تونس والأوزون جيران ...

تونس البلد الصغير محدود التلوث والمشاركة في عوامل ومؤثرات تغير المناخ، يلتزم بمسؤولياته ويكرّيس تعهداته تجاه البيئة الكونية وعناصرها الحساسة ومنها طبقة الأوزون.

المؤشرات المرقمة، والنتائج الدقيقة المسجلة والمحينة، تبين أن تونس معنية بطبقة الأوزون، وأكثر من ذلك هي ملتزمة بالمحافظة عليها وتقليص المواد والانبعاثات المؤثرة والمستنزفة لها، هذا ليس حديثا رسميا وإعلان حسن نوايا وإنما هو جزء من تفعيل بلادنا لتعهداتها ومواصلة أجهزتها تنفيذ بنود التزاماتها المفصلة بالاتفاقيات والبروتوكولات البيئية المختلفة التي صادقت على معظمها وتجتهد برغم محدودية مواردها في الايفاء بتعهداتها وتعزيز مشاركتها المجموعة الدولية الحفاظ على مقدرات الكوكب ومنظوماته وعناصر غشائه الغازي ومنها طبقة الأوزون.

جهود بلادنا وتجسيد التزاماتها في هذا المجال مكنت بحرص من هياكل الدولة وتعاون الصناعيين والمجتمع المدني من التخفيض بنحو 37 ٪ من المواد المستنزفة لطبقة الأوزون،ويلعب المواطن دورا مهما في الإحجام عن استعمال المواد الضارة بالأوزون واستخدام المنتجات ذات العلامة المبينة لسلامتها من الإضرار بها.
ويتجلى هنا بوضوح الأثر المحمود لتوعية المواطن والرهان على نضجه وحسه البيئي في تنفيذ وإنجاح الخيارات الكبرى وهو ما وعته الوكالة الوطنية لحماية المحيط ووحدة الأوزون تحديدا في تكريس مقاربتها في هذا المجال.

وللتذكير فقد انضمت تونس في الى اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون وبروتوكول مونريال بشأن المواد المستنفدة للأوزون منذ سنة 1989 ويُلزم هذا البروتوكول الدول الموقعة، بالتخلص التدريجي من انتاج هذه المواد بما في ذلك مركبات الكربون الهيدروفلورية ومركبات الكربون الكلورية فلورية المستخدمة في التبريد أو التكييف وتمكنت تونس ما بين سنتي 1989 و2010 ، من تنفيذ 46 مشروعا يهدف إلى الحد من هذه المواد بكلفة جملية ناهزت 16 مليون دولار (زهاء43 مليون دينار)

وتركزت هذه المشاريع على قطاعات من بينها التبريد المنزلي والصناعي والتكييف والتكوين والرذاذات والرغاوي واتاحت هذه المشاريع ازالة 1026 طنا من المواد الكلورو فليوركربونية، اي ما يعادل 5 مليون طن من ثاني اكسيد الكربون وازالة الهالونات المستهدمة في قطاع اخماد الحرائق وازالة المذببات، وترمي هذه الاستراتيجية التي انطلقت منذ سنة 2014 بالتعاون بين منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، إلى التخلص من نحو 1.3 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول سنة 2030 .

واتجهت جهود بلادنا في نفس السياق إلى تعزيز القدرات التقنية لكوادر وفنيي الديوانة من اجل مراقبة وتشخيص عمليات توريد وتصدير المواد التي ينظمها بروتوكول مونريال ومكافحة التجارة غير الشرعية لهذه المواد نحو تنقيح تعديل كيغالي لبروتوكول مونريال.
ووفق منسق الوحدة الوطنية للاوزون بالوكالة الوطنية لحماية المحيط، يوسف الهمامي، فإن ما بذل من جهود أتاح لتونس تقليص زهاء 37 بالمائة من الاستهلاك الوطني للمواد الهيدروفليوركربونية حتى سنة 2019

والملاحظ أن تونس تستعد حاليا للتصديق على تعديل كيغالي لبروتوكول مونريال الخاص بالمواد المستنفدة لطبقة الاوزون الرامي الى التخفيض التدريجي في المواد الهيدروفليوركربونية وادمج هذا التعديل المواد الهيدروفليوركربونية في قائمة المواد المستنفذة لطبقة الاوزون المراقبة من طرف بروتوكول مونريال الخاص بالمواد المستنفذة لطبقة الاوزون، باعتبار ان هذه المكونات الكيميائية تظل غازات دفيئة قوية ولها تاثير اجمالي عال على الاحتباس الحراري ويجري بغاية تجسيم هذا التعديل، اعداد استراتيجية وطنية للتخفيض من استعمال المواد الهيدروفليوركربونية في كل القطاعات ولا سيما التبريد والتكييف.

و وفقا لمختص في التبريد وهو أحمد كمون يمثل هذا القطاع نحو 90 ٪ من استهلاك المواد الهيدروفليوركربونية ولئن مكن بروتوكول مونريال المجموعة الدولية، حتى الآن، من التخلص من 99 ٪ من المواد الغازية، بما ساهم في استعادة طبقة الاوزون، فان السبيل لتعافي الكوكب يظل طويلا وتتجلى هنا اهمية مواصلة المسار من خلال تطبيق تعديل كيغالي لبروتوكول مونريال، واذا ما تم تطبيق هذا التعديل بشكل كامل فسيكون من الممكن منع الاحتباس الحراري للكوكب بما يعادل 5ر0 درجة حرارة مائوية (سالسوس) في افق 2100 وفق العلماء

تم إذن في بلادنا تنفيذ مشاريع استثمارية وغير استثمارية مع عديد الأطراف ضمن بروتوكول مونتريال ومع وكالات تنفيذية للجوء لمواد بديلةغير مسببة لاحترار المناخ.

وتفعيلا لاتفاقية فيينا أجرت تونس استراتيجية وطنية للتخلص التدريجي من المواد الهيدروفليروكربونية التي تبينت آثارها السلبية المناخية وتستعمل بالخصوص في مجالات التبريد والتكييف ، وسجل في هذا السياق تنفيذ 49 مشروعا استثماري وغير استثماري مكن من إزالة 1026طنامن المواد الكلورفليروكربونية ,
وللتذكير يجري تركيز منظومة للإشهاد في التبريد والتكييف وتطوير برامج تكوين تعتني بالمواد البديلة ومزيد تأطير إطار الديوانة كما أشرنا لإحكام مراقبة المواد المستوردة وإنشاء نظام خاص لمنع توريد المواد المستنفذة للأوزون.

كما يجري العمل على تنفيذ راسة لرصد المؤسسات التي تستخدم غاز هاش اف سي المستنفذ للاوزون مع إسنادها دعما ماديا ضمن اعتماد معن طريق بروتوكول مونتريال قصد تغيير طرق الانتاج لأقلمتها مع حماية البيئة.
الكوفيد 19 نفع الأوزون؟

وقد عبر البعض عن تفاؤلهم مؤخرا مع توالي مؤشرات تحسن وضعية طبقة وثقب الأوزون، فقد أعلنت وكالة كوبيرنيكوس الأوروبية لمعلومات تغير المناخ عن إنغلاق الثقب التاريخي الذي تشكل في 2020 وشهدته طبقة الأوزون أعلى القارة القطبية الشمالية .
وقالت الوكالة إن وقوع ما يُعرف بانقسام الدوامة القطبية سمح للهواء النقي للأوزون بالولوج إلى القطب الشمالي مما أدى إلى غلق الثقب.

وتكون الثقب نتيجة استنفاد قياسي لطبقة الأوزون فوق القطب الشمالي هذا الشتاء، وهو ما وصفه الخبراء بالوضع غير المعتاد بهذه المنطقة من الكوكب.

ووفق الوكالة الأوروبية، فإن ثقب الأوزون فوق القطب الجنوبي ينتج بشكل أساسي عن المواد الكيميائية التي صنعها الإنسان بما في ذلك الكلور والبروم التي تهاجر إلى طبقة الستراتوسفير؛ وهي طبقة من الغلاف الجوي تقع على ارتفاع يتراوح بين 10 و50 كيلومترًا فوق مستوى سطح البحر.
وتكونت ثقوب مشابهة بنفس المنطقة أعلى القطب الشمالي خلال شتاء عامي 1997 و2011 ولكن بشكل أقل من ظاهرة هذا العام.

للتذكير ولبيان أهمية الجهود التونسية والدولية لحماية طبقة الأوزون، فقد أظهرت نتائج دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد السويسري للطب الاجتماعي والوقائي أن نسبة الأوزون السطحي في هواء المدن الكبيرة أعلى من الحد المسموح به، وهذا يشكل خطرا كبيرا على الصحة، لأنه سام للبشر والحيوانات والنباتات.
وأوضحت مجلة ذا بي ام جي العلمية البريطانية، التي نشرت نتائج الدراسة، أنه على خلاف طبقة الأوزون التي تقع على ارتفاع 20-30 كيلومترا عن سطح الأرض، التي تحمي كوكبنا من الأشعة فوق البنفسجية الضارة المنبعثة من الشمس، فإن الأوزون السطحي هو المكون الأساسي لدخان المدن، ما يشكل خطورة جدية لجميع الكائنات الحية، وهذا الأوزون مؤكسد قوي ويشترك في غالبية التفاعلات التي تنتج عنها جذور الأكسجين الحرة.

وتزداد نسبة الأوزون السطحي بصورة واضحة في المواد الملوثة الموجودة في هواء المدن الكبيرة، لذلك يلاحظ أن الدخان الكثيف يتكون عادة في يوم مشمس من دون هبوب الرياح.

ووفقا للبيانات الواردة في تقرير أكاديمية العلوم الوطنية الأمريكية، يسبب الأوزون السطحي مواد مهيجة ومسرطنة ومتغيرة تؤثر في جسم الإنسان ويمكن أن تسبب الموت المبكر، في حال التعرض لها يوميا في بيئة فيها نسبة هذه المواد أعلى من الحد المسموح به، وهذه النسب تختلف من دولة إلى أخرى وتقاس بميليغرام في المتر المكعب,
وبالرجوع لتونس فأن من ميزات العمل الرسمي والفني والتشاركي في هذا الصدد طابع مؤسسي ببعث مكتب وطني لحماية طبقة الأوزون سنة 1994 اجتهد بكفاءات تونسية رفيعة والتزام ثابت في تكريس القرارات المتخذة بقيانا وهو ما أدى لتتويج تونس في خمس مناسبات بجوائز عالمية تقديرا من البرنامج الأممي للبيئة لانخراطها الفعلي في الجهد الدولي لحماية طبقة الأوزون.

وخولت البرامج المنجزة بكلفة 16 مليون دولار أمريكي في هذا السياق من إزالة 1026 طنا من المواد الكلوروفليرو كربونية سي ف سي 11 وسي ف سي 12.

ومع الإجراءات الدقيقة في مستوى مراقبة وتقنين التوريد في كل ما يتعلق بالمواد الضارة بالأوزون، وتكوين الفنيين في مجالات صيانة المعدات المتصلة بالتكييف والتبريد ومراقبتها، تم تسجيل نسبة تخفيض مهمة في لاستهلاك الوطني للمواد الهيدروكلور فليورو كربونية وبلغ التراجع نسبة 35 بالمئة بالنسبة للمستوى المرجعي الذي يناهز 725 طنا.

وإذا ما واصلت الدول تنفيذ تعهداتها بالوتيرة الحالية، على غرار بلادنا، فإن طبقة الأأوزون ستتعافى مع حلول سنة 2060.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا