منذ ايام بتونس مصنع "باجة 2" ليكون بذلك إضافة جديدة إلى الخريطة الصناعية.
أنجز المصنع باستثمارات تتجاوز 270 مليون دينار على مساحة 60 ألف متر مربع يشغّل حاليا نحو 2600 عامل مع هدف بلوغ 7500 موطن شغل في أفق 2029 بما سيرفع مجموع العاملين في مصنعي المجموعة بباجة إلى نحو 14700 شخص.
بينما تتحدث الشركة عن استثمارات تجهيز قد تصل إلى 300 مليون دينار يطرح المشروع سؤالا أكبر من حجمه المحلي فهل تستطيع تونس تحويل نجاحها في جذب مصانع مكونات السيارات إلى صناعة أكثر اندماجا وقيمة مضافة أم ستظل في جزء مهم منها منصة إنتاج مرتبطة بقرارات الشركات وسلاسل التوريد الأوروبية؟
هذا السؤال يكتسب وزنا خاصا لأن قطاع مكونات السيارات أصبح أحد أكثر فروع الصناعة التونسية ارتباطا بالتصدير والتشغيل. فالمعطيات التي عرضتها وزارة الصناعة والمهنيون في 2025 و2026 تشير إلى وجود قرابة 300 مؤسسة في القطاع منها نسبة مهمة من المؤسسات ذات المساهمة الأجنبية فيما يتجاوز التشغيل 120 ألف شخص. كما تشير الجمعية التونسية لمصنعي مكونات السيارات إلى أن صادرات القطاع بلغت قرابة 3.9 مليارات يورو سنويا مع توقعات ببلوغ 4.2 مليارات يورو في نهاية 2026. وهذه ليست أرقاما هامشية في اقتصاد يعاني من محدودية النمو وضعف خلق الوظائف الصناعية.
تظهر أهمية القطاع بصورة أوضح عند وضعه داخل الأداء العام للتجارة الخارجية. فقد بلغت صادرات تونس خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 44.67 مليار دينار بزيادة 8% على أساس سنوي بينما ارتفعت صادرات الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 8.5% وفق المعهد الوطني للإحصاء. وتستحوذ السوق الأوروبية على 70.2% من إجمالي الصادرات التونسية مع نمو الصادرات نحو فرنسا وإيطاليا وألمانيا. وبما أن صناعة مكونات السيارات جزء أساسي من النسيج الميكانيكي والكهربائي فإن توسعها يرتبط مباشرة بقدرة تونس على تحسين مواردها من العملة الصعبة وتعويض جزء من الاختلال التجاري.
في الواقع يكشف هذا الارتباط نقطة الضعف التي تتمثل في اعتماد الصناعة الكبير على الطلب الأوروبي مما يجعلها شديدة الحساسية لدورات الصناعة الألمانية والفرنسية والإيطالية وللتغيرات في سلاسل الإمداد العالمية.
ان ميزة تونس الأساسية ليست في انخفاض الأجور وحده بل في وجود قاعدة صناعية راكمت خبرة طويلة في الكوابل والأنظمة الكهربائية والميكانيكية والبلاستيك والإلكترونيات إلى جانب قربها الجغرافي من أوروبا وتوفر مهندسين وفنيين قادرين على العمل وفق المعايير الصناعية الدولية وقد سمح ذلك للقطاع بالانتقال تدريجيا من عمليات التجميع إلى أنشطة أكثر تعقيدا تشمل الهندسة والبرمجيات والبحث والتطوير.
هذه النقلة هي التي ستحدد ما إذا كانت تونس ستظل موردا من الدرجة الثانية في سلسلة السيارات أم ستصعد إلى مواقع أعلى فيها.
غير أن الطريق إلى ذلك ليس سهلا. فالتنافس لم يعد فقط على كلفة اليد العاملة بل على سرعة اللوجستيك واستقرار الطاقة وجودة البنية التحتية والرقمنة والمهارات المتخصصة والقدرة على تطوير منتجات جديدة والأهم من ذلك أن السيارة نفسها تتغير فالانتقال إلى السيارات الكهربائية والمتصلة والأنظمة الذكية يقلص أهمية بعض المكونات التقليدية ويرفع الطلب على الإلكترونيات والبرمجيات وأشباه الموصلات وأنظمة إدارة الطاقة.
إن نجاح تونس في صناعة الكوابل مهما كان مهما لا يضمن تلقائيا نجاحها في الجيل المقبل من الصناعة وقد وضعت الجمعية التونسية لمصنعي مكونات السيارات ضمن أولويات 2026 الانتقال إلى الكهربة والسيارات الذكية والصناعة 4.0 وتعزيز الابتكار والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.
أما التشغيل فهو ربما الاختبار الأكثر حساسية فالإعلان عن 7500 وظيفة إضافية في "باجة 2" يبرز قدرة الصناعة التصديرية على خلق فرص عمل خارج العاصمة والساحل لكنه يكشف في الوقت نفسه تحدي الكفاءات. وقد أبرمت السلطات في يونيو 2026 اتفاقيات تستهدف توفير نحو 1700 موطن شغل في قطاع مكونات السيارات خلال السنة نفسها فيما تمتد الرؤية إلى خلق عشرات الآلاف من الوظائف خلال السنوات المقبلة. المشكلة ليست في عدد الوظائف فقط بل في نوعيتها فالصناعة الجديدة تحتاج تقنيين ومهندسين ومختصي صيانة وأتمتة وبرمجيات لا مجرد يد عاملة قابلة للتدريب السريع.
تبقى مسألة الاندماج المحلي حاسمة. فكلما ارتفعت نسبة المكونات والخدمات التي يتم إنتاجها في تونس ارتفع الأثر الحقيقي للاستثمار الأجنبي على الاقتصاد الوطني. أما إذا ظلت المصانع تستورد معظم مدخلاتها وتصدر المنتج النهائي فإن قيمة الصادرات قد تكون كبيرة بينما تظل القيمة المضافة المحلية محدودة نسبيا.
يمكن الجزم صراحة ان التحدي المقبل لا يتمثل فقط في استقطاب مصانع اخرى بل في بناء شبكة موردين تونسيين قادرة على دخول المستوى الأول والثاني من سلاسل التوريد العالمية وتمويل البحث والتطوير وربط الجامعة بالمؤسسة الصناعية.
تبدو قصة "باجة 2" أكبر من مصنع وأصغر من أن تكون دليلا نهائيا على نجاح استراتيجية صناعيةإنها اختبار حي لقدرة تونس على تحويل الاستثمار الأجنبي من رقم في سجلات الاستثمار إلى منظومة إنتاج ومعرفة وموردين وكفاءات وصادرات ذات قيمة مضافة أعلى. وإذا كان المصنع قادرا على خلق آلاف الوظائف فإن الرهان الحقيقي هو ما إذا كانت تونس قادرة في المقابل على خلق آلاف المهارات والشركات المحلية والمنتجات الجديدة التي تجعل هذه الوظائف جزءا من صناعة تونسية أكثر عمقا لا مجرد امتداد تونسي لخط إنتاج أوروبي.