حكماء العرب.. توحدهم البيئة ؟

ببادرة من الجمعية التونسية للتنمية البشرية والتدريب، تنطلق في الحمامات بعد غد الثلاثاء 15 مارس وعلى امتداد ثلاثة أيام، دورة أولى من المنتدى العربي للبيئة والتنمية المستدامة

، حاملة معها وعودا وأحلاما بأن توضع قضايا العرب البيئية بجدية على طاولة البحث والتفكير والقرار التشاركي.
لا يفعّل العرب لا يفعلون مخرجات الجلسات مع جل وزراء البيئة، الذين لا يكاد يسمع لهم صوت.

وحسنا حملت البادرة، مشروع جمعية من رحم المجتمع المدني ويرأسها ناشط كشاف من الرواد والقادة التاريخيين هو الناصر العوني، محفوفا بزمرة من الشركاء الفاعلين من عدة أجيال بينهم أحلام بوخريص والطاهر قسيلة وسالم العقربي ومنصف مطار.
ومع محدودية النشاط، ونسبية الحضور وقلة الموارد وفرص التأثير بعد اختتام فعاليات المنتدى، الذي سيتناول أبرز القضايا البيئية الحارقة في الوطن العربي، فإن الخطوة تعد إشارة إيجابية، في سياق حراك بيئي تعرفه البلاد، والمنطقة بوجه عام.
وأكد وزير بيئة مصري أسبق هو مصطفى حسين أن العرب يهتمون بالبيئة، احيانا، وربما نادرا، جميع الجمل والمفردات والمترادفات فى الماضى القريب، التى تكشف وتفسر خطورة القضايا البيئية فى الوطن العربى وأبرزها النفايات والملوثات والمواد الخطرة، ولكن هناك قضية أخطر وراء تفاقم الأزمات البيئية وآن الأوان أن نتطرق اليها، وهى تجاهل الحكومات والشعوب العربية لقضية المخاطر البيئية، وعدم وضع هذه المخاطر فى الخانة المناسبة فى مربع الاهتمامات السياسية والشعبية بالوطن العربى، فكيف سيكون هناك حلول لمواجهة القضايا البيئية التى تصل مخاطرها لدرجة الدمار مثل النفايات النووية، بينما ليس هناك ظهير إعلامى وسياسى للتوعية بالأزمات البيئية ودعم مادى ومعنوى من الحكومات لمواجهة هذه المخاطر؟.

ليست هناك صحيفة بيئية فى الوطن العربى وليست هناك ولو دقائق معدودة فى برامج التوك شو المنتشرة فى الفضائيات العربية مخصصة لمناقشة القضايا البيئية، فكيف ستصل للشعوب والحكومات فى الوطن العربى أهمية الأزمات البيئية.
كما أن انعدام الوعى الشعبى بالمخاطر البيئية سيجعل الوصول إليها أمرا صعبا، وبطبيعة الشعوب العربية لا تميل لمعرفة القضايا البيئية، والدليل على ذلك أن قرابة 95 % من الشعوب العربية لا يعرفون اسم وزير البيئة فى بلادهم. ولكى نقوم بحملات توعية للشعوب العربية لمساعدتنا فى مواجهة القضايا البيئية ، فالأمر يحتاج إلى ملايين لترسيخ القضايا البيئية عن طريق إصدار صحف بيئية فى الوطن العربى، وإنشاء مواقع إلكترونية، ونشر صفحات ممولة على مواقع التواصل الاجتماعى لتصل لأكبر عدد من المواطنين ، بخلاف عمل إعلانات توعية متطورة، فى الفضائيات العربية الأكثر مشاهدة التى تبيع دقيقة الهواء بأسعار خيالية، فكيف يحدث ذلك ولا يوجد دعم عربى للمراكز البيئية للقيام بهذا الدور.

نحتاج إلى تصميم برامج وحملات توعية بمخاطر البيئة للوصول بشكل مؤثر وتوعية المواطنين ، بأهمية دور كليات الإعلام بالعالم العربى فى النهوض بقضايا الإعلام البيئى، لتوجيه الرأى العام وتوعيته بقضايا ومشكلات البيئة، وإحداث تغيير سلوكيات الأفراد تجاه مشاكل البيئة، وعدم الوقوف فى دور المتفرج السلبى، وضرورة تأهيل الإعلاميين وتدريبهم فى بيوت خبرة متخصصة، وخلق حوار جاد بين الباحثين والأكاديميين فى مجال الإعلام البيئى، للارتقاء بمستوى المعالجات الإعلامية لقضايا البيئة.
نحتاج انتفاضة توعية إعلامية لنخرج من دائرة المناقشات والتوصيات محدودة المشاهدة، والوصول إلى العامة، ولكن كيف نفعل ذلك، بينما الدول الأوروبية تقوم بدعم المراكز البيئية البحثية، لمواجهات الكوارث البيئية فى الوطن العربى، بينما حكومات الدول العربية نفسها لم ترصد أى دعم أو ميزانية للمراكز البيئية والبحثية فى هذا الشأن؟ أعتقد أن هذا تناقض عجيب.

