مخاض التأسيس لولادة سياحة:بيئية جديدة

تمثل السياحة أحد الحقول الذي تجتمع فيه رهانات الاقتصاد الوطني القائم على موارد تقليدية وهشاشة المنظومات والفرص المتسعة لإمكانات توفير حلول قادمة من مراجعة

المقاربات المعتمدة وأين نبدأ للخروج من أزمتنا الاقتصادية والتنموية والبيئية الخانقة؟
تمثل السياحة قطاعا حيويا بامتياز لتونس إذ تساهم بـ6.5 % من الناتج المحلي الإجمالي وتغطي حوالي 60 % من العجز التجاري وتوفر أكثر من 350 ألف فرصة عمل مباشر وغير مباشر
المعطيات الرسمية المتعلقة بالقطاع السياحي في تونس، تشير الى ان بلادنا سجلت تراجعا في المداخيل خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2020 في حدود 60 %.
ولم يتجاوز عدد ليالي الإقامة في الفنادق 4.62 مليون، أي بتراجع بـ79.5 % مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، في ما بلغ عدد الوافدين الى تونس مليونا و714 ألفا و493 شخصا حتى 20 سبتمبر 2020 .
وبرغم المؤشرات الصعبة، والأفق القاتم لقطاع ترنح تحت وقع جائحة كوفيد19، توجب التحرك بإيجابية خلاقة، والبحث بروح يوصفها الدكتور لزهر التايب رئيس جمعية التنمية العادلة، بالانطلاقة اليومية لتأسيس جديد، والتغيير والإصلاح ،والمبادرة لبذر كل ما يهيء لمحصول وحصاد مرتقب، وإن في أمد متوسط وبعيد.
هي مقاربة التنمية المستدامة التي لا تغفل حقوق الأجيال القادمة وتعتمد تجدد الموارد وتحقيق ديمومة أسس التنمية ومقدراتها.

فلا أفق للسياحة دونما إنشاء لبدائل متنوعة وذات طابع مستدام، ولا أمل في حلحلة الإشكالات العالقة دونما سعي في طرق بكر، وبحث واجتهاد خارج طاحونة الشيء المعتاد.
كل الدلائل تؤكد دور السياحة الأيكولوجية في التقليص من ظاهرة النزوح الريفي بمنطقة الغزالة، وذلك من خلال دفع اليدّ العاملة المحليّة للترويج لمنتوجاتها واستقبال السائحين والمستكشفين بالمنطقة، وهو ما يعزّز التضامن الاجتماعي فيما بينهم
إن الإقامة المحلية مثلًا هي وسيلة جديدة لإيواء الزائرين والمستكشفين عبر منازل للضيافة مجهزّة بالأساسيّات وتتميّز بالبساطة، تتلاءم مع المناخ البارد والحارّ. وأضاف أنه يتم أثناء فترة الإقامة تقديم منتجات غذائيّة صحيّة متنوعة بدلًا عن المنتجات الاستهلاكية المصنّعة.وقد اعتبر ناشطو (جمعية نحن نغير)أنّ نجاح السياحة الأيكولوجية في تونس مرتبط بتوحيد جهود المجتمع المدني المحلّي والوطني ومؤسسات الدّولة لتطوير هذا النوع من السياحة، وهو ما يعدّ ضروريًا على اعتبار تنوع رأس المال الطبيعي، والثراء الثقافي، وتوفر اليدّ العاملة المحليّة والمنتوجات الصحيّة في تونس
وللتذكير فإن السياحة البديلة هي السياحة المختلفة عن السياحة الشاطئية ويعود تاريخ تفكيرنا في تنويع منتوجاتنا السياحية الى منتصف التسعينات والبنك الدولي نفسه تقدّم الينا بتوصية في عام 2000 بضرورة تنويع المنتوجات السياحية كي يتجاوز القطاع ازمته الموسميّة فالسياحة الشاطئية هي سياحة موسميّة.
ورغم طول فترة الحديث عن دفع هذا المجال يرى مختصون أن وراء محدودية الاشعاع نقص إرادة فتشتت المتدخلين في المشاريع عطّل تقدّم هذا الملف كما ان وزارة الثقافة ربّما لم تقتنع مصالحها بوجهة النظر الاقتصادية في استغلال المعالم الثقافية والاثار، هناك اذن اختلاف في وجهات النظر بين الجانب الاقتصادي والجانب العلمي والمحافظة. وبالتالي لا تُبْذل مجهودات كبرى لتثمين هذه المنتوجات اقتصاديا.

قانونيا هل تطورت النصوص بتطور الرغبة في تنويع هذه المنتوجات البديلة وكذلك بتغيّر التوجهات السياحية اليوم وبروز وافدين جدد مثّلوا صنفا جديدا من السيّاح وهم مستكشفو الغابات والصحارى وغيرها؟
وقد تم إنجاز دراسة استراتيجية حول السياحة خلال 2010 وتم تحيينها مرتين وتم في هذه الدراسة الوقوف عند أهمية السياحة البديلة وتم تحديد اهداف كميّة منها إضافة الى 40 مشروع إيواء بديل سنويّا.
كما تنص الدراسة على تنويع المنتوج لضمان ديمومة الموسم السياحي واستقطاب أسواق جديدة ففي تونس هناك طاقات كبيرة وبالامكان مضاعفة عائداتنا من القطاع السياحي ومضاعفة عدد الوافدين من خلال السياحة البديلة كما ان في هذا القطاع طاقة تشغيلية عالية جدا واشعاعه يكون اكثر على المناطق الداخلية وهذا يخدم التمييز الإيجابي..
إن السياحة البيئيّة لها مستقبل واعد كما يتنبأ الفاعلون، وهي دافع هامّ للتنمية المستدامة والمحافظة على الثروات الطبيعيّة والبيئيّة، خاصّة وأنّ القطاع يشهد تطوّرًا نوعيًا من حيث الأنشطة الممارسة. لكن على المستوى الكمّي، لازال القطاع يشهد إهمالًا من قبل مؤسسات الدّولة، في ظلّ انعدام القوانين المنظّمة للسياحة البديلة وتحفيزها.

وفي هذا الجانب، دعا زهير بجاوي رئيس جمعية «جالطة للبيئة والسياحة الأيكولوجية» الدّولة إلى دعم الجمعيات ذات الشأن البيئي والأيكولوجي ضمن عدالة وطنية تشمل جميع جهات البلاد التونسيّة
من أجل تطوير آليات التمويل في قطاع السياحة البيئية وتكييفها مع برامج ومشاريع تحقٌّق التنمية للجهات التّي ينشطون بها، وذلك انطلاقًا من هيكلة القطاع بما يتماشى مع متطلبات وحاجيات المجتمع المحليّ وتوحيد الجهود حتى لا يكون مجال الفعل منحصرًا في المبادرات الفرديّة.
تساهم السياحة الإيكولوجية، في الأثناء، في نشأة وعي فردي وجماعي وباحترام البيئة والطبيعة، كما تهتم بشكل خاصّ بتنمية المجتمع المحلي. كيف ذلك؟
إن السياحة الايكولوجيّة تمكّن الحرفيين من الترويج لمنتوجاتهم في كافة المجالات من غذاء، وترفيه، ولباس وإقامة بما يتلاءم مع خصوصيّات مختلف المناطق الطبيعية، وهي إنتاجات بيولوجيّة وصحيّة. وهو ما ساهم، في التقليص من نسب البطالة خاصّة في صفوف النساء والشباب، إذ يوفّر المجتمع المحلي خدمات معيّنة للسائح بمقابل ماديّ غير مكلّف، وهي فرصة للترويج لمختلف الأنشطة الحرفيّة والإبداعيّة.

وللتوضيح نشير لثلاثة نماذج أحدها في جربة، وهو فضاء بيئي طريف في جربة يحمل إمضاء المالطية التونسية لمياء،والتي تخصص جانبا هاما من إمكاناته لتنشيط الأطفال المعوقين، ورغم قلة الدعم تستعد لافتتاح فضاء جديد .
وفي روابي مرناق مثلا فضاء هاسيندا المميز وهو نموذج لاستثمار بيئي وسياحي وترفيهي وإطار لتحقيق الكثير من الأهداف والحاجيات دونما تبذير لموارد وإهدار لطاقات وتلويث لفضاء.
ففي هذه الوحدة الرابضة وسط أحضان جبال مرناق وهضابه وسهوله وروابيه، فرص نادرة للحظات متعة منفلتة من سياقات الروتين والترابة، ومعانقة الطبيعة وقضاء فترة حالمة

عندما قرر موظف البنك إسكندر الزريبي تشييد بيت صغير داخل ضيعة والده في مدينة زغوان (شمال شرقي البلاد)، يأوي إليه في عطلة نهاية الأسبوع؛ لم يدر بخلده أن تلك الإقامة الخاصة ستتحول يوما ما إلى نزل إيكولوجي نموذجي ووجهة سياحية بديلة يؤمها يوميا ما يناهز ألف زائر.
وللهروب من صخب المدينة وازدحام شوارعها، اختار الزريبي في عام 2006 أن يكون ذلك البيت الذي صنعت جدرانه من الخشب الصلب وأحاطت به أشجار الزيتون واللوز والتفاح، بمثابة إقامة عائلية وقتية، لكن أمرا ما دفعه إلى تشييد بيت ثان ثم مجموعة من الغرف التي اعتاد أن يستضيف فيها أسرته وأصدقاءه وزملاءه في العمل من الهاربين من ضجيج المدينة والباحثين عن هدوء الطبيعة وسحرها.

يسترجع إسكندر صاحب أول نزل إيكولوجي بتونس مراحل إنشاء مشروعه قائلا للجزيرة نت «الأمر كان محض صدفة؛ فلم أكن أنوي غير التمتع بالراحة وسط الضيعة، أنعم وعائلتي بالهواء النقي، حتى وجدت نفسي أدعو أصدقائي لمقاسمتي سحر الطبيعة، وفي 2010 شيدت بيوتا أخرى، بلغ عددها 15 غرفة إيكولوجية في عام 2015».
ويضيف أنه «بناء على طلبات الأصدقاء وتزايد عدد الزيارات طورنا المشروع، وقمنا بتوسعة النزل بتشييد حمامات طبيعية ومطاعم وقاعة للمؤتمرات، كما وفرنا فضاءات لبعض الحرفيات لإقامة مشاريع وسط هذا الفضاء، وبيع المنتج للزوار والمقيمين».
ويرى الزريبي أن الفرصة سانحة لينسج عدد من المحافظات التونسية الأخرى على منوال زغوان، لإقامة مشاريع في السياحة البديلة، مثل الكاف وباجة (شمال غرب) وتوزر (جنوب) وغيرها؛ بفضل ما تتمتع به من مواقع مميزة قادرة على استقطاب الزوار للترفيه أو الإقامة.
ويعد نزل «دار زغوان» وفق تقرير للجزيرة ، والذي يمتد على عدة هكتارات وسط المناطق الزراعية في زغوان واحدا من الفنادق الإيكولوجية التي صارت أكثر من أي وقت مضى وجهة محبذة للسياح التونسيين والأجانب، بفضل ما يتوفر فيها من هدوء المكان وسحر الطبيعة والخدمات الصحية والفندقية والترفيهية.
وفي 2018 تم اختيار نزل دار زغوان مشروعا نموذجيا سياحيا بديلا في حوض البحر المتوسط من حيث استخدام الطاقات المتجددة والنظيفة من قبل لجنة أوروبية متخصصة.
وتوفر «دار زغوان» نحو ثمانين فرصة شغل مباشر وغير مباشر بالنزل، وبعض الحرفيين وأصحاب المشاريع الصغرى.

وفي ظل المؤشرات المتواضعة للقطاع السياحي في السنوات الأخيرة، استهوت الفنادق الإيكولوجية داخل الضيعات الفلاحية وخارج المدينة عددا من المستثمرين.
وتُعد تونس أكثر من أربعين وحدة سياحية بديلة، عبارة عن ديار ضيافة أو وحدات للإقامة والترفيه داخل مناطق زراعية أو جبلية وضيعات حوّلها أصحابها إلى مراكز للإيواء تستقبل الزوار وتقدم خدمات سياحية موازية وأنشطة ترفيهية.
كما توفر هذه الوحدات السياحية البديلة طاقة تشغيلية مهمة لأصحاب المشاريع الخاصة، وتحتضن بعض المبادرين والحرفيين الشبان، بحسب منال عريبي التي تملك مخبرا طبيعيا لصنع مستحضرات التجميل ومواد الزينة والعطور.

وتملك السياحة البديلة والايكولوجية والخضراء مزايا مهمة دفعت لإنجاز دراسات لتشجيع بعث أنشطة جديدة وبديلة في عدد من الجهات بينها الشمال الغربي، و لكل ذلك يتبين أن مجال تطوير السياحة البديلة وتنمية المشاريع والمنتجات والفضاءات الجديدة والتشجيع عليها وتوفير دعم مناسب لمثل هذه المشاريع خيار استراتيجي وهو من المشاريع الكبرى التي تتناغم فيها مسارات تقليص التلوث وتغير المناخ وتعزيز صلابة الاقتصاد وتنافسية المؤسسات وديمومة الأنشطة السياحية..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا