسبوع .

كما إن معظم فضلاتنا عضوي، أي أنها قابلة للتحويل إلى سماد عضوي، وتقدّر ب 2ر2 مليون طن,إذ يقدّر معدّل النّفايات المنزلية المنتجة من قبل الفرد الواحد بحوالي 0،6 كلغ/اليوم .
فعلا آن الأوان لتكاتف المعنيين وتعبئة القدرات من أجل تسريع نسق التثمين والرسكلة واعتمادها أولوية تنموية وبيئية ترصد لها المزيد من الحوافز وتسن التدابير وتوضع الخطط من أجل أن يبلغ مستوى الاستسامد ذروته فتنتعش الزراعة ويستفيد الفلاحون وفنيو التثمين،وتتحرك عجلة المشاريع الصغرى في مجالات الرسكلة في كل جهات البلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا