المدنية في ايران، وسندان الإصرار الإيراني على اتفاق شامل يضمن التعويضات، تبقى الساعات القادمة حاسمة. ويرى محللون ان المنطقة أمام استراتيجية "حافة الهاوية" التي يعتمدها ترامب، حيث يرفع سقف التهديد إلى أقصى درجاته عبر التلويح بتدمير الحضارة لانتزاع تنازلات كبرى في اللحظات الأخيرة.
من الناحية العسكرية ان أي استهداف للجسور ومحطات الطاقة سيعني تحول الصراع إلى "حرب شاملة" تستنزف المنطقة.
تهديدات ترامب العبثة
وسط استمرار الغارات الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ 28 فيفري المنقضي، دخلت الأزمة مرحلة جديدة من التصعيد بعد تحذيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من "موت حضارة بأكملها" إذا لم تستجب إيران للمطالب الأمريكية قبل انتهاء المهلة المحددة منتصف ليل الثلاثاء بتوقيت "غرينتش".
في منشور على منصته "تروث سوشيال"، وصف ترامب السيناريو المحتمل بالعواقب الكارثية، مشيرا إلى أن "حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبدا"، في لغة لم يسبق أن استخدمها رئيس أمريكي في سياق النزاعات الحديثة، ما يعكس نهجا متطرفا في الضغط السياسي والعسكري على طهران.
ولم يكتف ترامب بالخطاب الإعلامي، بل أعلن عن نية القوات الأمريكية تدمير الجسور ومحطات توليد الكهرباء، وهو ما وصفه مراقبون بأنه قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب. إذ تشير هذه الخطوة إلى أن واشنطن تسعى لتفكيك البنية التحتية الإيرانية الحيوية، بما يتجاوز الضربات العسكرية التقليدية إلى ضرب الاقتصاد والمجتمع المدني بشكل مباشر.
في الوقت نفسه، حدد ترامب الهدف الاستراتيجي للمبادرة الأمريكية وهو إنهاء "إغلاق مضيق هرمز"، الممر المائي الحيوي لنقل النفط والسلع، وهو ما يجعل أي فشل في التوصل إلى اتفاق له انعكاسات عالمية على أسعار النفط والأمن البحري.
وحذّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الثلاثاء من "موت حضارة بأكملها" في إيران إذا لم تستجب البلاد لإنذاره النهائي بقبول مطالب الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. وكتب ترامب على منصته "تروث سوشيال"، "حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبدا. لا أريد ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث. من يدري؟".ولم يدل ترامب بتفاصيل إضافية، لكنه سبق أن صرّح بأن الجيش الأمريكي قد يقصف الجسور ومحطات توليد الطاقة وغيرها من البنى التحتية المدنية في إيران حتى "يُدمّرها تماما" في حال عدم بلوغ اتفاق ضمن المهلة المحددة.
وأشار الاثنين إلى أنّ مقترح وقف إطلاق النار المؤقت المتداول غير كاف. ورفضت إيران الضغوط الأمريكية، وأفادت وسائل إعلامها الرسمية بأن السلطات تُصرّ على إنهاء الحرب بشكل كامل بدلا من الاكتفاء بوقف لإطلاق النار. وفي منشور له على منصة "تروث سوشيال"، أبقى ترامب الباب مفتوحا أمام اتفاق في اللحظات الأخيرة.وكتب "الآن وقد تحقق تغيير النظام الكامل والشامل، حيث تسود عقليات مختلفة وأكثر ذكاء وأقل تطرفا، ربما يحدث شيء رائع ثوري، من يدري؟ سنعرف ذلك الليلة".
وقال ترامب الاثنين إن القوات الأمريكية ستبدأ اعتبارا من مساء الثلاثاء بتوقيت العاصمة الأمريكية واشنطن، بتدمير كل الجسور في إيران وتعطيل كل محطات توليد الكهرباء في البلاد، وهو ما يعتبره العديد من الخبراء جريمة حرب.
وتشن الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية غارات جوية متواصلة على إيران منذ 28 فيفري، وحتى قبل تهديد ترامب بإنهاء "الحضارة" الإيرانيّة، أعلنت طهران أمس الثلاثاء أنّ جزيرة خارك الإستراتيجيّة التي ترتدي أهمية كبرى على صعيد صادراتها النفطية تعرّضت لهجمات عدّة.
وأمهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور مقتضب على منصة "تروث سوشيال" التي يملكها، إيران للوصول إلى اتفاق حتى يوم أمس الثلاثاء.
الموقف الإيراني
من جانبها، رفضت إيران الضغوط الأمريكيّة، مؤكّدة عبر وسائل إعلامها الرسمية أنّ أي وقف إطلاق نار مؤقت لا يشكل حلا، وأنها تسعى لإنهاء الحرب بشكل كامل. هذا الموقف يعكس إستراتيجية طهران القائمة على التمسك بالضمانات قبل التفاوض، ومقاومة التنازل تحت الضغط العسكري المكثف.
وتعرّضت جزيرة ''خارك'' الإستراتيجية، الواقعة قبالة سواحل إيران، لهجمات متعددة، بحسب التقارير، وهو ما يعكس تصعيدا مستمرا في استهداف المراكز الاقتصادية الحيوية، ما يزيد من المخاطر على المدنيين ويضع المنطقة أمام احتمال توسيع نطاق الصراع.
ووفق مراقبين يمثّل التهديد الأمريكي باستخدام القوة لتدمير "حضارة" بأكملها تحوّلا خطيرا في خطاب الحرب، من الضربات العسكرية المحدودة إلى تهديدات مباشرة بالهدم الشامل للبنية التحتية المدنية. وقد تدفع هذه اللغة الاستفزازية إيران إلى مزيد من التشدد والمناورة الدفاعية، بما يزيد من احتمال الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.كما أنّ فتح الباب أمام ''اتفاق اللحظة الأخيرة'' يعكس إستراتيجية ترامب القائمة على الضغط النفسي المستمر، في محاولة لدفع إيران إلى التنازل تحت التهديد، وهو أسلوب قد يكون محفوفا بالمخاطر على استقرار المنطقة وأمن الملاحة الدولية.
مع استمرار الغارات الأمريكية والإسرائيلية ورفض إيران للمقترحات الجزئية، يبدو أن المنطقة على أعتاب مرحلة حرجة حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع السياسية والدبلوماسية، وسط مخاطر كبيرة على المدنيين والبنية الاقتصادية. إذ لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل أصبح اختبارا لإرادة القوى الكبرى في فرض شروطها، مع تداعيات عالمية محتملة تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
شروط إيران لمحادثات السلام
وفي تطور يعكس عمق التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، كشفت مصادر عن شروط طهران المسبقة للدخول في محادثات تهدف إلى إرساء سلام دائم مع واشنطن. هذه الشروط، التي تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، تطرح رؤية إيرانية شاملة ، سياسية وأمنية واقتصادية.
وتتمحور المطالب الإيرانية -وفق تسريبات- حول ثلاثة عناصر رئيسيّة وهي وقف فوري للهجمات، ضمانات بعدم تكرارها، وتعويضات عن الأضرار. وتعكس هذه النقاط بوضوح فجوة الثقة بين الطرفين، خاصة في ظلّ تجارب سابقة شهدت انسحابات أحادية من اتفاقيات دولية، ما جعل طهران أكثر تشددا في أي مسار تفاوضي جديد.
ووفق خبراء يشير رفض إيران لفكرة وقف إطلاق نار مؤقت إلى إدراكها أن الحلول المرحلية قد تؤدي إلى تجدد التصعيد، وبالتالي فهي تسعى إلى اتفاق طويل الأمد يضمن استقرارا نسبيا .
مضيق هرمز.. ورقة ضغط
ولعل من أبرز ما ورد في الطرح الإيراني هو السعي إلى فرض رسوم على السفن العابرة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذه الخطوة- إن تم تطبيقها- قد تعيد رسم قواعد التجارة العالمية للطاقة، إذ يمر عبر المضيق جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
ويعكس هذا التوجه محاولة إيرانية لتحويل الموقع الجغرافي إلى أداة ضغط اقتصادية، تمنحها نفوذا إضافيا في أي مفاوضات مستقبلية، لكنه في الوقت ذاته قد يفتح بابا لصدامات قانونية مع المجتمع الدولي، الذي يتمسك بحرية الملاحة.
من المتوقع أن تثير هذه الشروط ردود فعل حذرة أو رافضة من جانب الولايات المتحدة، التي ترى في حرية الملاحة مبدأ غير قابل للتفاوض. كما أن دولا كبرى تعتمد على إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز قد تنظر بقلق إلى أي محاولة لفرض قيود أو رسوم على العبور. ويمكن قراءة الطرح الإيراني ضمن إستراتيجية تفاوضية تقوم على رفع سقف المطالب قبل الدخول في أي حوار فعلي. اذ يمنح هذا النهج طهران مساحة للمناورة. وتكشف الشروط الإيرانية عن تحول في طبيعة الخطاب السياسي من إدارة الأزمات إلى محاولة فرض معادلة جديدة.
جلسة مجلس الأمن
ويصوت مجلس الأمن الدولي في وقت متأخر الثلاثاء، على مشروع قرار مخفف يدعو إلى إعادة فتح مضيق هرمز، لكنه يخلو من أي تفويض يسمح باستخدام القوة لتحقيق ذلك، على عكس ما كانت تسعى إليه الدول الخليجية الراعية للنص.
ويأتي هذا التصويت قبل ساعات فقط من انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة فتح المضيق، والتي من المتوقع أن تواجه إيران خلالها ضربات عسكرية أمريكية تستهدف محطات الطاقة والجسور إذا لم تتوصل إلى اتفاق.
وكان التصويت قد تأجل في مجلس الأمن لإتاحة الفرصة أمام الدول الأعضاء لإعادة صياغة النص الذي تقدمت به البحرين، على أمل تجنب رفضه من قبل روسيا أو الصين أو فرنسا. ومن المقرر أن يجري التصويت عند الساعة 11:00 صباحا (03:00 بتوقيت غرينتش)، رغم أن النتيجة لا تزال غير محسومة.
وبحسب مسودة نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية، فإن النص المعدل لم يعد يتضمن أي إشارة إلى السماح باستخدام القوة، حتى بشكل دفاعي، وهو ما يتناقض مع جوهر المقترح البحريني الذي حظي بدعم أمريكي وخليجي، وكان يهدف إلى الحصول على تفويض أممي صريح لأي دولة ترغب في فرض إعادة فتح المضيق عسكريا.
وبدلا من ذلك، تشجع المسودة الأخيرة "الدول بقوة على تنسيق الجهود ذات الطابع الدفاعي، بما يتناسب مع الظروف، للمساهمة في ضمان سلامة وأمن الملاحة، بما في ذلك عبر مرافقة السفن التجارية". كما "تطالب" إيران بـ"وقف فوري لجميع الهجمات ضد السفن التجارية وأي محاولات لعرقلة المرور أو حرية الملاحة في مضيق هرمز"، وتدعو أيضا إلى إنهاء الهجمات على البنية التحتية المدنية للمياه والنفط والغاز.
وقد تراجعت معارضة فرنسا للمسودة الأصلية بعد إضافة عبارة تفيد بأن أي عمل يجب أن يكون "دفاعيا"، غير أن المسودة الأخيرة لا تنص صراحة على السماح باستخدام القوة. وقال السفير الفرنسي جيروم بونافونت، الخميس الماضي، إن على المجلس الآن "تطوير استجابة دفاعية ضرورية بسرعة" للوضع.
بدوره، قال دانيال فورتي، رئيس شؤون الأمم المتحدة في مجموعة الأزما الدولية، وفق وكالة الصحافة الفرنسية: "ستحصل البحرين والدول الداعمة لها على رفض دبلوماسي واضح لعرقلة إيران للمضيق، حتى وإن لم تنجح في الحصول على تفويض باستخدام القوة".وأضاف: "في المقابل، ستنجح الصين وروسيا في منع المجلس من تبني رد عسكري قد يؤدي إلى تصعيد، حتى وإن تجاوز النص دور الولايات المتحدة وإسرائيل في الصراع".
ضمانات دولية
من جانبها أكدت قطر،أمس الثلاثاء، أن أي اتفاق بشأن مضيق هرمز الذي تغلقه إيران يجب أن يكون "بضمانات دولية"، ورفضت استخدام المضيق كـ"ورقة ضغط في أي نزاع".
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحفي، إن بلاده ترفض استخدام المضيق كـ"ورقة ضغط في أي نزاع"، محذرا من تداعيات تعطيله على أمن الطاقة والغذاء عالمياً.واعتبر استمرار إغلاق المضيق "عبثا بالقانون الدولي وبأمن الطاقة والغذاء"، مؤكدا أنه لن يؤدي لحل.
وفي 2 مارس الماضي، أعلنت إيران تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، مهددة بمهاجمة أي سفن تحاول عبوره دون تنسيق بسبب الهجمات الأمريكية الإسرائيلية ضدها.جاء ذلك في إطار ردها على العدوان الأمريكي الإسرائيلي المستمر عليها منذ 28 فيفري الماضي، الذي أسفر عن آلاف القتلى والجرحى، واغتيال قادة أبرزهم المرشد السابق علي خامنئي، ومسؤولون أمنيون.وشدد الأنصاري على أن أي محاولة لفرض رسوم "يجب ألا تتم إلا في إطار توافق إقليمي، وليس حقا لأحد فرضه بشكل منفرد".
وفي 31 مارس الماضي، وافقت لجنة الأمن القومي الإيرانية على مشروع قانون في البرلمان يقضي بفرض رسوم على المرور عبر مضيق هرمز.وأضاف المتحدث أن قطر قلقة من التصعيد المحتمل بالمنطقة، مشيرا إلى حراك دولي مكثف للتعامل مع الأزمة، بالتزامن مع مهلة أمريكية لطهران تنتهي خلال ساعات.
وأكد الأنصاري أن موقف بلاده من الوساطة هو "عدم الانخراط والاكتفاء بالدفاع عن نفسها ضد العدوان الإيراني ودعم أي جهود لخفض التصعيد"، مشددا على أن الحل يبدأ بوقفه.وعن التأثيرات التجارية المحتملة جراء التصعيد الحالي، أكد متحدث الخارجية القطرية، أن بلاده جاهزة لكل السيناريوهات.
توتر جنوب لبنان
في الأثناء أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أمس الثلاثاء أنه استكمل نشر قواته البرية على "خط دفاع" في جنوب لبنان حيث تدور معارك مع مقاتلي حزب الله المدعوم من إيران في سياق الحرب المتواصلة بين الطرفين منذ أكثر من شهر.
ولم يقدّم الجيش أي تفاصيل جغرافية حول أقصى نقطة تقدمت إليها قواته في الأراضي اللبنانية، لكن مصدرا عسكريا لبنانيا قال إن أبعد نقطة تقدم اليها الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان تبعد نحو 9 كيلومترات من الحدود.
وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية عدة بأنّ الجيش لا يعتزم في هذه المرحلة دفع قواته إلى مسافة أبعد من نحو 20 كيلومترا شمال الحدود.
وكان وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن اواخر مارس أن إسرائيل عازمة على إقامة "منطقة أمنية" في جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني الذي يبعد نحو 30 كيلومترا من الحدود اللبنانية، لمنع إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة أو صواريخ مضادة.
وقال المصدر العسكري اللبناني إن جيش الاحتلال الإسرائيلي تقدّم في القطاع الغربي "حوالي 9 كيلومترات" وفي القطاع الأوسط تقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية في بعض المناطق "نحو خمسة كيلومترات"، و"7 كيلومترات" في القطاع الشرقي.
وأفاد المصدر العسكري عن سماع "أصوات انفجارات ضخمة" مصدرها المنطقة التي تنتشر فيها القوات الاسرائيلية وانسحب منها الجيش اللبناني في وقت سابق.بدوره، قال مصدر أمني ميداني وفق وكالة فرانس برلس إن الجيش الإسرائيلي على مرتفعات تُشرف على المناطق التي تقدّم فيها، لا سيما في البياضة في القطاع الغربي.
من جهته، قال حزب الله أمس الثلاثاء إنه يخوض اشتباكات مع قوات إسرائيلية عند أطراف مدينة بنت جبيل القريبة من الحدود، والتي شهدت معارك ضارية بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حروب سابقة.