وعلينا أن نعترف أن الأبحاث البيئية أو العلمية وقضية التوعية، ليست فى حسابات حكوماتنا، نحن فى مأزق حقيقى ، الكوارث متفاقمة والتوعية معدومة، والإمكانيات للوصول إلى حلول جذرية لهذه الكوارث تكاد تكون ليس لها هامش فى ميزانيات الدول العربية، وما تفعله المراكز البيئية بمثابة صيحة استغاثة وليس هناك من مغيث يقدر الموقف جيدا خاصة فى جوانب الدعم المالى لتحقيق أهدافنا.

عندما كنت وزيرا للبيئة بجمهورية مصر العربية، حاولت اختراق الدراما المصرية، وعقدت جلسة مع عدد من المنتجين ومؤلفى المسلسلات المصرية، لإقناعهم بوضع خط ولو رفيعا فى أعمالهم الدرامية عن المخاطر البيئية التى تهدد الوطن العربى، خاصة وأن الدراما هى القوة الناعمة التى تغزو العقول بإمتاع وتشويق وإثارة، يفتقدها علماء البيئة فى طرح وجهات نظرهم بسبب المعانى العلمية التى تبدو معقدة، وبالفعل نجحت التجربة وخرجت 3 مسلسلات للنور تضمنت رسائل توعية بيئية بصورة غير مباشرة. ولكن ما يجعلنى أشعر بالمرارة التى تبدو كالعلقم، أن هناك أعمالا درامية يتخللها دعاية إعلانية للترويج للنفايات كهذه التى تروج أجهزة كمبيوتر مستوردة ومتهالكة وعمرها الافتراضى لا يتعدى عدة شهور، للتخلص منها فى الوطن العربى. هناك بالفعل ضرورة ملحة لإعداد مواد وبرامج إعلامية جاذبة بالتوعية البيئية، سواء فى شكل درامى أو غنائى مع وضع تعريف جامع لنقل التكنولوجيا تمهيدا لوضعه فى مقررات دراسية، وطرح دبلومات مهنية عن الإعلام والبيئة ووضع خريطة للإعلام ليقوم بدور مؤثر فى البيئة.

وأتمنى أن تشهد الدول العربية انتفاضة علمية بيئية قبل فوات الأوان، ووقوع الكارثة وتكلفة علاجها يفوق آلاف المرات دعم المراكز البيئية التى تقوم بدور الوقاية ، عن طريق التواصل مع البلدان العربية ولم الشمل تحت مظلة بيئية واحدة .
فليس منطقيا أن يعتقد أحد أن مخاطر النفايات الخطرة والملوثات، على سبيل المثال لا الحصر، لن تطاله، فهذه المخاطر تحلق فوق رءوسنا ورءوس أبنائنا وأحفادنا، فالملوثات وباء وآفة الألفية الثالثة، ولن يستطيع أحد التحصن منها إذا استمرت عقارب الساعة تدور بسرعتها الجنونية، ونحن مازلنا ندور ببطء فى فلك التوصيات، ومازال الطريق شاقا وطويلا، مليئا بالأشواك، وفى النهاية لا يبقى لى سوى أن أقول: لاتتناسوا أن الحروب الحديثة، لم تعد تعتمد على تبادل إطلاق النيران بل هناك أسلحة بيئية، عن طريق تدمير البيئة ، فلو علمنا المليارات التى ترصدها إسرائيل للأبحاث البيئية والعلمية لخجلنا من أنفسنا، خاصة أنها أكبر من ميزانية الأبحاث العلمية والبيئية فى كل الدول العربية، فأغيثوا أنفسكم بالدعم المناسب.

بعض البدان العربية منفردة بذلت جهودا واضحة وأنجزت تجارب مميزة ورائدة، ووفق ما كتبت أمينة خيري، وحين تفرض البيئة واستدامتها، والمناخ وتغيراتهه، والطاقة وأنواعها، والاقتصاد الأخضر، نفسها على اهتمام المواطن والمسؤول العربي، فإن هذا يعني أن الأمر ليس رفاهية. سنوات طويلة مضت وملايين المواطنين العرب حبيسي مفهوم خادع، ألا وهو أن «البيئة ليست قضيتنا، إنما هي قضية الغرب». وعلى الرغم من أن الغرب ودول العالم الأول هي المسؤول الرئيسي عن ما يكابده الكوكب حالياً من مخاطر بيئية جمة، إلا أن العرب قادمون.
عقود طويلة وما كان يعرف بـ«الدول الصناعية الكبرى» تتصدر قائمة أكثر دول العالم تلويثاً للبيئة، وهو التلوث الذي ساهم بقدر كبير فيما نعانيه اليوم من تغير مناخي يتجلى في احتباس حراري وما ينجم عنه من كوارث «طبيعية» (وإن كانت هي في الأصل من صنع أنشطة الإنسان غير المسؤولة) مثل الجفاف والفيضانات والأعاصير وغيرها، وهو ما يتسبب بدوره في خسائر بشرية ومادية فادحة.

فداحة الوضع البيئي تغيرت ملامحها بخطوة ذكية في مظهرها بالغة الخبث في حقيقة أمرها، وذلك بتصدير الصناعات الأكثر تلويثاً للبيئة إلى الدول ذات الدخول المتدنية والمتوسطة. ويقول خبير الجغرافيا البيئية الدكتور حمدي هاشم في مقال له إنه «لولا تبني الدول الغنية سياسة تهجير الصناعات القذرة أي شديدة الضرر للبيئة، وذلك بامتلاك ملاجئ للتلوث تستقبل هذا النمط من الصناعات لتستفيد من فرق الكلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، مع تعالي هاجس الاهتمام بالبيئة والتطور التقني الفائق للتكنولوجيات النظيفة ورصد عناصر التلوث لأدق مستوى ووصول جماعات الضغط السياسي إلى مراميها في دول الشمال الغنية، لما عادت الحياة إلى الأنهار الكبرى في شمال أوروبا بعد عقود مظلمة طغى فيها التلوث الصناعي السام».
لكن سمية التلوث لا تعترف بحدود. وكأن تصدير أو تهجير هذه الصناعات للجانب الآخر من العالم لم يكن كافياً، فقد ظهرت صرعة تحويل أطنان من القمامة الأوروبية، والمحتوية على البلاستيك غير المعالج، إلى عدد من الدول النامية وكأنها مكباً للنفايات.

لكن لا مجال للحديث عن الحظ أو الاعتماد عليه ليحل ما نتعرض له جميعاً – وإن كان بدرجات متفاوتة – من آثار بيئية بالغة الخطورة فاقمها الوباء المهيمن على العالم. وقبل أشهر قليلة، أصدر كل من «برنامج الأمم المتحدة للبيئة» و«مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان» ورقة مهمة عنوانها «حقوق الإنسان والبيئة وجائحة كوفيد 19» حملت عنواناً فرعياً هو «حقوق الإنسان في الاستجابة». أبرز الرسائل كانت ضرورة إعمال الحق في بيئة صحية، حيث التدهور البيئي وفقدان التنوع البيولوجي يهيئان الظروف لزيادة الأمراض المنقولة من الحيوان إلى الإنسان ما يؤدي إلى انتشار الأوبئة، ومراجعة تفاعلات البشر مع الطبيعة والحياة البرية لا سيما أن 60 ٪ من الأمراض المعدية و75 ٪ من الأمراض المعدية الناشئة في البشر، بما فيها «كوفيد 19» حيوانية المصدر، وحماية الأشخاص الذين يعانون الفقر والتمييز لا سيما وأنهم الأكثر تضرراً من آثار الوباء، بالإضافة إلى ضمان المشاركة الهادفة والمستنيرة.
ومن دواعي السرور والاطمئنان أن تأتي دول مثل مصر والإمارات ضمن دول العالم التي تتخذ خطوات فعلية على صعيد المشاركة الهادفة والمستنيرة في قضايا البيئة التي باتت ضرورة ملحة.

دور ريادي رائع تطرحه الإمارات في مجال العمل البيئي، وهي التي وضعت قضايا البيئة والحفاظ عليها ضمن أولوياتها عقب تأسيسها. واليوم تتبوأ الإمارات مكانة الصدارة عالمياً بامتلاكها أكبر بصمة بيئية، ناهيك عن إجراءات وقوانين عدة تجعل تفاصيل الحياة اليومية صديقة للبيئة ومحافظة عليها. ثم تأتي «المبادرة الاستراتيجية لتحقيق الحياد المناخي بحلول 2050» لتكون بحق نموذجاً عملياً يحتذى للعمل الفعلي والإيجابي على صعيد تغير المناخ ومواجهة تحدياته بشكل منطقي ومستدام ومراعٍ لحقوق الإنسان، لا سيما الأجيال المقبلة التي تستحق عن حق حياة أكثر أمناً ومراعاة للبيئة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا