لغزة والقضية الفلسطينية، بالتزامن مع إحياء الذكرى الثالثة لعملية "طوفان الأقصى" خلال الاسبوع المنقضي واخرها الفعالية التي انتظمت الجمعة بجامعة الزيتونة ، في مشهد يعكس استمرار حضور فلسطين في الشارع التونسي، رغم تراجع وتيرة التحركات مقارنة بالفترة الأولى التي أعقبت اندلاع الحرب على قطاع غزة.
تجدد الحضور الطلابي التونسي دعما للقضية الفلسطينية بالتزامن مع الذكرى الثالثة لعملية "طوفان الأقصى"، وفي ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وما خلفته من تداعيات إنسانية واسعة. وشهدت جامعات تونسية في تونس وسوسة وصفاقس والمهدية وجامعة الزيتونة وغيرها، سلسلة من الفعاليات التضامنية التي بادر إلى تنظيمها الاتحاد العام التونسي للطلبة، وتضمنت مهرجانات خطابية وفعاليات رمزية من بينها رفع وتحية العلمين التونسي والفلسطيني.
وتندرج هذه التحركات ضمن مساع لإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الفضاء الجامعي والشبابي، وعدم اختزال التضامن معها في مناسبات مرتبطة بتطورات الحرب أو محطات زمنية محددة، في وقت يشهد فيه الحراك الدولي المساند للفلسطينيين بدوره أشكالاً متعددة داخل الجامعات والساحات العامة.
وأكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للطلبة نزار الجراي في تصريح صحفي أن التحركات الطلابية تعكس تمسك الطلبة التونسيين بموقفهم الداعم للقضية الفلسطينية، مشدداً على أن فلسطين بالنسبة إليهم ليست قضية موسمية أو مرتبطة بحدث عابر. ودعا في هذا السياق إلى إعادة بناء الزخم الشعبي والطلابي، ونقله من ردود الفعل المرتبطة بتطورات الحرب إلى حراك مستمر ومنظم قادر على مواصلة الضغط والتضامن.
حراك متنوع
وتتنوع هذه الفعاليات بين الندوات والوقفات والمسيرات والأنشطة الطلابية والنقابية، إلى جانب المبادرات المدنية التي اتخذت في مراحل سابقة أبعادا إقليمية ودولية، أبرزها قافلة الصمود البرية ثم أسطول الصمود، اللذان شكلا امتدادا للحراك الشعبي التونسي من الشارع المحلي إلى فضاء التضامن الدولي مع الفلسطينيين.
ويأتي تجدد هذه التحركات في وقت تستعيد فيه القضية الفلسطينية حضورها في العديد من العواصم العالمية، سواء عبر المسيرات والاحتجاجات الشعبية أو التحركات الطلابية داخل الجامعات، فضلا عن الحملات المدنية والحقوقية المطالبة بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة في قطاع غزة. وبذلك، لم يعد التضامن مع الفلسطينيين محصوراً في محيطهم العربي، بل تحول إلى حراك عالمي متعدد الأشكال والأدوات.
وفي تونس، كان الشارع من أوائل المساحات التي عكست حجم التفاعل الشعبي مع الحرب، إذ شهدت البلاد منذ السابع من أكتوبر 2023 مسيرات ووقفات احتجاجية واعتصامات أمام مقرات دبلوماسية، إلى جانب حملات لمقاطعة منتجات وشركات مرتبطة بإسرائيل أو داعمة لها، فيما حافظت الجامعات والمنظمات الطلابية والمدنية على حضورها في هذا المسار.
ويقول عضو أسطول الصمود والقافلة البرية خالد بوجمعة في تصريح صحفي إن التفاعل الشعبي التونسي مع غزة كان، منذ بداية الحرب، واسعا وعفوياً، مشيراً إلى أن المسيرات والوقفات الأولى عرفت مشاركة كبيرة من مختلف الفئات الاجتماعية.
لكن بوجمعة يرى أن طبيعة الحراك تغيرت مع مرور الوقت، موضحاً أن التضامن مع فلسطين لا يزال قائماً، غير أن نسق التحركات أصبح أقل انتظاماً وأكثر ارتباطاً بالمحطات الكبرى، وفي مقدمتها ذكرى السابع من أكتوبر، والتحركات المتعلقة بأسطول الصمود، فضلاً عن فترات التصعيد الميداني في غزة.
ويعزو الناشط ذلك إلى طول أمد الحرب وتراكم الأحداث والضغوط الاجتماعية والسياسية، معتبراً أن ما تراجع هو مستوى التعبئة الشعبية وليس حضور القضية الفلسطينية في وجدان التونسيين. ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب، في تقديره، الانتقال من التعاطف الشعبي إلى أشكال أكثر تنظيماً واستمرارية من الفعل المدني.
من تونس إلى موجة التضامن العالمية
ويجد الحراك التونسي امتداده في موجة دولية واسعة من التضامن مع الفلسطينيين، شهدت مشاركة لافتة لقطاعات طلابية ومدنية ونقابية وحقوقية، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة، حيث تحولت الجامعات والساحات العامة إلى منصات للاحتجاج على الحرب والمطالبة بوقف إطلاق النار ورفض استهداف المدنيين.
ويقول الأمين العام للاتحاد العام التونسي للطلبة والناشط في قافلة الصمود نزار الجراي إن حلول الذكرى الثالثة لطوفان الأقصى تأتي في ظل استمرار المساندة للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل الحرية والكرامة وتقرير المصير.
ويشير الجراي إلى أن الأشهر الأولى للحرب شهدت موجة تضامن شعبية كبيرة في تونس والعالم، معتبراً أن الحراك الجماهيري الدولي ساهم في إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة النقاش العام، ومارس ضغطاً متزايداً على الحكومات والمؤسسات الدولية.
ويرى أن أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب تمثل في اتساع مساحة النقاش حول الرواية الفلسطينية داخل المجتمعات الغربية، ولا سيما في أوساط الشباب والطلبة، بعد عقود من هيمنة الرواية الإسرائيلية على جزء كبير من الخطاب السياسي والإعلامي الغربي.
ويعتبر الجراي أن التحركات الشعبية العالمية ساهمت في كشف جوانب من واقع الاحتلال والحرب، وفي لفت الانتباه إلى الوضع الإنساني في غزة، بالتوازي مع تحركات حقوقية وقانونية دولية وضعت المسؤولية عن الانتهاكات أمام المؤسسات القضائية الدولية.
وهكذا، يندرج الحراك التونسي ضمن مشهد دولي أوسع لم يتوقف رغم مرور ثلاث سنوات على "طوفان الأقصى". وإذا كانت حرارة الشارع قد تراجعت مقارنة بالأسابيع والأشهر الأولى للحرب، فإن استمرار الفعاليات في تونس وتواصل التحركات في جامعات ومدن عدة حول العالم يؤكدان أن القضية الفلسطينية لا تزال قادرة على إنتاج موجات جديدة من التضامن، وإن تغيرت أشكالها وأدواتها من الاحتجاج الجماهيري المباشر إلى المبادرات المدنية والطلابية والحقوقية العابرة للحدود.