شذرات سينمائية خضراء

من الافلام الخضراء.. ولقطاتها المبهرة صور ناطقة ومعبرة.. السينما محمل لتغيير الوعي وإعادة بناء السلوك.. في اتجاه الاستقامة والرشد.

لأجل ذلك نشطت فرق سينمائية ودوائر إنتاج في ابداع أعمال استهدفت الكوكب والمناخ واتجهت إلى شد الجماهير إلى معضلات البيئة وتحديات الحياة الراهنة والمستقبلية .
في تونس انعقدت بمدينة الثقافة دورة جديدة من انفيروفاست أو مهرجان البيئة وشهد عروضا متنوعة للكبار والأطفال أكدت أن الشاشة الكبيرة تحتفي بالبيئة وتعكس همومها وتحفز على الانتصار لها.

قبل ذلك بأسبوعين وفي القيروان...تحت عنوان «من اجل مواطنة خضراء ..البيئة تتحدى الأوبئة «،انطلق مهرجان فيلم البيئة الدولي بالقيروان في دورته الحادية عشرة بعد غياب أربع دورات متتالية.عودة للمهرجان تأتي كتحدً لجائحة كورونا وفق مديره عمر النقازي الذي شدد على ان الافتتاح راعى مقتضيات وتراتيب البروتوكول الصحي تفاديا لأي عدوى محتملة، مضيفا أن مهرجان هذه الدورة احتفى بالفنون وفي صدارتها السينما بمشاركات عربية وعالمية ذات علاقة بالبيئة قبل عام كتب البيئي اللبناني نحيب صعب عن.. سينما من أجل البيئة ..واعترف أنه قد يكون المكان الأخير الذي تنتظر أن يستضيف مهرجاناً دولياً للأفلام البيئية مدينة ليس فيها صالة واحدة للسينما.

عن طريق الصوت والصورة، تستطيع السينما إيصال رسالة بيئية قوية إلى الناس، لا للتوعية فقط، بل للحث على العمل من أجل التغيير. ليست مهمة الفن إيجاد حلول، إذ يكفيه عرض المشكلة وطرح التساؤلات لكي يساهم في تحريك القلق على المستقبل. وإذا كان الجمهور العريض للأفلام البيئية عامة الناس، فهو أيضاً المسؤولون في مواقع السلطة. الرسالة البيئية القوية التي تصل من خلال فن سينمائي محترف تدفع الناس إلى تغيير عاداتهم وتصرّفاتهم وإلى الانخراط في العمل الاجتماعي للمساهمة في التغيير على المستوى الأهلي. لكنها أيضاً تحوّل الجمهور إلى قوّة ضاغطة لدفع المسؤولين السياسيين على المستوى الوطني، كما في الإدارات المحلية، إلى اعتماد خطط وإجراءات تحمي البيئة وتضمن التوازن لتحقيق التنمية القابلة للاستمرار.

حين ننظر إلى المباني والطرقات، هل نعرف ما هي كميات الرمال والحجارة والحصى المستخدمة في الاسمنت المصنوعة منها؟ فيلم الافتتاح كأن للمخرج الفرنسي دينيس ديليستراك يعرض لمشكلة شفط الرمال من الشواطئ لأغراض البناء، وهو مادة أساسية في خليط الاسمنت. كما يكشف عن حجم الرمال المستخدمة لبناء الجزر الاصطناعية، بما فيها مواقع في بعض بلدان الخليج العربي. شفط الرمال، بكميات كبيرة وبلا قيود احترازية كافية، يؤدي إلى تعرية الشواطئ، والقضاء على التنوع البيولوجي، وإفقار الحياة البحرية، وخسارة السكان المحليين لمصادر رزقهم التقليدية. المخرج نفسه قدّم فيلماً مذهلاً عن أثر النقل البحري للبضائع بين القارات على تلويث المحيطات والقضاء على الحياة البحرية، كما على تلويث الهواء. فالناقلات الكبرى من أهم مصادر الانبعاثات الغازية الضارة. ويتساءل الفيلم عن جدوى التوسّع غير المحدود في التبادل التجاري تحت راية العولمة والذي لا ينحصر في الآليات والمعدّات والمنتجات المصنّعة، بل يشمل أيضاً نقل الخضار والفواكه من قارة إلى أخرى خارج مواسمها الطبيعية. ويترك للمشاهد الإجابة عن هذا السؤال: إلى متى يمكن الاستمرار على هذا المنوال قبل أن نخسر عناصر التنمية والحياة نفسها؟

في غابات الأمازون البرازيلية، نجد مزارعين محلّيين يحاولون الدفاع عن حقهم في إنتاج الغذاء على أراضيهم في قلب الغابة، التي تقضمها شركات زراعية وصناعية كبرى تعتمد على اقتصاد التصدير. أبطال الفيلم سكان محلّيون حقيقيون، يقاومون الاضطهاد ويواجهون الخوف بالتعاون، لِصَون حقهم في استغلال أراضيهم والحفاظ على ثرواتهم الطبيعية وعاداتهم المحلية، في مواجهة شركات متعددة الجنسية تتنكر بزيّ التقدّم.

«تسميم الجنّة» فيلم أميركي يكشف عن معاناة السكّان الأصليين في إحدى مناطق هاواي، حيث أقامت شركات كبرى مواقع اختبار تجريبية للبذور المعدّلة وراثيّاً والمبيدات الزراعية والتي كانت لها آثار كارثية على الزراعات والأنظمة البيئية المحلية، وأصابت المياه الجوفية والشواطئ بالتلوث. ولا يقتصر الفيلم على الخبراء، بل يعرض التجارب الشخصية لناس أُصيبوا بأمراض سبّبها انتقال المبيدات إلى السلسلة الغذائية، ومزارعون محليون فقدوا مصدر رزقهم التقليدي نتيجة للتداخل الجيني بين البذور المعدّلة والمحاصيل التقليدية. ويتهمون الشركات الكبرى المتعددة الجنسية، المنتجة للبذور المعدّلة وراثيّاً والمبيدات، باحتكار البذور والمساعدة في انتشار الأمراض في الزراعات التقليدية، بهدف الترويج لمنتجاتهم، وهي الوحيدة القادرة على مكافحة الأمراض الزراعية التي تسببت فيها هذه الشركات نفسها. ويدعو الفيلم إلى تعاون بين المزارعين حول العالم للضغط على الحكومات لحماية حقّهم في السيادة على الغذاء، ضد الشركات التجارية العالمية الكبرى ووكلائها المحليين.

في الموضوع نفسه، يعرض فيلم من بوركينا فاسو مقاومة المزارعين في ساحل غربي أفريقيا لتعدّي الشركات الكبرى على حقوقهم. وقد اجتمع المزارعون، مع الناشطين البيئيين والمثقفين والفنانين والطلاب، لإطلاق حركة اجتماعية فاعلة، لا تكتفي بالتظاهرات والمقاطعة والضغط في الشارع، بل تساعد المجتمعات المحلية، خاصة صغار المزارعين والنساء، على إنتاج الغذاء والحصول على دخل لدعم العائلات، مع الحفاظ على حقوقهم الطبيعية.

وتم في مطلع العام و ضمن مهرجان قابس الدولي لسينما البيئة عرض ثلاثة أفلام لشباب قابس في منتدى الاقتصاد الأزرق وهم «بلاد النخلة ما تخلى» لرمزي بن صالح «كنوز الطبيعة» لجاسر موسى و»براكاج» لوليد مرابط وقد تفاعل معها الحاضرون لما تحتويه من تغيير نمط الحياة الواحية و تأثر التوجه الاقتصادي والاجتماعي من جراء التلوث الصناعي الذي بات يؤرق كل سكان جهة قابس جراء تأثيره السلبي على البيئة والطبيعة وصحة الانسان

وحسب ريم عبد المجيد، عن المركز العربي للبحوث والدراسات، فقد ساهم تغير المناخ والكوارث البيئية في ظهور نوع جديد من السينما والتي يطلق عليها السينما الإيكولوجية (Ecological Cinema) أو السينما الخضراء (Green Cinema) أو السينما البيئية (Environmental Cinema) وهي تلك التي تأخذ في الاعتبار مسألة الاستدامة عند تحديد موضوعاتها وكذلك أساليب إنتاجها وفي جميع مراحل إنشائها وحتى توزيعها. فقد اتخذت صناعة السينما ككل منعطفًا بيئيًا يتجلى بوضوح في الخطوط العريضة للسينما التي تتحدث بصرامة عن البيئة.

يأتي تطور هذا النوع من السينما مواكبًا لتزايد الاهتمام بأزمة تغير المناخ على مستوى الدول، والمنظمات الحكومية وغير الحكومة وكذلك على المستوى الشعبي، وهو ما يدفع بالقول إن هوليوود –فيما يتعلق بهذه القضية- كمؤسسة صناعة الأفلام، تقدم موقفًا مناهضًا للرئيس ترامب عبر الأفلام التي تنتجها، رغم أنها في القضايا الأخرى تعد بمثابة أداة ناعمة في يد النظام الذي يستغل قوة تأثيرها على مستوى العالم في تغيير تصورات ومدركات الشعوب لهذه القضايا بما يدفع المشاهد للتأثر بالآراء والتوجهات الأمريكية المرسلة بشكل غير مباشر عبر تلك الأفلام. ومن هنا يبرز التساؤل حول مدى إمكانية تأثير هوليوود في هذه الأزمة خاصة أنه يأتي مغايرًا لموقف الرئيس ترامب.
تأسيسًا على ما تقدم يتم عرض كيفية تناول أفلام هوليوود للكوارث البيئية وأزمة تغير المناخ، وكذلك موقف الرئيس الأمريكي من الأزمة منذ توليه، وأخيرًا مدى تأثير تلك الأفلام على الرأي العام.

