Print this page

سبتمبر ينطلق بالاحتجاجات والإضرابات: مشهد اجتماعي متحرك تتعدد فيه الملفات والجهات المحتجة..

لم ينتظر شهر سبتمبر الجاري طويلا ليكشف عن ملامح

مناخ اجتماعي محتقن في البلاد، إذ حمل يومه الأول تحركات متزامنة ذات خلفيات ومطالب مختلفة، لكنها تلتقي جميعها عند الملفات الاجتماعية والمهنية والتشغيلية، ففي العاصمة، تصدر أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل المشهد بتحرك احتجاجي في ساحة الحكومة بالقصبة، سرعان ما شهد توترا ومناوشات مع قوات الأمن وإيقافات في صفوف المحتجين.

وبالتوازي، احتج أساتذة ومعلمون نواب أمام مقر وزارة التربية للمطالبة بتسوية وضعياتهم المهنية وإدماجهم، بينما دخل أعوان وإطارات شركة فسفاط قفصة في إضراب عام لثلاثة أيام، احتجاجا على عدد من المطالب المهنية والمالية، وعلى ما تصفه النقابات بتدهور ظروف العمل والسلامة المهنية، ولا تتوقف خارطة التحركات عند هذه الملفات، إذ يلوح إضراب قطاعي في نقل المحروقات يومي 23 و24 سبتمبر الجاري، إلى جانب تحركات مدنية وسياسية أخرى مبرمجة خلال الشهر.

تحرك المعطلين في القصبة

انطلق شهر سبتمبر الجاري بتوتر اجتماعي مرتفع، وسط أسئلة حول قدرة الحكومة والجهات المعنية على احتواء الملفات المطروحة قبل تحولها إلى موجة تصعيد أوسع، حيث شهدت ساحة الحكومة بالقصبة، أمس تحركا احتجاجيا شارك فيه عدد من أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل، بدعوة من اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل، للمطالبة بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بالانتداب الاستثنائي لفائدة من طالت بطالتهم. ورفع المحتجون مطالب تتعلق أساسا بالإسراع في تنفيذ القانون وإصدار الأوامر الترتيبية ذات الصلة، فضلا عن إحداث المنصة الرقمية التي يفترض أن تتيح للمعنيين التسجيل وإيداع مطالبهم ومتابعة مراحل الانتداب، لكن التحرك اتخذ منحى أكثر توترا بعد محاولة عدد من المشاركين تجاوز الحواجز الأمنية، لتسجل مناوشات مع قوات الأمن وإيقافات في صفوف المحتجين، ورفع المحتجون خلال التحرك شعارات تعكس حالة الغضب المرتبطة بملف البطالة والتشغيل، من بينها "لا خوف لا رعب، الشارع ملك الشعب" و"يا حكومة عار عار والمعطل شاعل نار" و"شغل، حرية، كرامة وطنية" و"لا عام، لا اثنين، عشرة وعشرين" و"يا مواطن يا مقموع، زاد الفقر زاد الجوع".

من القصبة إلى وسط العاصمة

حملت بعض الشعارات رسائل سياسية مباشرة، حيث حمّل المحتجون رئيس الجمهورية قيس سعيد مسؤولية ما يعتبرونه تعثرا في معالجة ملفهم. وتحولت الشعارات، بذلك، إلى مرآة للخطاب الاحتجاجي الذي رافق التحرك، حيث امتزج مطلب التشغيل برفض البطالة والتهميش والتأجيل، وبخطاب ينتقد السياسات الاجتماعية والاقتصادية للسلطة. وأكد المشاركون في التحرك تمسكهم بالبقاء في محيط ساحة الحكومة إلى حين الإفراج عن زملائهم الموقوفين، معتبرين أن التحرك يمثل محطة حاسمة في مسار المطالبة بتنفيذ القانون، وشددت زهور الفريجي، عن المكتب الجهوي لاتحاد المعطلين بسيدي بوزيد، على رفض ما وصفته بترحيل الملف إلى سنة 2027، مؤكدة تمسك المحتجين بتنفيذ القانون وعدم التخلي عن مطالبهم. ولم يتوقف التحرك عند ساحة الحكومة، إذ اتجه عدد من المحتجين في مسيرة احتجاجية وصفها المشاركون بـ"مسيرة الغضب" نحو وسط العاصمة والمسرح البلدي، في خطوة عكست رغبة المحتجين في توسيع نطاق تحركهم وإبقاء ملف التشغيل في صدارة الاهتمام العام.

الأساتذة والمعلمون النواب.. احتجاج أمام وزارة التربية

وبالتوازي مع تحرك المعطلين، شهدت العاصمة تحركا احتجاجيا آخر أمام مقر وزارة التربية، حيث نفذ عدد من الأساتذة والمعلمين النواب وقفة للمطالبة بتسوية وضعياتهم المهنية وإعادة إدراج أسمائهم ضمن قاعدة البيانات المعتمدة في مسار الإدماج. وطالب المحتجون خصوصا من باشروا التدريس خلال الفترة الممتدة بين 2006 و2024، بنشر القائمات الاسمية بالمندوبيات الجهوية للتربية واستكمال إجراءات التسوية والإدماج. ويستند المحتجون في مطالبهم إلى الأمر الرئاسي عدد 21 لسنة 2025 المتعلق بتسوية وضعيات المعلمين والأساتذة النواب. ويتمحور جزء من الإشكال، وفق تصريحات المشاركين في الاحتجاج، حول حذف أسماء عدد من النواب من قاعدة البيانات، وهو ما اعتبروه عائقا أمام استكمال مسار إدماجهم. وقد جمعت جلسة ممثلين عن المحتجين برئيس ديوان وزير التربية ومدير الموارد البشرية، غير أن المشاركين أفادوا بعدم التوصل إلى حل ملموس ونهائي لمطالبهم. ويأتي تحرك الأساتذة والمعلمين النواب ليضيف ملفا جديدا إلى قائمة الملفات الاجتماعية المطروحة في بداية سبتمبر الجاري، خصوصا أن قطاع التربية ظل خلال السنوات الأخيرة من أكثر القطاعات ارتباطا بملفات الانتداب والتسوية المهنية والإدماج، وبذلك، لم يعد الضغط الاجتماعي مقتصرا على فئة واحدة من طالبي الشغل، بل امتد إلى فئات مرتبطة مباشرة بالقطاع العمومي وبملفات التشغيل والتسوية المهنية.

فسفاط قفصة.. ثلاثة أيام من الإضراب

وفي الحوض المنجمي، نفذ أعوان وإطارات شركة فسفاط قفصة، أمس، إضرابا عن العمل يتواصل أيام 1 و2 و3 سبتمبر الجاري، في تحرك نقابي يأتي على خلفية جملة من المطالب المهنية والاجتماعية. وأكدت الجامعة العامة للمناجم أن الإضراب يشمل مختلف مواقع العمل التابعة للشركة، في حين تحدثت مصادر نقابية عن نسبة مشاركة ناهزت 95 بالمائة خلال الساعات الأولى من الإضراب. وتتعلق أبرز المطالب المعلنة بتطبيق محاضر الجلسات والاتفاقيات السابقة، وتفعيل الزيادات في الأجور وصرف المستحقات، إلى جانب إدماج زيادات أجور سنوات 2015 و2016 و2017 ضمن الأجر الأساسي للأعوان، فضلا عن استئناف إسناد التسبيقات الاستثنائية. كما يرتبط التحرك بجملة من المخاوف المتعلقة بالوضعية المالية للشركة وديمومتها، إضافة إلى ظروف العمل والسلامة المهنية. وأوضحت الكاتبة العامة للجامعة العامة للمناجم، ريم هلال أن التحرك يأتي في سياق مطالب سبق طرحها ضمن لائحة صادرة عن مجلس قطاعي بالاتحاد الجهوي للشغل بقفصة بتاريخ 30 جوان. وبحسب التصريحات النقابية، كان من المنتظر عقد جلسة عمل مع الإدارة العامة يوم 5 أوت المنقي، إلا أن الجلسة ألغيت، وهو ما اعتبره الطرف النقابي عاملا إضافيا دفع نحو تنفيذ الإضراب.

كما تحدثت عضو الجامعة العامة للمناجم عن مخاوف مرتبطة بالوضعية المالية للشركة، معتبرة أن المؤسسة تواجه صعوبات كبيرة تستوجب توضيحات وضمانات بشأن مستقبلها وديمومتها. ولا يقتصر الملف على الجانب المالي والمطلبي، إذ احتلت السلامة المهنية موقعا بارزا في الخطاب النقابي  خاصة إثر حوادث شغل أودت بحياة عدد من العمال خلال الفترة الأخيرة. وتشير التصريحات النقابية إلى أن حادث وفاة العامل عبد القادر ذياب شكل محطة إضافية في تصاعد الغضب داخل مواقع العمل، بعد أن سبق للعمال تنفيذ وقفة احتجاجية ترحما على روحه يوم 26 أوت المنقضي. ومن المنتظر أن يعقد الاتحاد الجهوي للشغل بقفصة ندوة صحفية خلال الأسبوع الجاري تتناول أسباب الإضراب والوضعية العامة لشركة فسفاط قفصة.

سبتمبر شهر الملفات الاجتماعية

يكشف تزامن تحرك المعطلين واحتجاج الأساتذة والمعلمين النواب وإضراب شركة فسفاط قفصة عن تعدد مصادر التوتر الاجتماعي في البلاد مع بداية سبتمبر الجاري، ففي حين يرتبط ملف المعطلين بالتشغيل وتنفيذ قانون الانتداب الاستثنائي، يرتبط ملف النواب بالتسوية والإدماج في قطاع التربية، بينما يطرح عمال الفسفاط قضايا الأجور والاتفاقيات وظروف العمل والسلامة المهنية وديمومة المؤسس، ورغم اختلاف المطالب، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في علاقة مباشرة بالعمل والتشغيل والاستقرار المهني والاجتماعي.

نقل المحروقات.. إضراب مرتقب يومي 23 و24 سبتمبر

ولا يبدو أن موجة التحركات ستتوقف عند الأيام الأولى من الشهر، فقد تم الإعلان عن إضراب قطاعي في نقل المحروقات يومي 23 و24 سبتمبر بكامل تراب الجمهورية، في تحرك يرتبط بجملة من المطالب المهنية والاجتماعية. ومن بين المطالب المطروحة تطبيق اتفاقات سابقة وتحسين التغطية الاجتماعية وتفعيل الاتفاق المبرم بتاريخ 2 ماي 2019. ويكتسي هذا الإضراب أهمية خاصة بسبب الطبيعة الحيوية للقطاع، إذ يرتبط نقل المحروقات مباشرة بتزويد محطات التوزيع ومختلف الجهات بالوقود وأي اضطراب واسع في هذا القطاع يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز المؤسسات المعنية إلى قطاعات النقل والخدمات والاقتصاد، وهو ما يجعل الإضراب المرتقب أحد أبرز محطات التصعيد النقابي خلال سبتمبر.

تحركات من أجل فلسطين

إلى جانب الملفات الاجتماعية والمهنية، يشهد سبتمبر تحركات ذات طابع سياسي ومدني مرتبطة بالقضية الفلسطينية وبالمطالبة بالإفراج عن عدد من الموقوفين. وفي هذا السياق، دعت تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين إلى المشاركة في مسيرة مقررة يوم الأحد 6 سبتمبر الجاري، تنطلق من أمام النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين. وتقول الجهة الداعية إن التحرك يأتي إسنادا لفلسطين ولبنان ولعدد من الجبهات، ويتزامن، وفق بيان الدعوة، مع مرور ستة أشهر على إيقاف عدد من الأشخاص، إضافة إلى استمرار إضراب أحد الموقوفين عن الطعام.  ويضيف هذا التحرك بعدا آخر إلى المشهد الاجتماعي  خلال سبتمبر، حيث تتقاطع المطالب الاجتماعية مع التحركات السياسية والمدنية في الفضاء العام.

تكشف تحركات اليوم الأول من سبتمبر عن مشهد اجتماعي متحرك تتعدد فيه الملفات والجهات المحتجة، من طالبي الشغل إلى العاملين في التربية والمناجم، وصولا إلى قطاعات أخرى تستعد للتحرك خلال الأسابيع القادمة، شهر انطلق بالغضب في الشارع وبالاحتجاج أمام المؤسسات وبالإضراب في مواقع الإنتاج.

-المعطلون والأساتذة والمعلمون النواب والفسفاط والمحرقات في الواجهة...

 

 

المشاركة في هذا المقال