"طوفان الأقصى" تُقرأ باعتبارها حدثا عسكريا منفصلا في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل باعتبارها نقطة انعطاف أظهرت فشل منظومة الاحتلال الإسرائيلية، وغيّرت موقع القضية الفلسطينية في الحسابات الإقليمية والدولية، ووضعت مشاريع التطبيع أمام واقع أكثر تعقيدا.
فالمشهد الذي بدأ باختراق المقاومة الفلسطينية لمنظومة أمنية وعسكرية إسرائيلية شديدة التحصين، سرعان ما تحول إلى حرب واسعة خلّفت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث، وأدخلت غزة في مسار طويل من الدمار والنزوح وإعادة الإعمار، بالتوازي مع تداعيات سياسية وقانونية ودبلوماسية تجاوزت حدود القطاع.
وتظهر الأرقام حجم التحول. فبحسب بيانات أممية، بلغ عدد الفلسطينيين الذين أُبلغ عن مقتلهم في غزة منذ بداية الحرب أكثر من 74 الفا ، فيما تجاوز عدد المصابين 173 ألفا. كما نزح نحو 1.9 مليون فلسطيني داخل القطاع، بينما فقد أكثر من 60% من السكان منازلهم.
وبذلك، لم تعد نتائج "طوفان الأقصى" تقاس فقط بما جرى في الساعات الأولى للعملية، وإنما بما أحدثته من سلسلة متواصلة من التحولات العسكرية والسياسية والشعبية والقانونية، وما كشفته الحرب من حدود للقوة الاحتلالية الإسرائيلية رغم التفوق العسكري والدعم الأمريكي والغربي.
اذ يؤكد مراقبون أن السابع من أكتوبر كان يوما اهتزت فيه منظومة الردع لغقود، حيث قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على منظومة تجمع بين التفوق الجوي والاستخباري والتكنولوجي، وشبكة واسعة من التحصينات والمراقبة، إلى جانب الاعتقاد بأن قطاع غزة يمكن احتواؤه أمنيا وعسكريا.
لكن "طوفان الأقصى" وجه ضربة مفاجئة لهذه المنظومة.
ويرى محللون أن أهمية السابع من أكتوبر لا تكمن فقط في حجم الهجوم، وإنما في قدرة المقاومة الفلسطينية على تحقيق عنصر المفاجأة واختراق منظومة اعتُبرت لسنوات طويلة مثالا مزعوما للتفوق الاستخباري والعسكري.
ومن هنا بدأ داخل كيان الاحتلال نفسه نقاش واسع حول أسباب الانهيار الأمني في ذلك اليوم، ومدى مسؤولية الأجهزة السياسية والعسكرية والاستخبارية عنه.
ويؤكد مراقبون أن استعادة الاحتلال السيطرة الميدانية لاحقا باستخدام قوة عسكرية ضخمة لا تلغي حقيقة أن منظومة الردع تعرضت لاختبار غير مسبوق، وأن الحرب الطويلة أظهرت أن التفوق في السلاح لا يضمن وحده حسم الصراع أو إنهاء قدرة المقاومة على الاستمرار.
حرب بأرقام تكشف حجم الكارثة
بعد سنوات من الحرب، تحولت غزة إلى واحدة من أكثر المناطق تضررًا في العالم. ويشير أحدث تقرير للأمم المتحدة إلى أن أكثر من 350 ألف وحدة سكنية دُمّرت أو تضررت، وأن أكثر من 60% من سكان القطاع فقدوا منازلهم، فيما وصل عدد النازحين إلى نحو 1.9 مليون شخص، كثير منهم اضطروا إلى النزوح مرات متعددة.
أما على مستوى المباني والمنشآت، فقد أظهرت بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 81% من جميع المنشآت في غزة تعرضت للتدمير أو الضرر، كما تضررت أو دمرت نسبة كبيرة من شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والمنشآت الاقتصادية.
وفي القطاع الصحي، تجاوز عدد العاملين الصحيين الذين قُتلوا 1700 شخص وفق البيانات التي أوردتها الأمم المتحدة، فيما قتل 259 صحفيا وعاملا في الإعلام حتى مارس 2026، بحسب المصدر ذاته.
ولا تعكس هذه الأرقام حجم الخسائر البشرية فقط، بل تشير إلى عمق التحول الذي أصاب البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع، وإلى صعوبة العودة إلى الحياة الطبيعية حتى بعد توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق.
71.5 مليار دولار.. فاتورة إعادة بناء غزة
ولعل الرقم الأكثر دلالة على حجم الدمار يتمثل في كلفة التعافي وإعادة الإعمار.ف التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي يقدّر احتياجات غزة للتعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.5 مليار دولار، في مؤشر على أن آثار الحرب ستتجاوز بكثير فترة العمليات العسكرية نفسها.
وكان تقييم سابق للبنك الدولي قد قدر الأضرار المادية بنحو 30 مليار دولار والخسائر الاقتصادية بنحو 19 مليار دولار، مع تقدير احتياجات التعافي وإعادة الإعمار آنذاك بـ53 مليار دولار. كما أشار إلى أن اقتصاد غزة انكمش بنحو 83% خلال 2024، وأن أسعار الغذاء ارتفعت بنحو 450% خلال عام واحد.
ويرى خبراء أن هذه الأرقام تكشف أن الحرب لم تستهدف البنية العسكرية وحدها، وإنما تركت آثارًا عميقة على الاقتصاد والتعليم والصحة والإسكان والزراعة والمياه، بما يجعل إعادة بناء غزة تحديًا يمتد لسنوات وربما لعقود.
المقاومة في مواجهة التفوق العسكري
ورغم الفارق الهائل في الإمكانات، فإن الحرب لم تنتج حتى الآن المعادلة التي راهن عليها الاحتلال في بداية المواجهة، والمتمثلة في إنهاء قدرة المقاومة على الاستمرار وفرض حسم عسكري كامل.
ويذهب محللون إلى أن أحد أهم دروس "طوفان الأقصى" يتمثل في أن المقاومة لا تحتاج إلى امتلاك القدرات العسكرية ذاتها التي يمتلكها الاحتلال كي تؤثر في المعادلة الاستراتيجية.
فالحروب غير المتكافئة لا تُقاس بعدد الطائرات والدبابات وحده، وإنما بقدرة الطرف الأضعف عسكريا على الصمود، وإبقاء أهدافه السياسية والوطنية حاضرة، ومنع الطرف الأقوى من تحويل تفوقه العسكري إلى تسوية سياسية بشروطه.
ومن هذه الزاوية، يرى مراقبون أن استمرار المقاومة كفاعل سياسي وعسكري خلال الحرب مثّل بحد ذاته تحديا لنظرية الحسم بالقوة.
من غزة إلى الإقليم.. اتساع دائرة المواجهة
لم تبق تداعيات الحرب داخل حدود قطاع غزة. فبعد السابع من أكتوبر، ظهرت جبهات إسناد ومواجهات مرتبطة بالحرب في أكثر من ساحة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، ورفع مستوى المخاوف من انتقال الحرب إلى مواجهة إقليمية أوسع.
ويؤكد خبراء أن هذه التطورات كشفت أن القضية الفلسطينية لا يمكن عزلها عن منظومة الأمن الإقليمي، وأن أي محاولة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بمعزل عن فلسطين ستظل عرضة للاهتزاز عند اندلاع مواجهة كبرى.
كما أن استمرار التوتر الإقليمي أعاد طرح أسئلة حول مستقبل التحالفات العسكرية والأمنية في المنطقة، وحول قدرة واشنطن على إدارة عدة أزمات متزامنة دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ويشير التقرير الأممي الصادر في سبتمبر 2026 إلى أن نحو ثلثي غزة ما زال غير متاح أو خاضعا لقيود شديدة، وأن أكثر من 350 ألف وحدة سكنية تعرضت للدمار أو الضرر، بينما لا تزال الحاجة إلى إعادة بناء القطاع ضخمة.
وهكذا، فإن وقف الحرب لا يعني انتهاء آثار "طوفان الأقصى"، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي على شكل غزة ومستقبلها ومستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
ثلاث سنوات غيّرت صورة المنطقة
بعد ثلاثة أعوام، تبدو حصيلة "طوفان الأقصى" أكبر بكثير من حدود العملية العسكرية نفسها.
فمن جهة، دفعت غزة ثمنا إنسانيا ضخمت أكثر من74 ألف شهيد فلسطيني وفق أحدث الأرقام الأممية المتاحة حتى جوان 2026، وأكثر من 173 ألف جريح، ونحو 1.9 مليون نازح، واحتياجات لإعادة الإعمار تقدر بـ71.5 مليار دولار.
ومن جهة أخرى، تعرضت صورة الاحتلال كقوة لا تُخترق ولا تُهزم لهزة عميقة، وأصبحت قدرته على تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي موضع اختبار مستمر.
ويرى مراقبون أن المعادلة الأهم التي أفرزتها الحرب تتمثل في أن القضية الفلسطينية لم تعد قابلة للتجاوز، وأن محاولة بناء شرق أوسط جديد من دون حل جذور الصراع تبدو أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر.
أما بالنسبة إلى المقاومة، فيؤكد محللون أن "طوفان الأقصى" أعاد طرح مفهوم جديد للقوة في الصراع، يقوم على القدرة على المفاجأة والصمود والاستنزاف، وليس فقط على امتلاك السلاح الأكثر تطورا.
وبينما دفعت غزة ثمنا باهظا، فإن آثار السابع من أكتوبر تجاوزت حدود القطاع لتصل إلى صورة إسرائيل، ومشاريع التطبيع، والتحالفات الإقليمية، والمحاكم الدولية، والرأي العام العالمي.
لهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ثلاثة أعوام ليس فقط: ماذا حدث في السابع من أكتوبر؟ بل ماذا غيّر ذلك اليوم في معادلة الصراع؟
والإجابة، وفق قراءة عدد من المحللين والمراقبين والخبراء، أن "طوفان الأقصى" اعاد فلسطين إلى مركز المشهد، وكسر احتكار الاحتلال لصورة القوة والردع، وفتح مرحلة جديدة من الصراع لن يكون من السهل العودة بعدها إلى المعادلات التي كانت سائدة قبل أكتوبر 2023.
القسام تنشر مشاهد جديدة عشية 7 أكتوبر
من جهتها نشرت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مشاهد جديدة لرئيس الحركة يحيى السنوار إلى جانب أنيس إسماعيل الدربي، من كتيبة الشهيد محمد أبو شمالة "تل السلطان" في لواء رفح، وقائد كتيبة تل السلطان محمود حمدان، وذلك قبل استشهادهما في قطاع غزة.
وكان السنوار قد استشهد في 16 أكتوبر 2024، إثر اشتباك مسلح مع القوات الإسرائيلية في حي تل السلطان بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة.
ويظهر المقطع، الذي بثته القسام، جانبا من التحضيرات الميدانية خلال معركة "طوفان الأقصى"، إذ يظهر السنوار خلال اجتماع ميداني مع الدربي وحمدان، وهو يطالع خرائط عملياتية ويقدم توجيهات تتعلق بإدارة الاشتباك مع القوات الإسرائيلية، في مشاهد قالت الكتائب إنها توثق جانبا من التحضيرات للعمليات.
كما توثق المشاهد مشاركة الدربي في التصدي للقوات الإسرائيلية التي توغلت في رفح جنوبي قطاع غزة، إلى جانب عرض لقطات من التدريبات العسكرية التي خضع لها في مواقع تابعة للقسام قبل اندلاع الحرب.
ولاقى الفيديو انتشارا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداوله ناشطون على نطاق واسع، مرفقا بتعليقات تناولت مضمونه ودلالاته، بالتزامن مع حلول الذكرى الثالثة لمعركة "طوفان الأقصى".
وقال ناشطون فلسطينيون إن ظهور السنوار في المقطع عشية السابع من أكتوبر استحضر صورته بوصفه أحد أبرز قادة الحركة، وربط بعضهم بين هيئته في المشاهد وصور قادة تاريخيين للمقاومة، مستشهدين بالكوفية والعباءة وملامح الرجل المتقدم في العمر الذي يظهر في ميدان القتال.
ورأى آخرون أن الارتباط بالسنوار لا يقتصر على صورته في الميدان، بل يمتد إلى قراءة سيرته وكتبه ومذكراته، معتبرين أن تجربته تحولت إلى مصدر إلهام لبعض الفلسطينيين في مجالات مختلفة.
واستعاد مدونون أبياتا شعرية شهيرة: "وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق"، وذلك تعليقا على الصور الحديثة التي نشرتها القسام للسنوار في معارك تل السلطان بمدينة رفح.
وربط ناشطون بين استمرار تداول صور السنوار وتصريحات إيتمار بن غفير، الذي هدد في وقت سابق بإحراق جثة السنوار إذا أصبح وزيرا للدفاع، معتبرين أن بقاء صوره حاضرة في المشهد رغم مقتله يعكس من وجهة نظرهم استمرار حضوره الرمزي، ويكشف حجم الجدل الذي لا تزال شخصيته تثيره في إسرائيل وفلسطين.
وفي تعليقات أخرى، وصف ناشطون السنوار بأنه "مضى ثابتا في ميدانه"، في إشارة إلى الصور التي ظهر فيها خلال المواجهات في رفح، مع استحضار ما يرونه من رمزية مرتبطة بشخصيته ومسيرته.
وتُعد "أقمار الطوفان" سلسلة من الإصدارات المرئية التي تنتجها وتبثها "كتائب القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس، وتهدف هذه السلسلة إلى توثيق مسيرة وتضحيات قادتها الميدانيين ومقاتليها الذين ارتقوا خلال معركة "طوفان الأقصى" والمواجهات العسكرية في قطاع غزة منذ أواخر عام 2023.