تناول هوليوود لأزمة تغير المناخ
تعكس السينما خيالًا عالميًا حول مستقبل القضايا الرئيسية التي تعاني منها المجتمعات اليوم مثل النوع الاجتماعي والتنوع، والأقليات، وكذلك تغير المناخ الذي أصبح محل اهتمام عدد كبير من مشاهدي أفلام هوليوود، حيث أصبحت الأفلام التي تتناوله مسيطرة على شباك التذاكر العالمي.
رغم أن الاهتمام بالبيئة والطبيعة في أفلام هوليوود –قديمًا- تأتى لكونها عنصر مرئي يجذب نظر المشاهد ولكن لكون الكوارث البيئة أصبحت تشكل مصدر تهديد عام لا يمكن تجاهله، تحولت البيئة إلى موضوع المعالجة السينمائية في هوليوود بعد أن كانت مجرد عنصر مرئي.
ويمكن توزيع الأفلام التي تتناول الأزمات البيئية إلى:

• أفلام تعرض مشاهد تطور الكارثة البيئية: هذه الأفلام تقدم
البيئة كعائق أمام أبطال السينما الذين يقع على عاتقهم مقاومة ظروفها القاسية أو النجاة من كارثة طبيعية مثل فيلم (The Revenant) الذي كان على البطل أن ينجو من الشتاء القارس في كندا، و فيلم (San Andreas) الذي واجه أبطاله أكبر زلزال في التاريخ. وفيلم (Crawl) الذي يتناول أوضاع فلوريدا بعد الإعصار وفيه تقوم البطلة بمحاولة إنقاذ أسرتها منه. وكذلك فيلم (The Hottest August) الذي يعرض أوضاع مدينة نيويورك خلال شهر شديد الحرارة الذي أدى إلى خروج مسيرات، والتأثير سلبًا على الأوضاع المعيشية والاقتصادية في المدينة.

• أفلام تتناول مسؤولية الشركات في تغير المناخ: ومن تلك الأفلام (Dark waters) الذي تميز ليس بتركيزه على تغير المناخ ولكن بعرضه التكتيكات التي تستخدمها الشركات لإخفاء الأبحاث التي تثبت الأضرار التي تتسبب فيها للناس وللبيئة، وكيف قامت بمنع قرارات الحكومة التي من شأنها أن تؤثر سلبًا على تلك الشركات بما يعيق استمرار أنشطتها الملوثة للبيئة.

• أفلام تركز على مستقبل العالم بعد تفاقم الكوارث البيئية: ومنها (Alita: Battle Angel و Ready player one) اللذان قدما رؤى مستقبلية للإنسانية بعد أن أصبحت المدن الكبرى عبارة عن مدافن النفايات. وفيلم (Aquaman) الذي يقدم الحرب المستقبلية بين البشرية والكائنات البحرية التي ثارت بسبب تلوث البحار. وكذلك فيلم (Cli-fi) الذي يتخيل الآثار الماضية والحالية والمستقبلية لتغير المناخ. أما فيلم (On a Wing and a Prayer) فيرعض كيف تختفي الأراضي إثر تغير المناخ.

• أفلام تعرض حلولا لأزمة المناخ: ومنها فيلم (Interstellar) الذي ركز على استكشاف الفضاء كحل للأزمة البيئية، كذلك فيلم (Avengers) الذي قدم فيه بطل ثانوس الإبادة الجماعية كحل للأزمة فيرى أنه لضمان توازن الكوكب يجب علينا القضاء على 50 % من سكان المجرة. وفيلم (star wars) الذي يعرض حل التحول نحو التغذية النباتية كمحاولة للحفاظ على الحيوانات من الانقراض ودفع المشاهد نحو التعاطف مع الحيوانات. أما فيلم (Geostorn) فعرض استخدام الأقمار الصناعية بجانب التعاون الدولي كحلول للأزمة، فتناول حال الكوكب بعد أن تسبب الاحتباس الحراري في جعل كوكب الأرض غير صالح للسكان تمامًا بما دفع المجتمع الدولي للتعاون لبناء نظام أقمار صناعية تحيط بالكوكب وتتحكم في الطقس. ويقدم فيلم (Solutions exist: Ice on Fire) مقاربة ذات شقين للتصدي لتغير المناخ، تتمثل في الحد من انبعاثات الكربون وتنفيذ تدابير التخفيض والتي تعني إيقاف تركيزات الغازات الدفيئة التي تبدأ في الانخفاض على أساس سنوي.
تتنوع المبادرات السؤنمائية الصديقة للبيئة في تونس قابس القيروان وفي عواصم الدنيا .

للسينما دور اكيد في نحت الوعي وصياغة رأي عام متحمس لإنقاذ الكوكب والتفاعل الإيجابي مع الخطوات المطلوبة لتقليص المخاطر لتفادي الكارثة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا