المشهد السياسي والعسكري في وقت واحد، حيث تتقاطع المفاوضات الأمريكية الإيرانية مع مواجهات ميدانية متصاعدة في لبنان والمنطقة ، وسط مخاوف متزايدة من انهيار مسارات التهدئة والدخول في مرحلة أكثر خطورة من عدم الاستقرار الإقليمي. ففي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن وطهران إبقاء قنوات التواصل مفتوحة لإنجاز تفاهم سياسي جديد، تكشف الوقائع الميدانية عن اتساع رقعة المواجهة وتزايد الضغوط المتبادلة، الأمر الذي يجعل أي اتفاق محتمل رهينة للتطورات العسكرية والأمنية المتلاحقة.
وأحدثت التصريحات الصادرة عن الإدارة الأمريكية تحولا لافتا في مسار التفاوض مع إيران، بعدما طالبت واشنطن بضمانات مكتوبة وواضحة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، بدلا من الاكتفاء بالتعهدات الشفهية التي كانت مطروحة خلال الجولات السابقة من المحادثات.وتعكس هذه الخطوة رغبة أمريكية في بناء اتفاق مختلف، خصوصا بعد سنوات من الجدل حول آليات الرقابة والتأكد من التزام طهران بتعهداتها النووية.
وبحسب المواقف المعلنة من المسؤولين الأمريكيين، فإن الإدارة الأمريكية تركز على ثلاثة ملفات رئيسية تتمثل في الحد من أنشطة تخصيب اليورانيوم، والتعامل مع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إضافة إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز الذي يمثل شريانا حيويا لأسواق الطاقة العالمية.
ويرى مراقبون أن هذه المطالب تعكس توجها أمريكيا نحو ربط أي تخفيف للعقوبات الاقتصادية بتنازلات إيرانية ملموسة يمكن التحقق منها عمليا، وهو ما يرفع سقف التوقعات ويزيد في الوقت نفسه من صعوبة الوصول إلى تسوية سريعة خصوصا إذا تمسكت طهران بمطالبها المشروعة.
مضيق هرمز.. مركز المواجهة
بالتوازي مع التجاذبات السياسية، تصاعدت حدة التوتر في المنطقة بعد تبادل الاتهامات والضربات بين الولايات المتحدة وإيران في محيط مضيق هرمز.وأعلنت طهران أنها نفذت هجمات استهدفت منشآت وقواعد أمريكية في الكويت والبحرين ردا على ضربات أمريكية طالت أهدافا إيرانية، من بينها ناقلة نفط ومنشآت في جزيرة ''قشم''.
في المقابل، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الدفاعات الجوية اعترضت معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مشيرة إلى أن الهجمات لم تحقق أهدافها العسكرية المعلنة.
ويبرز مضيق هرمز مجددا باعتباره نقطة الاختبار الأخطر في الصراع القائم، نظراً لأهميته الإستراتيجية بالنسبة لتجارة النفط والغاز العالمية. فكل تصعيد عسكري في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية، ويثير مخاوف من اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الطرفين يحاولان استخدام أوراق الضغط المتاحة دون الدخول في مواجهة شاملة، إلا أنّ استمرار العمليات العسكرية المتبادلة يزيد احتمالات حدوث خطأ ميداني قد يقود إلى تصعيد أوسع يصعب احتواؤه.
الكويت والبحرين في قلب التوتر
ووضعت الهجمات الأخيرة الكويت والبحرين في دائرة الأحداث، بعدما أعلنت السلطات الكويتية تعرض أراضيها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما تحدثت طهران عن استهداف مواقع عسكرية أمريكية قائلة أنها ''جزء من منظومة العمليات الأمريكية في المنطقة'' وفق تصريحات إيرانية.
وأدّت التطورات الأمنية إلى تفعيل خطط الطوارئ في عدد من المرافق الحيوية، وفي مقدمتها مطار الكويت الدولي الذي شهد إجراءات استثنائية شملت تعليق بعض الرحلات وتحويل أخرى إلى مطارات بديلة.
كما أثارت الاتهامات الإيرانية المباشرة للكويت والبحرين تساؤلات حول احتمالات توسع دائرة الصراع لتشمل دولا خليجية أخرى، الأمر الذي قد يفرض تحديات أمنية وسياسية إضافية على المنطقة بأسرها.وتشير المعطيات الحالية إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام مفترق طرق حاسم، فمن جهة، ما تزال المفاوضات الأمريكية الإيرانية تمثل فرصة لتخفيف حدة التوتر وإعادة إحياء مسار سياسي يمكن أن يحد من مخاطر المواجهة. ومن جهة أخرى، فإن استمرار العمليات العسكرية في المنطقة ولبنان يهدد بتقويض أي تقدم دبلوماسي، ويجعل احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.
وبينما تواصل واشنطن رفع سقف مطالبها النووية، وتصر طهران على رفض ما تعتبره شروطا متغيرة باستمرار، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك على خط رفيع يفصل بين التفاهم المؤقت والانفجار الواسع. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح الضغوط السياسية والعسكرية في دفع الأطراف نحو اتفاق جديد، أم أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة أكثر اضطرابا قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة بأسرها؟
تنديد عربي بقصف الكويت والبحرين
على صعيد متصل أثارت الهجمات الإيرانية التي استهدفت مطار الكويت الدولي ومنشآت مدنية في كل من الكويت والبحرين موجة تنديد عربية، في وقت توعدت فيه طهران باستخدام كل قدراتها للرد على ما وصفته بـ"مصادر العدوان".فقد أدان مجلس التعاون الخليجي بأشد العبارات العدوان الإيراني المتواصل على مملكة البحرين ودولة الكويت، مؤكدا أن استهداف الأعيان المدنية والبنى التحتية والمقرات والبعثات الدبلوماسية يمثل تصعيدا خطيرا وغير مسبوق في مسار التوترات الإقليمية.
وشدد الأمين العام على أن أمن مملكة البحرين ودولة الكويت يُعد جزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون، مؤكدا وقوف دول المجلس صفا واحدا في مواجهة هذه التهديدات. وفي الدوحة، أعربت وزارة الخارجية القطرية عن إدانة شديدة للهجمات التي أصابت أعيانا مدنية في الكويت والبحرين، بما في ذلك استهداف مطار الكويت وما خلفه من أضرار جسيمة وإصابات.من جانبها، أعربت وزارة الخارجية السعودية عن "إدانة المملكة واستنكارها للاعتداء الإيراني الغاشم والانتهاك السافر لسيادة مملكة البحرين ودولة الكويت".
وفي أبوظبي، أدانت وزارة الخارجية الإماراتية بشدة الاعتداءات التي استهدفت الكويت والبحرين.بدوره، أدان الأردن الهجمات الإيرانية التي طالت منشآت مدنية وحيوية في البلدين، بما فيها مطار الكويت الدولي، واصفا إياها بأنها انتهاك سافر للسيادة وخرق صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
لبنان.. جبهة مشتعلة
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو منطقة الشرق الاوسط، تستمر الجبهة اللبنانية في الاشتعال بوتيرة متصاعدة. فقد أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة إنذارات جديدة لسكان عدد من القرى والبلدات الجنوبية لإخلاء منازلهم تمهيداً لتنفيذ غارات جوية، في خطوة تعكس استمرار التصعيد الميداني رغم المساعي السياسية الجارية.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، حيث تسعى الأطراف المعنية إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع وصول الحدود الجنوبية إلى حرب مفتوحة.غير أن استمرار العمليات العسكرية وسقوط ضحايا لبنانيين في ظل استمرار الانتهاكات الصهيونية يشير إلى هشاشة التفاهمات القائمة، ويعزز المخاوف من أن تتحول أي حادثة ميدانية إلى شرارة مواجهة أوسع.
من مضيق هرمز إلى الكويت والبحرين.. توسّع خريطة التوتر في المنطقة وواشنطن تشدد شروط التفاوض مع طهران
- بقلم وفاء العرفاوي
- 15:21 04/06/2026
تشهد منطقة الشرق الأوسط تطورات متسارعة تعكس تعقيدات
آخر مقالات وفاء العرفاوي
- صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني لـ''المغرب'' ''الاحتلال الإسرائيلي مستمر في إبادة غزة على مرأى ومسمع العالم''
- بين ضغوط واشنطن وحسابات الميدان ..هدوء مُعلن وتصعيد مستمر
- الاحتلال يهدد باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت تصعيد متزامن في لبنان وإيران يُربك المسار الدبلوماسي
- فيما الوساطة الصينية الباكستانية ترسم ملامح نهاية الحرب تصعيد الجنوب اللبناني يهدد الهدنة
- بين وساطة باكستان وقرع طبول الحرب في الخليج: هل سقطت الهدنة تحت وطأة الحرب المصغرة؟