هكذا نهزم تغير المناخ ...

نعود لقضية كبرى تمس حالنا ومآلنا، ولكنها تبدو بعيدة المنال، وشبه مبهمة ومستبعدة، على خلاف ما يؤكده العلماء والمختصون..

للاسف، وبناء على أفكار مسبقة وعادات سيئة..لا يمثل تغير المناخ أولوية؟
وليست لدينا في تونس سياسة مناخية..على حد تعبير الخبير المناخي حمدي حشاد.

التغير المناخي يضر اقتصادياتنا ويهدد مستقبل مدننا..
تغير المناخ أمر واقع، لا يمكن ايقافه، ولكن التعايش معه والتأقلم والتكيف ما استطعنا إليه سبيلا..

ويعتبر تغير المناخ بلا جد المعضلة العظمى العصر الراهن والقادم، والتحدي الأكبر لمصير الكوكب ومستقبل البشرية..

في بلادنا وفي شتى أنحاء العالم تتمظهر تجليات الغير المناخي وبدت مؤخرا بشكل صارخ في ارتفاع قياسي لدرجات الحرارة في سيبييا حيث ناهزت 38درجة.

للفرد منا إمكانية مجابهة تغير المناخ لكن لا بأمل صده ووقفه، وإنما بتقليص قوته وأثره ومداه، وذلك مثلا بغراسة المزيد من الأشجار، وتحويل ثاني أوكسيد الكربون إلى صخور وجعل سطح الأرض أكثر انعكاسا ومزيد اللجوء للطاقات المتجددة وخاصة في وسائل النقل النظيف.
تغير المناخ هو في الأساس قضية تنمية. فهو يهدد بتفاقم معدلات الفقر ويضر بالنمو الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، فإن كيفية نمو البلدان المختلفة وما تضخه من استثمارات لتلبية احتياجات مواطنيها من الطاقة والغذاء والمياه إما يذكي من تغير المناخ ويزيد من المخاطر حول العالم أو يسهم في إيجاد الحلول
واقترح أحد المختصين: وجوب أن يواصل الاقتصاد النمو، فلا مناص عن النمو... لكن ما يجب علينا فعله هو فصل النمو عن الانبعاثات الكربونية

وبالنسبة للطاقات المتجددة،وحين نتحدث عن الطاقة يجب أن نتحدث عن الحصول عليها. فحوالي 1.2 مليار شخص في أنحاء العالم ليست لديهم كهرباء ويعتمد 2.8 مليار آخرين في الطهي على الوقود الصلب مثل الأخشاب والفحم النباتي والفحم الحجري، والذي يسبب أضرارا بالغة بتلويث الهواء داخل المنازل.
وعن طريق مبادرة الطاقة المستدامة للجميع، تساند مجموعة البنك الدولي ثلاثة أهداف حتى عام 2030: تعميم الطاقة الحديثة على الجميع، مضاعفة نسبة التحسين في كفاءة استخدام الطاقة، ومضاعفة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي.

ويمثل تحسين كفاءة استخدام الطاقة أمرا حاسما. فكل جيجاوات يمكن توفيرها هي جيجاوات لسنا بحاجة إلى إنتاجها. وعلى مستوى العالم، فإن استخدام الطاقة اليوم يقل حوالي الثلث عما كان يجب عليه الحال بدون التحسينات التي أدخلت على كفاءة استخدام الطاقة خلال السنوات العشرين الماضية.
وفي الوقت ذاته، يتوالى الانخفاض في تكلفة الطاقة المتجددة. وفي كثير من البلدان، أصبحت تكلفة إنتاج الطاقة المتجددة على نطاق المرافق أقل الآن من التكلفة في محطات الوقود الأحفوري أو تعادلها.

ويوصي الخبراء بالتحرك والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره ذلك. إن ممارسات الزراعة المراعية للمناخ تساعد المزارع على زيادة إنتاجية المزرعة وقدرتها على الصمود في مواجهة آثار تغير المناخ مثل الجفاف، وفي الوقت نفسه تصبح بمثابة خزانات لامتصاص الكربون تساعد على الحد من الانبعاثات. وتعدّ الغابات أيضا خزانات مفيدة لامتصاص الكربون وتخزينه في التربة والأشجار والأوراق..

كما يتوجب العمل على بناء مدن مرنة منخفضة انبعاثات الكربون ذلك أن مرافق البنية التحتية التي ستشيد خلال السنوات العشرين المقبلة تزيد عما تم تشييده خلال 6000 سنة مضت.  فالمدن تنمو سريعا وخاصة في العالم النامي. وحوالي نصف سكان العالم يعيشون في المراكز الحضرية اليوم، وبحلول عام 2050 من المتوقع أن تضم المدن ثلثي سكان العالم.

وبالتخطيط الدقيق للنقل واستخدامات الأراضي، ووضع معايير لكفاءة استخدام الطاقة، يمكن بناء المدن بأساليب تحول دون الوقوع في أنماط غير مستدامة. ويمكن أن تتيح فرص عمل وفرصا للفقراء وتحد من تلوث الهواء.

غير أن تمويل هذا النمو كي يصبح مستداما أمر يمثل تحديا. وتوضح البيانات المتاحة أن حوالي 4 ٪ فحسب من أكبر 500 مدينة في البلدان النامية تعتبر ذات جدارة ائتمانية في الأسواق العالمية.  وتساعد مجموعة البنك الدولي المدن على تحسين وضعها الاستراتيجي وتصحيح مقوماته المالية التي ربما تحول دون حصولها على الائتمان.
تُعد المدن مساهِمة رئيسية في تغيُّر المناخ، لكنها قادرة أيضًا على تغيير العالم. إذ إن لها دورًا ضروريًّا في معالجة أزمة التغير المناخي العالمية، وبعضها يضطلع بهذا الدور بالفعل، متسلحًا بما توصل إليه العلم. ومن ثم، لا بد أن تحذو مدنٌ أكثر حذوَ تلك المدن التي تحركت واتخذت إجراءات.

إن الرغبة والقدرة على التغيير قوية على مستوى العالم، كما يتضح من مشاركة الملايين في التحركات الاحتجاجية في الشوارع حول العالم. هذه الدعوة إلى التحرُّك ستتصدر موضوعات البحث خلال المؤتمر الخامس والعشرين (COP25) للأطراف الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ، المنعقد في الفترة من 2 إلى 13 ديسمبر في مدريد. يجمع هذا الاجتماع السنوي أطراف المجتمع الدولي معًا لتبادل الحلول وتحفيز التغيير وتتبُّع التقدُّم المُحرَز نحو الوفاء بالتزامات المناخ التي ينص عليها اتفاق باريس.

وعلينا أن نغتنم هذه الفرص للتعاوُن، بالتزامُن مع اتساع نطاق الأزمات المتصلة بتغيُّر المناخ وتزايُد وتيرتها.

إن الدمار الناجم عن الأحداث المناخية المتطرفة في شدتها قد حفز الدعوات المتزايدة للتحرُّك في مواجهة التغيُّر المناخي في جميع أنحاء العالم. وتُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معرضةً بشكل خاص لتداعيات التغيُّر المناخي، نظرًا لمعاناتها من الجفاف شبه المستمر على المستوى الإقليمي منذ عام 1998، فضلًا عن السيول العارمة التي اجتاحت المملكة العربية السعودية، وموجات الحرارة القاتلة التي عصفت بالكويت، وارتفاع مستويات البحر التي تهدد المواقع الأثرية في مدينة الإسكندرية الساحلية في مصر.

وسوف تتحمل الشعوب في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تكاليف اجتماعية واقتصادية وبيئية أعلى نسبيًّا من جَرَّاء تغيُّر المناخ مقارنةً بسائر أنحاء العالم. وتُعد المناطق الساحلية المنخفضة في تونس وقطر وليبيا والإمارات العربية المتحدة والكويت، وبصورة خاصة في مصر، أكثر عرضةً للمخاطر، وفقًا لآخر تقييم أجرته اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC).

الآن وقت التحرك
ويطرح سؤال لمَ التركيز على المدن؟ ولماذا الآن؟

والجواب مبدئيا..بسبب تسارع وتيرة التحضر.

فبحلول عام 2050، سيعيش ثلثا سكان العالم في مدن تضم حاليًّا بالفعل أكثر من نصف سكان العالم ومعظم مرافق البنى التحتية والأصول والنشاط الاقتصادي. تستهلك هذه المدن 78 % من الطاقة العالمية، وتطلق في الجو أكثر من 60 % من انبعاثات الغازات الملوثة. ومع ذلك، فهي لا تغطي سوى 2 % من مساحة العالم.
ويتوافر عددٌ من الأدلة القوية اللازمة لتوعية الحكومات المحلية والوطنية كي تبادر إلى تصميم مدن قادرة على مواجهة ظاهرة التغيُّر المناخي وتخفيف تأثيرها. وبالنسبة للسكان الضعفاء الذين يعيشون في المدن وحولها، لا سيما النساء والفتيات، قد يصبح ذلك مسألة حياة أو موت.

لقد أصبح لزامًا على المدن أن تستثمر في البحث العلمي لفهم التحديات الفريدة التي تواجهها، وكيفية تأثُّر مواطنيها بها، ولمعرفة الحلول الأكثر مناسَبةً في السياق المحلي.
تقول باربرا شنستون: «سيتكبد الناس في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تكاليف اجتماعية واقتصادية وبيئية أعلى نسبيًّا من جَرَّاء التغيُّر المناخي مقارنة بسائر أنحاء العالم».

ففي الأحياء الفقيرة في أكرا، عاصمة غانا، خلَّفت السيول الناجمة عن الأمطار الغزيرة وفيات، وهدمت منازل، وزادت من خطر الإصابة بالملاريا والأمراض المنقولة عن طريق المياه، مثل الكوليرا. وهناك، تدير دوريندا جرانت روضة أطفال على بُعد خطوات فقط من قناة للصرف الصحي. وعندما تمطر، تفيض القناة وتتسرب المياه القذرة عبر جدران الروضة. وتقول دوريندا إن الأمر ازداد سوءًا في السنوات الأخيرة بسبب تغيُّر أنماط الطقس.

ومن خلال العمل مع دوريندا وجيرانها، درس باحثون النماذج العالمية والإقليمية حول تغيُّر المناخ، ووضعوا سيناريوهات مناخية معقولة لعرضها على صناع السياسة الغانيين ومساعدتهم على تصميم بنية تحتية أفضل للمياه وتخصيص ميزانية لها. وتشمل هذه البنية التحتية: الجسور، وقنوات الصرف والصرف الصحي، وشبكات توزيع المياه وأنظمة الري.

إن العديد من الحلول الرامية للتكيُّف مع التغير المناخي في المناطق الحضرية منخفضة التكلفة، وتتطلب تكنولوجيا بسيطة، وتوفر حلولًا مستقاة من طبيعة المنطقة. ففي مدينة يومبو الصناعية الصغيرة في كولومبيا، استُخدمت بنية تحتية خضراء للتخفيف من الفيضانات والسيول. فبدلًا من الطرق المعبدة يتم إحلال طرق خضراء مسامية يسهِّل للمياه النفاذ عبرها ومن ثم تقلل تأثير الجزر الحرارية الحضرية. وقد أظهرت النتائج أن هذه الطرق تقلل بشكل كبير من مخاطر تشكُّل السيول على المستوى المحلي.

وتتوافر حلول للعديد من صدمات المناخ والضغوط التي تواجه المدن، تدعمها أبحاث علمية شديدة الدقة. ففي جميع أنحاء الجنوب العالمي، يعمل مخططو المدن والقادة الإقليميون منذ سنوات لبناء قدرتهم على الاستباق والتكيُّف والمثابرة.
بالإضافة إلى هذه الجهود، ثمة حاجة إلى توفير تمويل آمن على مستوى المدينة من أجل التصدِّي لتغيُّر المناخ. وسوف تؤثر قدرة المدن على المقاومة والتكيُّف في مواجهة تغيُّر المناخ على القدرة على تحقيق الأهداف العالمية المتعلقة بتغيُّر المناخ والتنمية المستدامة.

فعندما تجتاح المياه مدينة، أو تعصف بها ظواهر مناخية أخرى قاسية، قد يحجب التركيز المطلوب للتصدي للأزمات الصورة الأشمل، التي تكشف عن الأرضية المشتركة بين التحديات والحلول المتوافرة في جميع أنحاء العالم.

لا بد أن نتصدى للأبعاد المتعددة التي تسهم على مستوى المدن في تفشِّي الفقر والضعف وانعدام المساواة، إذا أردنا الوفاء بالالتزام العالمي بشعار «عدم إغفال أحد». وهذا يعني توسيع الالتزام إزاء مناخنا العالمي الذي سوف يتصدر مؤتمر الأطراف COP25 في مدريد، كي نرسخ الحاجة الماسة إلى التحرُّك في الأجندات السياسية والمتصلة بالسياسات والأبحاث والاستثمارات في جميع أنحاء العالم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا